حين ينكمش #الإعلام… ويتضخم #الفساد! ويُطلب من #الأردني أن يصدق #رواية بلا #رواة!

بقلم: الأستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة

إذا كان جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله يقلق، ولكنه لا يخشى إلا الله، فإن الأردنيين من حقهم—بل من واجبهم—أن يقلقوا. وأن لا يخافوا. فالأردن الحر الأبي لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يقبل أن تُدار شؤون دولته في العتمة، بينما يواجه أبناؤه الضباب وحدهم، ويتخبطون في ظلال روايات مبتورة، وصمت رسمي مُطبِق.

نحن اليوم أمام مشهد يوجع كل من يحمل الأردن في قلبه. وطنٌ تتكاثر فيه الأسئلة، وتتعالى فيه الهمسات، ويملأ فضاءه القلق… بينما الإعلام الذي يفترض أن يكون صوت الدولة ونافذتها إلى الحقيقة يقف مثل تلميذ خائف في الصف، يتهيّب من رفع إصبعه، ويخشى قول كلمة حق أكثر مما يخشى الفاسدين أنفسهم. إعلام مرتجف، متردد، متلعثم… إعلام يختبئ خلف البيانات الجوفاء، ويهرب من الأسئلة الحقيقية، وكأن الوطن لا يستحق رواية صادقة.

مقالات ذات صلة الروابدة في ديوان العبيدات 2025/11/19

في الأيام الماضية، اهتزّت البلاد على وقع قضية الاستثمار وما رافقها من تساؤلات. والفضيحة ليست في الأسئلة بحد ذاتها، بل في غياب الإجابات. الجميع يعرف أن الصين تستثمر في كل مكان، بل تستثمر في “تويّة أفريقيا”، وفي دول لا ماء فيها ولا كهرباء. لكنها—ويا للعجب—ابتعدت عن الاستثمار في الأردن! لماذا؟ من يجيب؟ الإعلام الرسمي غائب، وكأن القضية تحدث في كوكب آخر.

الإجابة جاءت من الناس… من إعلام المواطن، لا إعلام الوطن. مشروع العطارات كما تردد، كان سيجلب مليارات للصين، وسبعة مليارات للأردن، لكن جزءًا كبيرًا من تلك الأموال كان سيذهب لجيوب من “رتبوا الصفقة وغنائمها”. ولولا تدخل الجهات الأمنية، لكان الأردن اليوم غارقًا في كارثة مالية. ومع ذلك لم يخرج مسؤول واحد ليصارح الأردنيين.
ضاعت فرصة… وضاعت مليارات… وضاعت ثقة.

وفي السياق ذاته، تردد أن المستثمر الأردني زياد المناصير—وهو من أكبر المستثمرين وأكثرهم تأثيرًا في قطاع الطاقة—تعرض لضغوط وإشكالات في مسار أعماله. وإذا كان رجل أعمال بحجم المناصير يواجه عراقيل من النوع الذي جرى الحديث عنه، فكيف لمستثمر صغير أو متوسط؟ وكيف سيأتي مستثمر أجنبي إذا كان المستثمر الأردني نفسه لا يشعر بالأمان في وطنه؟
إنها رسالة قاسية ومؤلمة، تقول إن بيئة الاستثمار في الأردن ليست طاردة فحسب، بل مختنقة بصراعات المصالح والنفوذ.

وهنا يحضرني سرٌ رواه لي صديق قديم كان قريبًا من الملك الحسين رحمه الله، وشاهدًا على ما لا يراه عامة الناس. قال لي يومًا: “يا دكتور محمد… الفساد في الأردن أكبر مما تتخيل. حتى رئيس الوزراء—صاحب الولاية العامة—لا يستطيع مواجهته. محاولته تشبه من يريد تكنيس ملعب كرة قدم بفرشاة أسنان!”
تلك الجملة تلخص عقودًا من الألم الوطني، وتوضح أن الولاية العامة ليست سوى نص جميل في الدستور، لكنه في الواقع مُفرغ من جوهره.

ومجلس النواب يتحمل نصيبًا ثقيلًا من المسؤولية. فهو الذي يشرّع القوانين ويمتلك القدرة على الرقابة، لكنه اختار الطريق الأسهل: منح المسؤول سلطات دون مساءلة، وترك الفساد دون تجريم حقيقي. وهكذا تحولت المناصب إلى مكاسب، والمواقع العامة إلى مزارع خاصة، بينما المواطن يشاهد مسرحًا عبثيًا لا نهاية له.

ولا يكتمل الحديث عن الفساد دون الوقوف عند ملف الطاقة. هذا الملف الذي أثقل اقتصاد الأردن لعقود، وتحول إلى منصة ضخمة لشبكات مصالح متغلغلة. ملف الطاقة ليس مجرد أرقام على ورق، بل شبكة معقدة من العقود، والمصالح، والاتفاقيات الثقيلة التي توارثتها الحكومات. وما جرى في مشروع العطارات، وما واجهه المستثمر زياد المناصير، ليس إلا صورة صغيرة من لوحة كبيرة تُظهر كيف تحول هذا القطاع إلى حقل ألغام يمنع الإصلاح ويغذي الاحتكار ويُبقي الدولة رهينة لشبكات النفوذ.

