ذاكرة الزمن الجميل..معرض الديفا ينبض من جديد في بيروت
تاريخ النشر: 19th, November 2025 GMT
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- عند الوصول إلى الطابق السفلي بمتحف سرسق في العاصمة اللبنانية بيروت، يلفت الانتباه ذلك الهدوء غير المألوف؛ حركة خفيفة، وهمسات متقطعة، وعيون تتجوّل بتركيز بين الفساتين المعروضة، وأسطوانات قديمة، ونظارات شمسية، ووثائق توثّق تفاصيل حياة "الديفا".
هناك، تبدو الذاكرة وكأنها تستعيد خطواتها الأولى، إذ أن الصور، والأزياء، والأصوات تعيد الزوّار إلى زمنٍ رسم ملامح الفن العربي، مانحاً لحظة تأمل في أثر تلك الأيقونات على تاريخ المنطقة وثقافتها.
يستضيف "متحف سرسق" معرض "ديفا: من أم كلثوم إلى داليدا" بتنظيم من معهد العالم العربي. ووصل المعرض إلى العاصمة اللبنانية بيروت بعد نجاحه في مدن باريس، وأمستردام، وعمان، بهدف تكريم إرث أشهر مغنيات العالم العربي والاحتفاء ببصماتهن الفنية.
يسلّط المعرض الضوء على فنانات مثل أم كلثوم، ووردة الجزائرية، وأسمهان، وفيروز، وليلى مراد، وسامية جمال، وسعاد حسني، وصباح، وداليدا، في تشكيل الوعي الفني والاجتماعي، وإسهاماتهن في تغيير حضور المرأة على المسرح، وتطوير صورة الفنانة العربية في الموسيقى والثقافة الحديثة.
ويختلف معرض "ديفا" في بيروت عن نسخته السابقة، إذ يضمّ ركناً مخصصاً للفنانة اللبنانية فيروز، حيث تُعرض فساتين ارتدتها في أعمال مسرحية مثل "قصيدة حب"، و"أيام فخر الدين"، من تصميم جان بيير ديليفر، ومارسيل ربيز، وسامية صعب، إلى جانب لقطات أرشيفية من حفلاتها في أميركا الجنوبية وصور عائلية من أرشيف المخرج صبري الشريف.
كما يخصّص المعرض ركناً مميّزاً للفنانة صباح الملقبة بـ"الشحرورة"، مسلّطاً الضوء على حضورها الآسر من خلال مجموعة من الفساتين التي صممها لها خصيصًا وليام خوري وبابو لحود، حيث تعكس هذه حقبة من الجرأة والتجديد في عالم الموضة اللبنانية والعربية، موثّقةً أكثر من 400 إطلالة ارتدتها الشحرورة على مسارح بعلبك وكازينو لبنان، لتبقى شاهدا على مسيرتها الفنية الاستثنائية وأسلوبها الفريد.
View this post on Instagramيشارك المصمّم اللبناني العالمي إيلي صعب بفيديو خاص بعنوان "تحية إلى الديفا" يستعيد فيه تأثير رائدات الفن العربي على مسيرته.
وقال مخرج الفيلم اللبناني إيلي فهد في مقابلة مع موقع CNN بالعربية إن أجواء التصوير كانت حميمة ومليئة بالمشاعر، ولم يحتج خلالها سوى الإصغاء إلىى صعب وهو يستعيد ذكريات الطفولة وتأثره بهؤلاء الأيقونات اللواتي تركن أثراً عميقاً في رؤيته الفنية.
توضح كارينا الحلو، مديرة متحف سرسق، في مقابلة مع موقع CNN بالعربية، أن إرث النجمات العرب لا يزال يؤثر في الموضة، والمكياج، والموسيقى المعاصرة، مؤكدة أن العديد من الفنانات اليوم يستلهمن من كاريزما هؤلاء النجمات وقدرتهن على إعادة ابتكار صورتهن.
وردّاً على سؤال حول قدرة المتحف في الحفاظ على هذا الإرث في عصر الترندات والفن العابر على الإنترنت، تشير الحلو إلى أن الإقبال الكبير على المعرض، واستقطابه لجمهور واسع من مختلف الأعمار، يعكس قدرة المتحف على الوصول إلى الأجيال الجديدة وإحياء ذاكرة "الزمن الجميل".
