طالب المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، آدم رجال، بضرورة توفير "حماية دولية فعّالة وعاجلة للمدنيين في السودان، خاصة في معسكرات النزوح التي تفتقر لأي جهة رسمية قادرة على تأمينهم"، مُشدّدا على أن "المدنيين يعيشون اليوم بلا أي حماية حقيقية، وباتوا عرضة للقتل والعنف والاغتصاب والجوع، في ظل غياب مؤسسات الدولة، وانعدام الأمن، واستمرار القتال في المدن والقرى دون تمييز".



وحذّر رجال، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، من أن المجاعة "ربما تبتلع إقليم دارفور بأكمله إن لم يتحرك المجتمع الدولي بسرعة لتوفير حماية حقيقية للمدنيين وإيقاف الحرب الدائرة التي دمّرت الحياة ومصادر العيش"، مؤكدا أن "استمرار الحرب جعل الملايين بلا غذاء أو مأوى أو دواء، والقصف والحصار حوّلا دارفور إلى منطقة منكوبة تعيش على حافة المجاعة والانهيار الكامل".


وطالب المجتمع الدولي بـ"التحرك العاجل لوقف الحرب وإيصال المساعدات، لأن الوضع لم يعد يحتمل مزيدا من التأجيل؛ فدارفور تتجه بشكل متسارع نحو مجاعة حقيقية وانهيار شامل لكل مقومات الحياة الإنسانية"، مُشدّدا على أن "السلام وحده هو السبيل الوحيد لإنقاذ السودان من هذا الانهيار الإنساني؛ فهو الذي سينقذ الأرواح ويعيد لدارفور إنسانيتها المفقودة منذ أكثر من 20 عاما، ولذلك يجب على العالم أن يستجيب فورا قبل فوات الأوان".

انتهاكات مروعة بكل المقاييس
وأكد رجال أن "الأوضاع الإنسانية في إقليم دارفور اليوم بلغت مستوى كارثيا وغير مسبوق؛ فالانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون فظيعة ومروعة بكل المقاييس"، مشيرا إلى أن "من أبرز الصعوبات التي تواجه العائلات النازحة أثناء رحلة الفرار هي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وانعدام الأمان في الطرق من مناطق النزاع وإليها، وهو الخطر الأكبر الذي يلاحقهم في كل خطوة".

وأضاف أن "شهادات الضحايا التي وثقتها المنسقية تكشف عن قصص مؤلمة، يرويها ناجون ما زالوا تحت وقع الصدمة، بعضهم فقد أسرته بأكملها، وآخرون عانوا من التعذيب والتهديد والإهانة"، مؤكدا أن "هذه الانتهاكات ليست حوادث فردية، بل جرائم ممنهجة تستهدف المدنيين الضعفاء دون تمييز، في ظل غياب تام لسيادة القانون".

وأكد رجال، أن "المنسقية وثقت أيضا حالات عنف جنسي واغتصاب واختطاف وتعذيب بحق النساء والفتيات، وهي من أبشع إفرازات الحرب"، موضحا أن "بعض الجماعات المسلحة تستغل حالة الفوضى والانفلات الأمني لترويع المدنيين، مستفيدة من غياب القانون ومن صمت المجتمع الدولي على هذه الانتهاكات المتكررة".


وأشار المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، إلى أن "هناك من الناجين مَن يمتلكون الشجاعة والقدرة على رواية ما مروا به من أهوال، وهؤلاء الشهود يلعبون دورا محوريا في دعم العدالة الدولية، لأن شهاداتهم تُمثل الأساس في بناء الملفات القانونية وتوثيق الجرائم التي ارتُكبت على نطاق واسع في إقليم دارفور".

وأضاف أن "كثيرا من العائلات تواجه في طريقها جماعات مسلحة أو أفرادا ذوي مصالح، لا يتورعون مطلقا عن الاعتداء على النازحين أو ضربهم أو قتلهم دون أدنى رحمة، ودون أي مراعاة لقواعد الإنسانية أو احترام للكرامة البشرية، وهو ما يجعل الطريق محفوفا بالموت في كل لحظة".
تحرش واغتصاب ممنهج.

