سلطنة عُمان تستضيف بطولتي ثلاثيات كرة السلة الخليجية والعربية
تاريخ النشر: 19th, November 2025 GMT
كتب - خليفة الرواحي
أعلن الاتحاد العماني لكرة السلة عن جاهزيته الفنية والإدارية لاستضافة سلطنة عُمان لبطولتي ثلاثيات كرة السلة، وهما البطولة العربية للشباب والشابات والتي تقام خلال الفترة من 25 -26 نوفمبر الجاري، وبطولة الخليج للرجال والمرأة التي تقام خلال الفترة من 28 - 29 من نوفمبر الجاري، حيث أوضح الاتحاد أن استضافة هاتين البطولتين يؤكد على الثقة التي تحظى بها سلطنة عمان من الاتحادات الخليجية والعربية والقارية وإمكانياتها المختلفة في استضافة الأحداث الرياضية المختلفة.
اهتمام حقيقي بتطوير اللعبة
في بداية المؤتمر الصحفي رحب المهندس خلفان بن صالح الناعبي رئيس الاتحاد العماني لكرة السلة بالحضور من الشركاء والداعمين والصحفيين وممثلي ووسائل الإعلام الذين يشكلون جزءًا أساسيًا من نجاح المنظومة الرياضية في سلطنة عُمان، مؤكدًا أن وجودهم الدائم في مثل هذه المناسبات يعكس اهتمامًا حقيقيًا بتطوير اللعبة وتسليط الضوء على الجهود المبذولة في هذا المجال.
وأعلن الناعبي خلال حديثه عن استضافة سلطنة عُمان لبطولتين مهمتين في رياضة كرة السلة الثلاثية، وهما بطولة الخليج للرجال والمرأة التي ستقام خلال الفترة من 28 إلى 29 نوفمبر الجاري، والبطولة العربية للشباب والشابات خلال الفترة من 25 إلى 26 من الشهر نفسه، موضحًا أن هاتين البطولتين تمثلان قيمة مضافة للرياضة العمانية وتؤكدان المكانة المتنامية لسلطنة عمان على خارطة الرياضة الإقليمية، خاصة في الألعاب التي تشهد انتشارًا عالميًا سريعًا مثل كرة السلة الثلاثية التي أصبحت جزءًا من الأجندة الدولية منذ اعتمادها رسميًا في الأولمبياد.
وأضاف الناعبي أن تنظيم البطولتين بشكل متتالٍ على أرض سلطنة عمان يعكس الثقة الكبيرة التي تحظى بها عمان من الاتحادات الخليجية والعربية والقارية، وأن التجارب السابقة في استضافة مثل هذه المنافسات أثبتت قدرة سلطنة عُمان على إدارة الفعاليات وفق أعلى المعايير، حيث أبدت الوفود المشاركة في النسخة الماضية إعجابها الشديد بالتنظيم وتكامل المرافق وسلاسة الإجراءات، إضافة إلى البيئة الجماهيرية الحماسية التي تمتاز بها البطولة عند إقامتها في مواقع مفتوحة، وأكد أن الاتحاد يشعر بالفخر الكبير لاستضافة البطولتين للعام الثاني على التوالي، معتبرًا ذلك شهادة واضحة على جودة العمل المؤسسي والتنظيمي، وعلى البنية الرياضية المتطورة في سلطنة عمان التي أصبحت قادرة على احتضان بطولات دولية متنوعة، مستشهدًا بالمرافق الحديثة التي تحتضن المنافسات وبالكفاءات الوطنية التي أثبتت تميزها في إدارة البطولات وإخراجها بصورة مشرفة تعكس مكانة سلطنة عُمان.
تنويع وتطوير
وتحدث خلفان الناعبي بالتفصيل عن أهمية هذه الاستضافات، مشيرًا إلى أنها تأتي في إطار رؤية وزارة الثقافة والرياضة والشباب التي تهدف إلى تعزيز النشاط الرياضي وتطوير الألعاب الواعدة وتنويع الفعاليات الرياضية التي تُقام في سلطنة عُمان، موضحًا أن إقامة بطولات كرة السلة الثلاثية في موقع مفتوح مثل الموج مسقط يمنح الحدث طابعًا جماهيريًا فريدًا ويقرب اللعبة من الناس، خاصة أن هذا النوع من المنافسات يعتمد على السرعة والإثارة ويجذب فئة الشباب بشكل كبير.