تضيف الحلو أن المعرض يشكّل أيضاً تحية إلى التجارب النسوية في العالم العربي، موضحة أن كل فنانة واجهت تحدياتها الخاصة؛ من الرقابة، والضغوط الاجتماعية والإعلامية، وصولاً إلى المنفى. وتشير إلى أن فيروز أصبحت رمزاً وطنياً بصوتها، فيما تمكنت أم كلثوم من بناء إمبراطورية فنية في بيئة يهيمن عليها الرجال، ما يعكس قوة الإبداع النسائي في السياق العربي الحديث.
وتؤكد الحلو أن المعرض يعتمد تقنيات عرض حديثة تسهّل ربط الجمهور بتاريخ الفن، مثل العزل الصوتي في كل قسم للاستماع إلى الأصوات الأصلية، وعرض مقاطع مُرمّمة من حفلات وأفلام، وإضاءة سينوغرافية للأزياء، إضافة إلى سرديات سير ذاتية تُعيد تعريف كل فنانة بعيداً عن صورة "الرمز" التقليدية.
لبنانأزياءبيروتصباحفساتينفيروزمتاحفمشاهيرمعارضنجومنشر الأربعاء، 19 نوفمبر / تشرين الثاني 2025تابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيف© 2025 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.
المصدر
المصدر: CNN Arabic
كلمات دلالية: أزياء بيروت صباح فساتين فيروز متاحف مشاهير معارض نجوم العالم العربی أم کلثوم
إقرأ أيضاً:
وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
منطقة الخليج العربي ليست وليدة النفط، وليست وليدة العقد الثاني من القرن العشرين. أتعجب من بعض إخواننا العرب من تصوير سكان المنطقة وكأنهم كانوا حفاة لا قيمة لهم إلا في العقود المتأخرة. فهذه المنطقة عموما ارتبطت بحضارات قديمة وعريقة في القدم، وتدافعت معها، وأثرت وتأثرت بها مع حضارة بلاد السند، وبلاد الرافدين، وحتى حضارة النيل والصين، وارتبطت بالأديان والثقافات الأولى، وكانت ولا زالت من أهم المعابر البحرية والبرية، قبل أن تكون من المعابر المهمة جويا لتوسطها العالم القديم، وموقعها المميز في العالم الحديث.
إذا كانت هذه المنطقة ليست بذات الأهمية فلماذا قصدها المستعمرون الأوربيون منذ القرن السادس عشر الميلادي حتى اليوم؟ ولماذا تنافس عليها الأمويون والعباسيون وحتى العثمانيون قديما؟ لا يمكن قراءتها بهذه السذاجة التي يصورها بعضهم، وللأسف منهم كتاب، وبعضهم يعيش أو عاش في الخليج، وكان قريبا من ثقافتها وقراءة تأريخها.
فإذا أصابها التقسيم وفق المشيخات أو الأسر الحاكمة أو حضور اسم بعضها قديما وحديثا فقد سبقتها بلاد الشام والعراق واليمن والمغرب الأقصى منذ بدايات معاهدة سايكس بيكو 1916م، وهذا لم يلغِ وجود هذه الدول وأهميتها قبل وبعد التقسيم؛ فلا معنى للتقليل من الخليج العربي ودوله وعراقته قبل وبعد أيضا.
كتبت أكثر من مرة عن هذه المنطقة، وعن تأريخها ووحدتها، بيد يحزنني ما أراه من «مهاترات صبيانية» في «أكس» وكأنهم في حرب داحس والغبراء من مثقفين وأكاديميين ينظر إليهم أنهم قدوة في احتواء مثل هذه الأزمات، والحفاظ على وحدة الخليج وأمنه وترابه، وتوفير بيئة آمنة لأجياله القادمة، وهذا حد لا مساس له. للأسف أن نرى غثائية تظهر بين حين وآخر بدلا من قراءات جادة يتقدمها العقلاء، ويستفيد منها الساسة.
ثم للأسف أن الخليج بذاته من خلال مجلسه لم يستطع صناعة قراءة ثقافية وعلمية لها مراكزها المستقلة والصانعة للقرار. اكتفى عند صناعة جاميات مذهبية مختلفة تستخدمها السلطة بين حين وآخر، وبين صناعة مثقفي السلطة ذاتها المتحدثين بمدى الانتفاع المادي، وليس باسم الوطن ومبادئه وقيمته، وهذا ما نرى نتيجته اليوم بعد الأحداث الأخيرة من عدمية القراءات الجادة، ورغبة العديد من القدرات الثقافية إلى السكوت والانزواء، لتسود الغثائية في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «أكس».