ونوّه إلى أن "النساء والفتيات يواجهن خطرا مضاعفا يتمثل في العنف القائم على النوع، من تحرش واغتصاب وانتهاكات أخرى ممنهجة"، موضحا أن "هذه الظواهر أصبحت شائعة بشكل مقلق في أثناء الفرار، وأن كثيرا من الحالات تظل دون توثيق بسبب الخوف والوصمة وصعوبة الوصول إلى الجهات الحقوقية".

وبيّن أن "من التحديات الخطيرة أيضا حالات الاختطاف التي يتعرض لها النازحون في الطريق، حيث يُطلب من ذويهم دفع فدية مالية مقابل إطلاق سراحهم"، لافتا إلى أن "بعض الأسر دفعت كل ما تملك لإنقاذ أبنائها، بينما فُقد آخرون دون أثر حتى اللحظة، في ظل انعدام سلطة الدولة وانتشار الفوضى غير المسبوقة في البلاد".

وقال رجال إن "من بين الانتهاكات الأخرى المنتشرة عمليات النهب والابتزاز والإذلال، وهي أفعال لا تمت للإنسانية بأي صلة، وتترك جراحا عميقة في النفوس"، مشيرا إلى أن "كثيرا من النازحين يتم تفتيشهم في أماكن خفية وحساسة بطريقة مهينة، ما يضاعف الألم النفسي ويترك آثارا قاسية على الضحايا، خاصة النساء والأطفال الذين فقدوا الإحساس بالأمان تماما".

وأوضح أن "هناك آلاف النازحين وصلوا إلى مناطق اللجوء منهكين تماما، وبعضهم لم يتمكن من حمل أي متاع أو حتى طعام بسيط، بينما كثيرون لم يستطيعوا المشي لمسافات طويلة بسبب الإرهاق وسوء التغذية والأمراض المزمنة"، مضيفا أن "الحرارة المرتفعة والظروف المناخية القاسية تزيد معاناتهم يوما بعد يوم".


ولفت إلى أن "هناك نزوح مستمر من مناطق مختلفة بعد سقوط مدينة الفاشر، وأصبحت منطقة طويلة اليوم أكبر تجمع آمن للنازحين؛ إذ استقبلت خلال الأشهر الماضية مئات الآلاف من النازحين من معسكري زمزم وأبو شوك والمناطق المجاورة للفاشر، إضافة إلى مناطق أخرى في دارفور والسودان. هؤلاء الناس يواجهون أوضاعا إنسانية شديدة الصعوبة في ظل ضعف الإمكانات وكثرة التحديات المختلفة".

وقدّر عدد الذين نزحوا من مدينة الفاشر بأكثر من 280 ألف شخص حتى الآن، وما تزال منطقة طويلة تستقبل يوميا أفواجا جديدة من النازحين رغم صعوبة الطرق والمخاطر الأمنية، منوها إلى أن "بعض النازحين يتجهون إلى مناطق جبل مرة في إقليم دارفور مثل فنقا وروكرو وجولو ونيرتتي، لكن الوضع العام ما زال بالغ السوء ويحتاج إلى تحرك عاجل من الأمم المتحدة والجهات المانحة لتقديم المساعدات اللازمة وإنقاذ حياة ملايين المتضررين منذ اندلاع الحرب في 15 نيسان/ أبريل 2023".

وضع صحي متدهور للغاية
وحول أبعاد الوضع الصحي في دارفور، أكد رجال أنه "يزداد سوءا بسبب انهيار المنظومة الطبية، وغياب الصرف الصحي ومستلزمات النظافة العامة"، لافتا إلى "الحاجة الماسة لمواد الإيواء مثل المشمعات والفرشات والبطانيات، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية التي يواجهها النازحون في المعسكرات، ومع انتشار الأمراض وسوء التغذية".

وصرّح بأن "أبرز التحديات الخطيرة تتمثل في نقص مياه الشرب وغياب مصادرها المستقرة، إضافة إلى انعدام المراكز الصحية الأولية في معظم المناطق، حيث يُنقل المرضى على الأكتاف لمسافات طويلة، لغياب سيارات الإسعاف والمرافق الطبية، ما يجعل الحصول على العلاج مهمة شبه مستحيلة".