حضور قوي
وأكد رئيس الاتحاد العماني لكرة السلة أن لعبة ثلاثيات السلة أصبحت إحدى الألعاب الأكثر نموًا وانتشارًا على مستوى العالم، وأن حضورها في المحافل الدولية بات قويًا منذ اعتمادها ضمن الألعاب الأولمبية، وهو ما يجعل هذه الاستضافات فرصة مهمة للاعبي سلطنة عُمان للاحتكاك مع مدارس مختلفة ورفع جاهزيتهم الفنية، إضافة إلى كونها منصة لاكتشاف المواهب الجديدة التي يمكن أن تمثل سلطنة عمان في المستقبل. وأشار إلى أن سلطنة عُمان تمتلك مواقع عديدة يمكن استغلالها لإقامة بطولات الهواء الطلق سواء على الواجهة البحرية أو في المواقع التراثية والسياحية التي تمتاز بها المدن العمانية، مؤكدًا أن هذه المقومات تمنح عُمان ميزة تنافسية في استقطاب البطولات العالمية، وكشف أن الاتحاد بدأ بالفعل في التفاوض مع الاتحاد الدولي لتنظيم بطولة التحدي العالمية لثلاثيات السلة التي يشارك فيها نحو ستة عشر منتخبًا من مختلف القارات، موضحًا أن استضافة هذه البطولة سيكون لها أثر كبير على القطاع الرياضي والسياحي، خاصة أن فعالياتها تُعد منصة ترويجية مهمة تُظهر جمال سلطنة عُمان وتنوع وجهاتها السياحية، وتساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية في المناطق التي تُقام فيها هذه البطولات.
شركاء النجاح
وفي ختام حديثه، تقدم الناعبي بالشكر الجزيل للجنة التنظيمية الخليجية والاتحاد العربي لكرة السلة على ثقتهم المستمرة في الاتحاد العماني، مشيدًا بدور الشركاء والداعمين الذين يشكلون ركيزة أساسية في إنجاح هذه البطولات، وهم وزارة الثقافة والرياضة والشباب ودليل للنفط والبنك الأهلي وشركة نماء وشركة ظفار للتأمين والموج مسقط وعُمان للإبحار ونادي السيب وفندق بارك إن وشركة جندال إن ومستشفى أستر الراعي الطبي للبطولتين، مؤكدًا أن هذا الدعم يعكس إيمان هذه المؤسسات بأهمية الرياضة ودورها في خدمة المجتمع، وأعرب في ختام حديثه عن تطلع الاتحاد لتقديم نسخة متميزة تليق باسم سلطنة عُمان وتعزز مكانتها كوجهة رياضية إقليمية رائدة، متمنيًا التوفيق لجميع المنتخبات الوطنية والمشاركة في هذا الحدث الرياضي الكبير.
نجاح
من جانبه قال سعيد بن عبدالله الحبسي القائم بأعمال الأمين العام للاتحاد العُماني لكرة السلة إن استضافة سلطنة عُمان لبطولة الخليج لكرة السلة الثلاثية للرجال والمرأة خلال الفترة من 28 إلى 29 نوفمبر 2025، إلى جانب استضافة البطولة العربية للشباب والسيدات من 25 إلى 26 نوفمبر، وللعام الثاني على التوالي، تمثل دليلًا واضحًا على الثقة الكبيرة التي تحظى بها سلطنة عُمان من الاتحادات الخليجية والعربية، مؤكدًا أن اختيار سلطنة عُمان مجددًا لاستضافة هذا التجمع الرياضي يعكس نجاح النسخ السابقة، وارتقاء مستوى التنظيم المحلي، وإيمان الاتحادات بقدرة سلطنة عُمان على توفير بيئة منافسة تليق بالحدث، وأوضح أن الاتحاد العُماني لكرة السلة يسعى من خلال هذه الاستضافات إلى ترسيخ مكانة اللعبة في سلطنة عُمان وتعزيز حضورها بين فئة الشباب، خاصة في ظل النمو السريع الذي تشهده كرة السلة الثلاثية عالميًا والاهتمام الكبير الذي تحظى به من الجماهير.
