جدل محتدم بالمغرب حول مشروع قانون يُجرّم التشكيك بنزاهة الانتخابات
تاريخ النشر: 19th, November 2025 GMT
الرباط- أثار نص قانوني يُجرّم التشكيك في نزاهة وصدقية الانتخابات جدلا في الأوساط الحقوقية والسياسية بالمغرب.
وكان وزير الداخلية المغربي، عبد الوافي لفتيت، قدّم -الأسبوع الماضي- إلى لجنة الداخلية في البرلمان مشروع قانون متعلقا بمجلس النواب، إلى جانب مشروعين آخرين عن المنظومة الانتخابية ضمن الاستعدادات لانتخابات 2026 التشريعية والبلدية التي يُتوقع أن تكون أكثر تنافسية.
ويتضمن النص القانوني موضوع الجدل عقوبات حبس وغرامات مالية لكل من ينشر إشاعات أو أخبارا زائفة عبر وسائل تكنولوجيا الإعلام والتواصل الحديثة بقصد التشكيك بنزاهة وصدقية الانتخابات.
واعتبر سياسيون وحقوقيون، أن هذا النص القانوني يمس جوهر حرية التعبير، في حين يرى المدافعون عنه أنه ضروري لتحصين العملية الانتخابية في ظل الانتشار الواسع للأخبار الزائفة وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لتزييف الحقائق وتضليل الرأي العام.
مبررات الوزير
وتنص المادة 51 مكررة من مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب على أنه "يُعاقَب بالحبس من سنتين إلى 5 سنوات، وبغرامة تتراوح بين 50 ألفا و100 ألف درهم (الدولار يساوي 9.26 دراهم)، كل من قام أو ساهم أو شارك بأي وسيلة، بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي، أو شبكات البث المفتوح، أو أدوات الذكاء الاصطناعي، أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد الإنترنت أو الأنظمة المعلوماتية، في نشر أو إذاعة أو نقل أو بث أو توزيع إشاعة أو أخبار زائفة، بهدف التشكيك في صدقية ونزاهة الانتخابات".
ودافع الوزير لفتيت عن هذه المادة عند تقديمه مشروع القانون للجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى في مجلس النواب الأسبوع المنصرم، قائلا "إن الفعل الذي جرّمته المادة يتعلق باستعمال وسائل التواصل الاجتماعي التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة لنشر إشاعات أو أخبار زائفة بقصد التشكيك بنزاهة الانتخابات".
إعلانوأوضح أن الأمر "لا يتعلق إطلاقا بالتضييق على حرية التعبير أو قمع للحريات أو تكميم للأفواه"، مبينا أن الوقائع الثابتة غير مشمولة بتاتا بالعقوبة المذكورة.
وأشار لفتيت إلى أن الغاية من هذه المقتضيات الزجرية هو تفادي استعمال الإشاعات أو الأخبار الكاذبة أو الزائفة لتضليل الرأي العام عن الواقع بهدف ضرب سلامة العمليات الانتخابية وشرعية المؤسسات المنبثقة عنها، خصوصا مع الإمكانيات الهائلة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي بإنتاج وثائق أو صور أو فيديوهات مُضللة أو مغرضة.
آلية للعقابويُنتظر أن تعقد لجنة الداخلية بالبرلمان جلسة، مساء اليوم الأربعاء، لمناقشة مشاريع القوانين المتعلقة بالمنظومة الانتخابية، ومنها مشروع القانون المتعلق بمجلس النواب الذي تضمن المادة 51 مكررة المثيرة للجدل.
وستعرض الفرق البرلمانية مواقفها وآراءها في التعديلات المقترحة من طرف الحكومة عبر وزير الداخلية.
ويرى القيادي في حزب العدالة والتنمية، نبيل شيخي، أن المادة 51 مكررة تطرح "مفارقة سياسية وقانونية خطرة"، فهي ترفع شعارا نبيلا هو "حماية نزاهة الانتخابات" ومواجهة "الأخبار الزائفة"، لكنها في الجوهر تؤسس لآلية عقابية قد تُجهز على ما تبقى من هامش النقد السياسي والرقابة الشعبية.