المتأمل في «أكس» أن هناك فئات متقلبة حسب الحدث ترى الخليج بأكمله في سياسات دولها القطرية أحسنت أم أساءت، وكأن استقرار الخليج برؤية سياسة دولها المتقلبة؛ فأمن الخليج هو أمن للجميع، كما أن أمن أي دولة فيه هو أمن للكل، وكما لكل دولة سيادتها وخصوصيتها الثقافية ورؤيتها السياسية، إلا أن أي خلل أمني فيها المتضرر هو الجميع، كما نراه اليوم مثلا في العراق واليمن، وهما أكثر الدول قربا من الخليج؛ فبعض التقارير تشير إلى أن العديد من الضربات التي لحقت بالخليج في الحرب الأخيرة انطلقت من العراق، كما أن الفراغ السياسي في اليمن أدى إلى نمو جماعات أصبحت مصدر تهديد لأمن الخليج، والسبب أن الخليج طيلة نصف قرن لم يستطع احتواء هذين القطرين بمعنى الإحياء، وبناء الدولة المدنية غير المؤدلجة - خصوصا اليمن - حيث كانت أكثر قابلية أن تكون ضمن المنظومة الخليجية؛ فنمت في هذين القطرين تنظيمات نتيجة الفراغ السياسي، والتدخلات الأيديولوجية الخارجية.
ثم أتعجب ممن يبرر الضربات الحربية على الخليج بدعوى وجود قواعد عسكرية خارجية فيها في انتهاك صارخ لأمن وسيادة الخليج ذاته، كما أتعجب ممن يشجع مليشيات خارجية لها رؤى أيديولوجية مغلقة في ضرب المنطقة تحت مبررات لا علاقة لها لا بالقضية الفلسطينية، ولا بالحرب الأخيرة.
فانتهاك سياسة أي دولة في الخليج هو انتهاك لسياسة الجميع أيا كان مصدر هذا الانتهاك لا يبرر بحال من الأحوال، إلا إذا كان في الخفاء استخدمت هذه القواعد والتحالفات لا لأغراض أمنية دفاعية، بل استخدمت لأغراض حربية تضر بالآخر، فهنا كما يقال «جنت على نفسها براقش».
إن اتجاه الخليج اليوم في توسعة خلق الولاءات الخارجية عسكريا وسياسيا وثقافيا إذا هذا الخلق ليس منطلقه الوحدة الخليجية ذاتها، بل باعتبار الدولة القطرية الواحدة، هذا بلا شك سيمدد من حالة الفرقة بين دول الخليج، وتلاشي فكرة الوحدة الخليجية، وقد يجر كما حدث في لبنان - ولو على المستوى القطري - إلى تعددية الولاءات الخارجية في منطقة الخليج، وبالتالي حدوث الفوضى فيه على المدى البعيد.
عندما تنطلق هذه الولاءات من وحدة خليجية واحدة للحفاظ على أمنه وإحيائه كمنطقة جيوسياسية واحدة فهذا له ضرورياته المرحلية، لكن لما تنطلق من اعتبارات تجزيئية فيعني هذا أن الخليج يتجه نحو الانقسامات وخراب بيته بيده.
وهذا ما نراه اليوم في «أكس»؛ فالذي يحدث فيه إما له علاقة بجهات معروفة داخل الخليج ذاته، وهي من تسعى إلى خلقه، وإما لا علاقة لها به من حيث الابتداء، وإما أن العديد منها معرفات خارجية من غير أبنائها غايتها خلق الفوضى في هذه المنطقة، ودول الخليج باستخباراتها مدركة أنه لا تأثير لها إلا إلهاء الشعوب بصراعات وهمية آنية تشغل بها. جميع هذا - أدرك أم لم يدرك - سوف يؤدي إلى صناعة أزمة أمنية في المنطقة، وصناعة أجيال غير متشربة بالوحدة الخليجية، ولها انتماءات أيديولوجية خارجية على المدى البعيد ترى فيها الخلاص لأزمتها ومشكلاتها، مما يضعف الولاءات الداخلية التي تنمو بشكل طبيعي من الداخل، ولو اختلفت ثقافاتها، لكن غايتها إحيائية صادقة، وليست متلبسة بها لغايات مصلحية فردية أو خارجية أو نتيجة انتماءات أيديولوجية.