وأشار الحبسي إلى أن البطولة الخليجية لثلاثيات كرة السلة ستشهد مشاركة خمسة منتخبات خليجية يمثلها 12 فريقًا بواقع ستة فرق في كل فئة للرجال والمرأة، الأمر الذي يرفع من مستوى المنافسة ويمنح الجماهير فرصة متابعة مواجهات قوية تجمع أفضل لاعبي المنطقة، وفي المقابل تشهد البطولة العربية للشباب والشابات مشاركة أربعة منتخبات عربية تتنافس عبر خمسة فرق في فئة الشباب وأربعة فرق في فئة الشابات، وهو حضور يعزز من قيمة البطولة ويمنح اللاعبين الشباب فرصة الاحتكاك بمنتخبات ذات خبرة وتاريخ في اللعبة.
محطات مهمة
وأضاف أن الاتحاد عمل خلال الفترة الماضية على تطوير منظومة كرة السلة الثلاثية من خلال تنظيم بطولات محلية موسعة في عدد من المحافظات، واستحداث برامج تدريبية مكثفة تهدف إلى صقل مهارات اللاعبين واللاعبات، بالإضافة إلى إقامة معسكرات داخلية وأخرى خارجية في الإمارات والبحرين، وهي محطات أساسية أسهمت بشكل واضح في تعزيز الجاهزية البدنية والفنية للمنتخبات الوطنية، وأكسبت اللاعبين الثقة اللازمة قبل خوض المنافسات الرسمية، وأكد أن هذه الجهود تأتي ضمن خطة متكاملة لتوسيع قاعدة اللاعبين واكتشاف مواهب شابة قادرة على تمثيل سلطنة عمان في الاستحقاقات الإقليمية والدولية.
وفي ختام حديثه، ثمّن الحبسي الدعم المتواصل من وزارة الثقافة والرياضة والشباب، وكذلك التعاون الكبير من المؤسسات الشريكة واللجان العاملة والمتطوعين الذين يشكلون عنصرًا أساسيًا في نجاح الاستضافة، مرحبًا بجميع المنتخبات الخليجية والعربية المشاركة ومتمنيًا لهم طيب الإقامة في بلدهم الثاني سلطنة عُمان، ومؤكدًا حرص الاتحاد على توفير كل السبل اللوجستية والتنظيمية التي تضمن تقديم نسخة مميزة تعكس صورة مشرقة عن السلطنة وتواكب تطلعات الجماهير الرياضية.
تدشين الشعار
بعدها تم تدشين شعاري البطولة الخليجية والعربية، واللذين جسدا روح المنافسة والحيوية في هذا الحدث الرياضي. وقال المهندس خلفان الناعبي إن تصميم الشعارين جاء بأيدي شباب عمانيين واعدين، حيث ارتأت اللجنة منحهم الفرصة لإظهار إبداعاتهم. واعتمدت فكرة الشعار على البساطة مع دمج عناصر واضحة ترمز إلى هوية البطولة؛ إذ يمثل العلم العُماني وكرة السلة والكأس دلالات مباشرة على التنافس بين الدول المشاركة. وجاء الشعار العربي بكرة سلة تحمل ألوان العلم العُماني وهي تدخل السلة، في صورة تعبّر عن استضافة مسقط للبطولة العربية للشباب والشابات وروح الحماس لدى المنتخبات. فيما حمل الشعار الخليجي هوية موحدة تبرز مشاركة منتخبات الرجال والمرأة في منافسات السلة الثلاثية بأسلوب بصري يعكس سرعة اللعبة وطابعها الحديث.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: کرة السلة الثلاثیة الخلیجیة والعربیة الاتحاد العمانی مانی لکرة السلة خلال الفترة من الاتحاد الع أن الاتحاد سلطنة عمان فی سلطنة ع مؤکد ا أن الع مانی التی ت
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.