عربي21:
2026-06-03@01:09:21 GMT

ركن الحج بين شرف الرفادة والتحول الطبقي

تاريخ النشر: 19th, November 2025 GMT

الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام، هو رحلة إيمانية تهفو إليها قلوب أكثر من ملياري مسلم حول العالم. إنه ليس مجرد شعيرة، بل هو مؤتمر رباني سنوي تتجسد فيه معاني الوحدة والمساواة والتجرد من متاع الدنيا وزخرفها. تاريخيا، كانت خدمة الحجيج شرفا تتسابق إليه الدول والحكومات على مر العصور، انطلاقا من واجبها الديني.

وبحكم الجغرافيا، نالت المملكة العربية السعودية هذا الشرف وهذه المسؤولية الجسيمة بالإشراف على الحرمين الشريفين وتنظيم شؤون الحج والعمرة.

لكن في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر ممارسات وتوجهات لا تثير القلق من تحويل الحج لنموذج أعمال فحسب، بل تكشف عن أبعاد جيوسياسية عميقة، تطرح سؤالا جوهريا: هل أصبح الحج عملا تجاريا أو أداة نفوذ أم كليهما؟

الحج كورقة سياسية وسلطة ناعمة

إن الإشراف الحصري على الحرمين الشريفين يمنح المملكة العربية السعودية مكانة فريدة و"قوة ناعمة" لا تضاهى في العالم الإسلامي. هذا الدور، الذي يُفترض أن يكون تشريفا خدميا، تحول بشكل متزايد إلى أداة سياسية. فمن خلال التحكم في تأشيرات الحج والعمرة وتحديد حصص الدول، تمتلك الرياض القدرة على مكافأة الحلفاء ومعاقبة الخصوم. وقد ظهر هذا جليا في عدة أزمات سياسية؛ فعلى سبيل المثال، خلال الأزمة مع قطر (2017-2021)، واجه المواطنون والمقيمون في قطر صعوبات بالغة في أداء المناسك، مما أثار اتهامات بتسييس الشعائر الدينية، كما أن العلاقات المتوترة مع دول مثل إيران وسوريا أثرت بشكل مباشر على ترتيبات الحج لمواطنيها في فترات مختلفة. هذا الاستخدام الانتقائي لمنح التأشيرات يحول الفريضة الدينية من حق لكل مسلم قادر، إلى امتياز يخضع للحسابات السياسية والعلاقات الدبلوماسية.

تحويل الحج من ركن وشعيرة إلى نموذج أعمال

بداية التحول كانت في فلسفة التكاليف؛ لم يعد الأمر يقتصر على رسوم منطقية لتغطية نفقات الخدمات، فقد شهدت تكاليف الحج ارتفاعا هائلا لتصل إلى أرقام فلكية تجعل أداء الفريضة حكرا على طبقة الأثرياء. ففي مصر على سبيل المثال، قفزت أسعار برامج الحج السياحي لموسم 2025 لتبدأ من حوالي 225 ألف جنيه للبري وتصل إلى 520 ألف جنيه لبرامج الخمس نجوم، وهذا لا يشمل سعر تذكرة الطيران.

هذا التضخم في الأسعار لا يعكس فقط تحسينا في الخدمات، بل يشير إلى عقلية استثمارية بحتة. فوفقا لـ"رؤية 2030"، تهدف المملكة إلى رفع الطاقة الاستيعابية للمعتمرين إلى 30 مليونا سنويا بحلول عام 2030. وتشير التوقعات إلى أن إيرادات الحج والعمرة قد تتجاوز 50 مليار ريال سعودي (حوالي 13.3 مليار دولار) سنويا مع تحقيق أهداف الرؤية. هذه الأرقام تحول الحاج من "ضيف للرحمن" إلى "مصدر للدخل القومي".
 
تتجلى العقلية التجارية الحديثة بأوضح صورها، وأكثرها إثارة للمفارقة، في المشهد العمراني المحيط بالحرم المكي. فبدلا من الحفاظ على الطابع التاريخي والروحي للمكان، تم إفساح المجال لأبراج شاهقة وفنادق عالمية فاخرة، في عملية محو ممنهج للذاكرة. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 95 في المئة من المباني التاريخية في مكة قد تم هدمها لإفساح المجال لهذه المشاريع العملاقة.