وأوضح شيخي في تصريح للجزيرة نت، أن الإشكال العميق بهذه المادة يكمن في صياغتها الفضفاضة، مشيرا إلى أن مصطلحات مثل "الأخبار الزائفة" أو "التشكيك في المصداقية" تفتقر للتدقيق القانوني الحصري.
وأضاف أن هذا الغموض يمنح السلطة هامشا واسعا لتكييف أي نقد لتدبير العملية الانتخابية، أو أي تحقيق صحفي يكشف خروقات، أو حتى تدوينات المواطنين العفوية، باعتبارها جرائم تستوجب عقوبات حبس ثقيلة.
وهذا الوضع، في نظره، يُحدث انقلابا في عبء الإثبات، فبدلا من أن تكون الدولة ملزمة بتقديم أدلة نزاهة الانتخابات، يصبح المواطن أو الصحفي متهما حتى يثبت "براءة نواياه" وصحة شكوكه، "وهو ما يخلق بيئة من الرقابة الذاتية والخوف"، يقول شيخي.
وأكد أن هذا التوجه العقابي يسير عكس التيار الحقوقي العالمي والمعايير الدولية التي تعتبر أن عبء إثبات النزاهة يقع حصرا على عاتق السلطات العمومية عبر الشفافية، وليس عبر ترهيب المشككين، وتحذر من أن القوانين الغامضة لمكافحة التضليل تخلق أثرا مخيفا يدفع المجتمع للصمت.
محاولة للضبطفي المقابل، لا يرى أستاذ القانون العام في جامعة محمد الخامس، عباس الوردي، في تجريم التشكيك بالعملية الانتخابية عبر الوسائط الاجتماعية والمنصات الرقمية "تجاوزا للحريات العامة".
وأكد الوردي للجزيرة نت، أن البنيات المؤسساتية القائمة ومنها القضاء الإداري هي الفيصل في كل نزاع انتخابي، وتوفر الإطار القانوني السليم لمعالجة أي طعن، مشددا على أنه لا يمكن بناء اتهامات خارج إطار المؤسسات.
وأوضح المتحدث أن التشكيك المجرد عبر المنصات الرقمية دون أدلة أو وسائل إثبات لا يمكن اعتباره ممارسة ديمقراطية سليمة، مشيرا إلى أن هذا المنطق معمول به في الديمقراطيات الحقيقية التي لا تأخذ بالادعاءات غير المبنية على دلائل.
إعلانوأضاف أن القانون المغربي يمنح المعنيين بالعملية الانتخابية وفي مقدمتهم الأحزاب السياسية والمرشحون، آليات واضحة للتبليغ والطعن في حال وجود أي خروقات.
وأكد الوردي أن نشر الأخبار الزائفة يخضع للعقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي، مشيرا إلى أن القانون أيضا لا يمنع كل ذي مصلحة من اللجوء إلى القضاء لتقديم التبليغات المبنية على وسائل الإثبات.
ويتخوّف حقوقيون من توسيع الرقابة على حق المواطنين والفاعلين المدنيين في التعبير عن آرائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومختلف المنصات الرقمية.
وتعتبر المحامية ورئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، سعاد البراهمة، أن المادة 51 مكررة موضوع الجدل "تمس جوهر حرية الرأي والتعبير"، معتبرة أن انتقاد أداء المؤسسات والفاعلين والانتخابات يدخل في صميم هذا الحق.
وأوضحت للجزيرة نت، أن القانون الجنائي الحالي يوفر حماية للأشخاص من السب والقذف والتشهير عبر الفصول 103 و13، وهو ما يجعل -في رأيها- "إضافة نص جديد أمرا غير مبرر".
وترى البراهمة أن الخلط بين الانتقاد المشروع والتشهير المقصود يؤدي إلى تقييد المجال العام، مشيرة إلى أن البلاد شهدت في السنوات الأخيرة عددا من المحاكمات بسبب التشهير الإلكتروني ما يدل -بحسبها- على أن "القوانين الحالية كافية وأن النص القانوني الجديد قد يقصد منه ترهيب المواطنين والمجتمع لمنعهم من انتقاد الانتخابات والمنتخبين".
الشفافية مطلوبةويأتي هذا النقاش في سياق سياسي يطبعه ارتفاع عدد المتابعات القضائية في صفوف البرلمانيين بتهم الفساد المالي أو خروقات انتخابية، فمن 375 نائبا في مجلس النواب، جرّدت المحكمة الدستورية في هذه الولاية التشريعية 29 نائبا من عضويتهم بسبب تورطهم في قضايا فساد أو خرق القانون.