واستطرد رجال قائلا إن "الاحتياجات الإنسانية العاجلة في دارفور تشمل الغذاء أولا، لأن ملايين الناس يعيشون في ظروف مجاعة حقيقية"، مشيرا إلى "تقديرات الأمم المتحدة التي تتحدث عن حاجة أكثر من 30 مليون سوداني إلى مساعدات عاجلة، بينهم أكثر من 9.5 مليون نازح في دارفور وحدها".

وزاد: "كما أن هناك حاجة ماسة لمياه شرب نظيفة؛ فمصادر المياه محدودة للغاية، ويعتمد الناس على التناكر التي لا تكفي للجميع، ما يضطر البعض إلى شرب مياه غير مأمونة من الأودية. كما أن غياب شبكات الصرف الصحي يدفع كثيرين إلى قضاء حاجاتهم في العراء، مما يهدّد بانتشار الأوبئة والأمراض، فضلا عن معاناة النازحين من غياب مواد الإيواء؛ فالكثير منهم يعيشون في العراء بلا خيام أو غطاء".

تنسيق الجهود الإنسانية
وأشار إلى أن "استقبال الأعداد الكبيرة من النازحين شكّل تحديا ضخما، لكن جرى تنظيم جهود الاستجابة عبر تنسيق كبير بين المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور والمنظمات الإنسانية وغرف الطوارئ والسلطات المحلية"، مؤكدا أن "هذا التنسيق أتاح التعامل السريع مع الحالات الطارئة واحتياجات الأسر الوافدة الجديدة".

وذكر المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، أن "البوابة الرئيسية لاستقبال النازحين تم تجهيزها بشكل منظم، حيث أُقيم مستشفى ميداني ومركز متنقل لعلاج الحالات الحرجة من الأطفال والنساء وكبار السن"، مبينا أنه بعد تقديم الإسعافات الأولية يتم تحويل الحالات الصعبة إلى المستشفيات الكبيرة لتلقي العلاج الكامل.

وأضاف أن "الجهات الإنسانية لم تنس الأطفال؛ إذ تم إنشاء مطبخ ميداني عند بوابة الاستقبال لتقديم وجبات غذائية للأطفال أثناء وصولهم، إلى جانب إقامة (تكايات) ومطابخ جماعية في المناطق المجاورة تقدم وجبات ساخنة وخدمات أساسية للنازحين الذين يصلون في حالة إنهاك تام".

وبيّن أن "المنسقية العامة تتعامل مع هؤلاء الناجين رغم محدودية إمكانياتها؛ إذ تعمل كجسم تطوعي يعتمد على جهود أعضائه ومناصريه، وتركّز على تسليط الضوء على قضايا النازحين عبر التقارير والتصريحات والبيانات الصحفية، بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة محليا ودوليا".


وقال رجال إن "هذا العمل الميداني والتنسيق المتكامل بين مختلف الأطراف هو ما منح قدرا ما من الأمل في إمكانية تحسين الوضع الإنساني"، لكنه شدّد في الوقت ذاته على أن "التحديات ما زالت كبيرة للغاية، خاصة بعد إغلاق الشوارع والمعابر الحدودية من قِبل السلطات التشادية، الأمر الذي زاد الأزمة تعقيدا".

ورأى أن "إغلاق المعابر تسبب في نقص الإمدادات وارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل حاد، حيث قفز سعر كيلو السكر إلى نحو خمسة آلاف جنيه سوداني (نحو 9 دولار)"، متوقعا ارتفاعا إضافيا في الأيام المقبلة بسبب توقف حركة التجارة وغياب المساعدات الغذائية المنتظمة عن إقليم دارفور.

وأوضح رجال أن "المنسقية تعمل وفق نهج تطوعي ومهني، وتركز على خدمة النازحين وتوثيق الانتهاكات التي تطالهم، بهدف حشد الاهتمام المحلي والعالمي تجاه معاناتهم"، لافتا إلى أن عملها يتجاوز المساعدات الميدانية ليشمل الدفاع عن حقوقهم ومتابعة قضاياهم في المحافل الحقوقية.