إننا نعيش اليوم لحظة وطنية تتطلب المكاشفة قبل العلاج، والمصارحة قبل الإصلاح. فسمعة الأردن ليست ملكًا لحكومة أو جهة، بل هي رأس مال كل أردني شريف. واستعادة الثقة لن تتحقق بالصمت، ولا بالترقيع، بل بالمصارحة: كيف تُدار الدولة؟ من يعرقل؟ من يستفيد؟ ومن يدفع الثمن؟

أما الإعلام الرسمي، فما زال يعيش في زمن “إخفاء الخبر السيئ”، وكأن الحقائق تختفي إذا لم تُذكر. بينما الحقيقة أن وسائل التواصل الاجتماعي، بإمكانات بسيطة، تهزم إعلام الدولة بإمكاناته الضخمة، لأنها تقول ما يخشاه الإعلام الرسمي: الحقيقة.

بئس الإعلام الذي يخشى قول الحق.
وبئس الإعلام الذي يسكت حين يجب أن يصرخ.
وبئس الإعلام الذي يختبئ خلف نصف رواية، بينما الوطن يبحث عن روايته كاملة.

الأردن أكبر من الشائعات، وأكبر من الفاسدين، وأكبر من المتنفذين.
لكنه أصغر من أن يتحمل صمتًا رسميًا طويلًا كهذا.

حفظ الله الأردن،
وحفظ قائده الذي لا يخشى إلا الله،
وأعاد للدولة هيبتها…
وللإعلام جرأته…
وللمواطن ثقته بوطنه قبل كل شيء.

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: الإعلام الفساد الأردني رواية رواة الإعلام الذی

إقرأ أيضاً:

الجيش الأردني يُسقط 4 مسيرات و4 صواريخ إيرانية

عمّان- أعلن الجيش الأردني الأربعاء، إسقاط 4 طائرات مسيرة و4 صواريخ إيرانية، وسقوط صاروخين في منطقتين نائيتين.

ونقل الجيش في بيان عن مصدر عسكري وصفه بـ"المسؤول" قوله إن طائرات سلاح الجو الملكي اعترضت وأسقطت صباحا 4 طائرات مسيرة قادمة من إيران استهدفت الأراضي الأردنية.

وأضاف أن عملية الاعتراض والإسقاط لم تسفر عن أي إصابات بشرية أو أضرار مادية.

وفي بيان سابق الأربعاء، قال المصدر إن "منظومات الدفاع الجوي رصدت اليوم 6 صواريخ قادمة من الأراضي الإيرانية استهدفت أراضي المملكة، وتعاملت معها فور دخولها المجال الجوي الأردني".

وتابع: "الدفاعات الجوية اعترضت وأسقطت 4 صواريخ، فيما سقط الصاروخان الآخران في منطقتين نائيتين خاليتين من السكان، دون وقوع إصابات بشرية أو أضرار مادية".

المصدر أردف أن "فرق سلاح الهندسة الملكي تحركت إلى مواقع سقوط الصاروخين والشظايا الناتجة عن عمليات الاعتراض، وعملت على تأمين المواقع والتعامل مع المخلفات".

وأكد أن "القوات المسلحة تواصل مراقبة أجواء المملكة، وتحافظ على أعلى درجات الجاهزية العملياتية للتعامل مع أي تهديد يستهدف أمن المملكة وسلامة مواطنيها".

وبوتيرة يومية، يعلن الأردن إسقاط صواريخ باليستية وطائرات مسيرة تطلقها طهران، على خلفية الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي.

ومنذ أكثر من 10 أيام، تشن واشنطن هجمات يومية على إيران، وترد طهران بهجمات تستهدف ما تقول إنها منشآت ومعدات عسكرية أمريكية في دول عربية، لا سيما الأردن والكويت والبحرين.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 يوليو/ تموز الجاري انتهاء وقف إطلاق النار الذي نصت عليه مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران في 18 يونيو/ حزيران الماضي.

وجاء إعلان ترامب عقب استهداف إيران 3 سفن تجارية في مضيق هرمز، إذ تصر طهران على فرض آلية لتنظيم عبور السفن عبر الممر المطل على سواحلها، فيما تطالب واشنطن بـ"ضمان حرية الملاحة وأمنها في المضيق".

وتسبب التصعيد في اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز وتهديد حركة الطيران وإمدادات الطاقة، وسط إغلاقات متقطعة للمجالات الجوية وتحذيرات من استهداف منشآت ومصالح أمريكية خارج الشرق الأوسط.

مقالات مشابهة

  • لماذا يخشى الصومال على اقتصاده من تحديث واتساب؟
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • المصريين الأحرار: كلمة الرئيس تؤكد أن بناء الجمهورية الجديدة يقوم على العلم ومواجهة الفساد
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • تحت شعار تعزيز النزاهة من أجل التعافي في اليمن : انطلاق الدورة التدريبية الوطنية في ” إدارة مخاطر الفساد القطاعية
  • 4 آب يوم إقفال عام؟ مطالب جديدة لأهالي ضحايا المرفأ
  • مرقص في ورشة إعلامية عن التوعية على مخاطر المتفجرات: نقل الحقيقة مثل نقل الضحايا
  • الجيش الأردني يعلن التصدي لأربعة صواريخ وست مسيّرات إيرانية
  • الجيش الأردني يُسقط 4 مسيرات و4 صواريخ إيرانية