وكشفت مصادر إعلامية محلية أن 26 برلمانيا يتابعون في ملفات فساد، بين من أدين ابتدائيا أو استئنافيا، ومن ينتظر مرحلة النقض.
ويرى القيادي شيخي، أن هذه المتابعات القضائية أثبتت أن الشكوك التي أثيرت عن انتخابات 2021 كانت في محلها، وأنها لم تكن مجرد أخبار زائفة أو تحامل، ما يعني -في نظره- أن الخطر الحقيقي ليس في الكلام عن الانتخابات بل في الممارسات التي تشوهها.
ورغم تأكيده، أن حماية الانتخابات من التشكيك ومن "الذباب الإلكتروني" والذكاء الاصطناعي الموجه هو تحد حقيقي، إلا أن شيخي يرى أن الحل لا يكون بسجن الأفراد والمنتقدين.
ويدعو إلى سحب هذه المادة بصيغتها الحالية، وتعويضها بتشريع دقيق يستهدف حصرا حملات التضليل الآلي والممنهج، مع تعزيز استقلالية القضاء للبت السريع في الطعون، معتبرا أن "تحصين الانتخابات بالشفافية المطلقة تجعل التزوير مستحيلا، والتشكيك بلا جدوى" وفق تعبيره.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات أن هذا إلى أن
إقرأ أيضاً:
بعد نفي الحكومة تطبيقها على المنازل.. مشروع قانون يفرض 20 جنيها ضريبة لكل 20 ألف قدم غاز طبيعي على الشركات
أثار مشروع القانون المقدم من الحكومة لتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على القيمة المضافة الصادر بالقانون رقم 67 لسنة 2016، حالة من الجدل خلال الساعات الماضية، بعد تداول معلومات بشأن فرض ضريبة جديدة على الغاز الطبيعي، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت هذه الضريبة ستنعكس على فواتير استهلاك المواطنين للمنازل.
وجاء الجدل عقب إدراج بند جديد ضمن جدول السلع والخدمات المرافق لقانون الضريبة على القيمة المضافة، يقضي بفرض ضريبة جدول على الغاز الطبيعي بواقع 20 جنيهًا لكل ألف قدم مكعب، وهو ما دفع الحكومة إلى تقديم توضيحات رسمية تحت قبة مجلس النواب بشأن نطاق تطبيق الضريبة والجهات المخاطبة بها.
ضريبة الغاز الطبيعيوخلال الجلسة العامة لمجلس النواب، أكد وزير المالية أن الضريبة الجديدة لا تستهدف المواطنين ولا تُفرض على استهلاك الغاز الطبيعي بالمنازل، مشددًا على أن المخاطب بأحكام الضريبة هو الشركة المختصة بشراء الغاز الطبيعي، وليس المستهلك النهائي.
وقال وزير المالية إن الحكومة تدرك حساسية ملف الطاقة بالنسبة للمواطنين، ولذلك فإنها ملتزمة بشكل كامل بعدم تحميل الأسر المصرية أي أعباء إضافية، مؤكداً أن أسعار استهلاك الغاز الطبيعي للمنازل لن تتأثر بالتعديل المقترح، وأن الحديث عن فرض ضريبة جديدة على المواطنين غير صحيح.
وفي السياق ذاته، أكد رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب أن مشروع القانون لا يتضمن أي نص يسمح بتحميل المستهلك المنزلي هذه الضريبة، موضحًا أن الضريبة لا تخاطب المواطن من الأساس، وإنما تستهدف الجهات المتعاملة في شراء الغاز الطبيعي وفقاً للمنظومة الضريبية المعمول بها.
وتكشف قراءة مشروع القانون أن التعديلات لا تقتصر على بند الغاز الطبيعي فقط، وإنما تشمل حزمة واسعة من الإجراءات التي تستهدف إعادة تنظيم بعض الأحكام الضريبية، وتقديم مزيد من التيسيرات للقطاع الصناعي، ومعالجة عدد من الإشكاليات التطبيقية التي ظهرت خلال السنوات الماضية.