لجان تحقيق دولية مستقلة
وأشار رجال إلى أن "هذه الجرائم البشعة تستدعي تدخلا عاجلا من لجان تحقيق دولية مستقلة، لتوثيق الأدلة وحماية الشهادات في أماكن آمنة"، مبينا أن "عمليات التوثيق تتطلب موارد ودعما فنيا كبيرا، حتى يمكن جمع الشهادات والقرائن بطريقة مهنية تحفظ حقوق الضحايا وتمنع إفلات المجرمين من العقاب".

وذكر أن "المنسقية تسعى لتكرار تجربة التوثيق التي جرت في أعوام 2003 و2004، حين أُدين عدد من كبار المسؤولين في نظام عمر البشير"، موضحا أن "تلك الجهود لم تكن عفوية، بل ثمرة عمل طويل ومنسق بين المنسقية وشركائها المحليين والدوليين في سبيل العدالة".

وبيّن أن "الأطفال والنساء هم الفئة الأكثر تضررا، لذلك هناك حاجة ماسة إلى برامج الدعم النفسي والمساحات الصديقة للأطفال، إلى جانب ضرورة إعادة العملية التعليمية، لأن الحرب حرمت آلاف الأطفال من التعليم، ما يهدّد مستقبل جيل كامل بالنسيان والتهميش، مشيرا إلى أن "كثيرا من الأطفال وصلوا في حالة صدمة شديدة بعد أن شاهدوا مشاهد القتل والنزوح، ما يتطلب تدخلا متخصصا لمعالجة الآثار النفسية والاجتماعية للحرب".



وأكد رجال أن تأخر وصول المساعدات الإنسانية يعود إلى القيود البيروقراطية المفروضة من طرفي الصراع، موضحا أن هذه العراقيل عطّلت حركة الإغاثة وأدت إلى تفاقم الأزمة، ولذلك طالبت المنسقية بوقف فوري لإطلاق النار وبهُدنة إنسانية تسمح بدخول المساعدات إلى جميع المناطق دون استثناء.

وشدّد المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، على أن مطلب وقف إطلاق النار لا يُعبّر عن موقفه الشخصي فحسب، بل هو "صوت كل النازحين في دارفور؛ فالنساء والأطفال وكبار السن أنهكتهم الحرب بصورة لا يمكن لأحد وصفها"، مشيرا إلى أن "الجميع يطالبون بسلام شامل وعادل ينهي القتل والمعاناة ويفتح صفحة جديدة من الأمان والكرامة والعدالة".

ولفت إلى أن "الجرائم والانتهاكات في دارفور ليست جديدة؛ فقد شهد الإقليم مآسي مشابهة منذ عام 2003، واستمرت في فترات مختلفة، وصولا إلى أحداث 15 أبريل والحرب الأخيرة في مدينة الفاشر، موضحا أن المنسقية نجحت في توثيق كثير من تلك الجرائم وتسليط الضوء عليها أمام المجتمع الدولي.

وشدّد رجال على أن "العدالة هي الطريق الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار في دارفور، وأن محاسبة الجناة ليست رغبة في الثأر أو الانتقام، بل ضمانة لعدم تكرار المأساة"، مشيرا إلى أن "أصوات الضحايا لن تُسكت، وأن الذاكرة الإنسانية ستظل شاهدة على ما جرى حتى يتحقق الإنصاف الكامل والمأمول".

ولفت المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، إلى أن "استمرار القتال ألحق أضرارا فادحة بالمجتمع السوداني عامة، وبالنازحين في دارفور على وجه الخصوص"، مؤكدا أن "الحرب لم تجلب سوى الدمار والمعاناة والموت المجاني".

استمرار الحرب أصل المأساة
وأضاف أن "المنسقية تمكنت من تشخيص جذور الأزمة، واكتشفت أن استمرار الحرب هو أصل المأساة"، مشيرا إلى أن "المليشيات المسلحة تواصل إشعال الصراع دون وازع، ما يزيد من معاناة المدنيين، ولذلك طالبت المنسقية المجتمع الدولي وجميع أصحاب المصلحة بالتحرك الجاد والفوري لفرض هدنة إنسانية ووقف شامل لإطلاق النار".