السعر العام لضريبة القيمة المضافةوفي مقدمة هذه التعديلات، أبقى المشروع على السعر العام لضريبة القيمة المضافة كما هو دون تعديل، حيث يستمر العمل بالسعر العام البالغ 14% المطبق حالياً، وهو ما يعني عدم وجود زيادة عامة على ضريبة القيمة المضافة كما تردد في بعض التقديرات.
كما تضمن المشروع تعديلاً مهماً يتعلق بالآلات والمعدات والأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج الصناعي، حيث نص على تعليق أداء الضريبة المستحقة على هذه الآلات والمعدات سواء الواردة من الخارج أو المشتراة من السوق المحلية لمدة عام كامل من تاريخ الإفراج عنها أو شرائها.
ويسمح المشروع بمد فترة التعليق لأسباب مبررة تقبلها مصلحة الضرائب لمدة أو لمدد أخرى لا يتجاوز مجموعها ثلاث سنوات كحد أقصى، وفي حال ثبوت استخدام هذه المعدات فعلياً في العملية الإنتاجية خلال المدة المحددة يتم إعفاؤها نهائياً من الضريبة.
ويهدف هذا التعديل إلى تخفيف الأعباء المالية عن المستثمرين والمصنعين وتشجيع التوسع في الإنتاج المحلي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكاليف التمويل والاستيراد.
وفي المقابل، شدد المشروع على منع التصرف في هذه الآلات والمعدات بعد إعفائها في غير الغرض الذي أعفيت من أجله لمدة خمس سنوات، إلا بعد إخطار مصلحة الضرائب وسداد الضريبة المستحقة وفقاً لحالتها وقيمتها وقت السداد.
أما إذا لم يتم استخدام المعدات في النشاط الصناعي خلال المدة المقررة، فإن الضريبة تصبح واجبة الأداء مع الضريبة الإضافية اعتباراً من تاريخ الإفراج الجمركي أو تاريخ الشراء من السوق المحلية وحتى تاريخ السداد.
وشملت التعديلات أيضاً تسهيلات للمشروعات الصغيرة، حيث جرى تعديل قواعد استرداد الرصيد الدائن للممولين، بحيث يتم الاكتفاء بمرور ثلاثة أشهر فقط بالنسبة للمشروعات الخاضعة لقانون الحوافز والتيسيرات الضريبية للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه، بدلاً من مدد أطول كانت مطبقة سابقاً.
وعلى صعيد السلع والخدمات المعفاة من الضريبة، حافظ المشروع على إعفاء غاز البوتين "البوتاجاز" من الضريبة، وهو ما يعكس حرص الحكومة على عدم المساس بالسلع المرتبطة مباشرة بمعيشة المواطنين.
في المقابل، نص المشروع على استثناء البترول الخام والغاز الطبيعي من بند إعفاء المواد الطبيعية، وهو ما يتسق مع فرض ضريبة الجدول الجديدة الخاصة بالغاز الطبيعي.
كما تضمن المشروع إعادة تنظيم الإعفاءات الخاصة بالقطاع العقاري، حيث يستمر إعفاء بيع وتأجير الأراضي الفضاء والأراضي الزراعية والمباني والوحدات السكنية من الضريبة، بينما تخضع للضريبة المباني والوحدات غير السكنية التي تُستخدم مقاراً لإدارة الأنشطة المختلفة.
واستثنى المشروع من ذلك المقار المستخدمة في الأنشطة الدينية والخيرية والاجتماعية والتعليمية والصحية، فضلاً عن الأنشطة الأخرى التي قد يصدر بشأنها قرار من وزير المالية بناءً على توصية الوزير المختص.
وحافظت التعديلات كذلك على إعفاء عدد كبير من السلع والخدمات ذات الطابع الاجتماعي والإنساني، ومنها الكراسي المتحركة لذوي الإعاقة وأجزاؤها، والأطراف الصناعية، وأجهزة السمع للصم، وأجهزة الغسيل الكلوي ومستلزماتها، وحضانات الأطفال، والأمصال واللقاحات والدم ومشتقاته، وأكياس جمع الدم ووسائل تنظيم الأسرة.
كما أبقت التعديلات على إعفاء الخدمات المالية غير المصرفية الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، والخدمات المالية المقدمة من الهيئة القومية للبريد، في إطار الحفاظ على استقرار الخدمات المالية المقدمة للمواطنين.