وأشار رجال إلى أن "استمرار الحرب لا يحمل أي فائدة، بل يفاقم حصيلة الضحايا والألم"، موضحا أن "النازحين عاشوا ويلاتها وفقدوا الأحبة وتعرّضوا للجوع والتشريد، ولهذا فإن مطلبهم العاجل هو إيقاف الحرب، وفرض عقوبات رادعة على كل مَن يصر على تعميق النزاع أو يعرقل جهود السلام".



وتابع: "المنسقية تؤمن بالحوار السوداني–السوداني، وترى أن الحل الحقيقي يبدأ من مائدة مستديرة تجمع كل المكونات المجتمعية والسياسية في دارفور والسودان عموما، لتحديد رؤية مشتركة نحو الاستقرار والمصالحة، بعيدا عن منطق السلاح، ومن أجل وضع البلاد على طريق الدولة المدنية العادلة".

وقال رجال إن "البعض ممن يعيشون خارج السودان أو في بلدان آمنة لا يدركون حجم المأساة التي يعيشها الناس في الداخل؛ فهناك مَن يتحدث من أوروبا وهو في راحة ودفء، بينما ملايين النازحين في المخيمات يعانون الجوع والبرد والمرض، والأغلبية الساحقة من السودانيين تريد السلام، لا الحرب".

ولفت إلى أن "وقف الحرب سيمكّن من استئناف المساعدات الإنسانية، وتوصيل الإغاثة إلى المناطق المحاصرة، ويمكن للسلام أن يفتح الباب أمام التعافي وإعادة الإعمار، وعودة الإنتاج المحلي إلى سابق عهده، بينما استمرار القتال يمنع تدفق المساعدات ويعرقل جهود المنظمات الدولية".


وأوضح رجال أن "السودان كان يوما ما سلة غذاء العالم، لكن بسبب الحروب والسياسات الخاطئة أصبح اليوم سلة مجاعة مرعبة"، مشيرا إلى أن "العودة إلى موقع السودان الزراعي ممكنة فقط عبر السلام والاستقرار، لأن الحرب دمّرت البنية الإنتاجية، وأفقدت البلاد قوتها الاقتصادية والزراعية".

وحذّر المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، من أن "استمرار الحرب سيقود إلى مزيد من التمزق والتفكك الوطني، لذلك فإن وقفها ضرورة وطنية قبل أن تتحول البلاد إلى دويلات متناحرة"، مبينا أن "المنسقية تركز اليوم على الدعوة للسلام العادل، وعلى بناء وعي مجتمعي بأن السلاح لا يصنع الأمان، بل يزرع الموت والدمار".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية مقابلات إقليم دارفور إقليم دارفور حرب السودان جرائم الدعم السريع المجاعة بالسودان نزوح الفاشر المزيد في سياسة مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المجتمع الدولی استمرار الحرب إقلیم دارفور مشیرا إلى أن من النازحین مؤکدا أن کثیرا من موضحا أن وأضاف أن رجال أن د رجال على أن

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • الأمم المتحدة: أضرار جسيمة تلحق بسلاسل الإمداد الإنسانية بسبب حرب إيران
  • الداخلية تكشف تفاصيل استشهاد وجرح 6 في عملية امنية بمحافظة اب
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • إطلاق برنامج بالبحر الأحمر للتوعية بحماية المانجروف والحلول القائمة على الطبيعة
  • باحث علاقات دولية: ترامب محاصر ولا يستطيع إنهاء الحرب ونتنياهو جزء من التعقيدات
  • تقرير: 296 ألفاً و835 أسرة من النازحين وأفراد المجتمع المضيف في مأرب بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة
  • الأغذية العالمي: من واجبنا جميعًا ضمان عدم وصول العائلات اللبنانية إلى مرحلة المجاعة
  • ترعة المريوطية تبتلع أسرة كاملة.. تفاصيل مأساة غرق خلال إجازة العيد
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • حملة دولية لمواجهة إدمان التبغ والنيكوتين لحماية الأجيال الجديدة