وهنا تبرز مفارقة تاريخية مؤلمة؛ قبل الإسلام، كان سادة قريش، رغم وثنيتهم، يتنافسون على شرف خدمة الحجيج فيما عُرف بـ"الرفادة" (إطعام الحجاج) و"السقاية" (سقيهم الماء)، كانوا يعتبرون الإنفاق على ضيوف الرحمن من أموالهم الخاصة مصدر فخر ومكانة. لقد كانت خدمتهم للحجيج، على شركهم، قائمة على البذل والعطاء، لا على الأخذ والربح. أما اليوم، وفي ظل إدارة تدعي خدمة الحرمين، نرى منطقا معاكسا تماما، فمشاريع مثل "وجهة مسار مكة"، الذي تبلغ تكلفته حوالي 26 مليار دولار، لا تهدف إلى "رفادة" الحجيج، بل إلى استنزاف جيوبهم. هذه المشاريع العقارية الضخمة تخاطب نخبة قادرة على دفع آلاف الدولارات لليلة الواحدة، وتؤدي إلى طمس الهوية التاريخية لمكة وتحويل محيط الحرم إلى ما يشبه المراكز التجارية الفاخرة، في مشهد يكرس الطبقية ويتناقض مع جوهر الحج القائم على المساواة.

التعامل الأمني

ولعل أكثر ما يثير الاستياء هو طريقة التعامل الأمني مع ضيوف الرحمن. فبدلا من أن تكون العلاقة بين رجال الأمن والحجاج قائمة على الرفق واللين، بدت بعض الممارسات وكأنها مستعارة من منطق تأمين الفعاليات الكبرى. في كل موسم حج، يتم نشر عشرات الآلاف من أفراد قوات الأمن، وتُستخدم تقنيات مراقبة متطورة تشمل آلاف الكاميرات والذكاء الاصطناعي. ورغم أن الهدف المعلن هو "أمن الحجاج"، فإن المشاهد المتداولة لمشادات أو تعاملات فظة، مثل واقعة المعتمر المصري، ترسل رسالة مقلقة. هذا المنطق الأمني الصارم يعامل الحاج كـ"مشارك في فعالية" يجب أن يلتزم بتعليمات صارمة، وأي خروج عنها قد يقابل برد فعل غير متناسب، مما يفرغ الرحلة من جوهرها الروحي.

بين ضرورات التطوير وحفظ الجوهر

بطبيعة الحال، يقدّم المدافعون عن السياسات الحالية حجة أن زيادة أعداد الحجاج تتطلب تطويرا ضخما وبنية تحتية وأمنا على أعلى مستوى، وأن التكاليف المرتفعة هي "ضرورة حتمية" لتمويل هذا التوسع، لكن هذه الحجة تتجاهل جوهر المشكلة. فالتطوير لا يعني بالضرورة الاستبدال الطبقي (gentrification). كان من الممكن توسعة الخدمات دون هدم النسيج التاريخي وبناء أبراج تخدم النخبة فقط؛ التطوير الحقيقي هو الذي يخدم الجميع، لا الذي يخلق فجوة طبقية في أقدس البقاع. أما حجة "الأمن"، فلا أحد يجادل في أهميتها، لكن هناك فرق بين "تنظيم" الحشود لضمان سلامتها، و"عسكرة" الأجواء الروحانية، فالرفق واللين يجب أن يكونا هما الأساس، لا منطق القوة والسيطرة.

إن الإشراف على الحج ليس امتيازا تجاريا، بل هو أمانة ومسؤولية أمام الله والأمة الإسلامية جمعاء. إن تحويل هذه الشعيرة العظيمة إلى مشروع استثماري يهدف للربح المادي وتطبيق منطق "البيزنس" على ضيوف الرحمن، هو توجه خطير يهدد روحانية الركن الخامس ويجعله صعب المنال على غالبية المسلمين.

وعلى السلطات أن تدرك أن دورها ليس دور المستثمر أو منظم الفعاليات، بل هو التشرف بدور الخادم الأمين على أقدس بقاع الأرض. يجب أن تعود الأولوية لخدمة الحاج وتيسير رحلته الإيمانية، لا لتعظيم الأرباح أو الضغط السياسي. فالحج ملك للمسلمين كافة، وسيظل كذلك، مهما حاولت سياسات الخصخصة تغيير هويته.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الحج السعودية الحرمين المناسك السعودية الحج الحرمين مناسك قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

الرئيس السيسي يتابع رؤية تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي

اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، مع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والدكتور عبد العزيز قنصوه، وزير التعليم العالي والبحث العلمي.


وصرح المُتحدث الرسمي باِسم رئاسة الجمهورية بأن الرئيس تابع خلال الاجتماع رؤية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وخطة عملها خلال المرحلة المُقبلة والمُتمثلة في تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بما يُسهم في بناء اقتصاد المعرفة وجذب الطلاب والباحثين من جميع أنحاء العالم، حيث أشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي إلى وجود 129 جامعة في مصر، ما بين حكومية وخاصة وأهلية وتكنولوجية، وجامعات ذات طبيعة خاصة، وأفرع للجامعات الأجنبية.

 وفي هذا الإطار، أكد الرئيس أهمية استمرار جهود تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي باِعتبارها ركيزة أساسية في بناء الإنسان المصري وتحقيق التنمية المستدامة، فضلًا عن تعزيز الدور المحوري للجامعات في تعزيز برامج التدريب وتطوير المهارات لتلبي احتياجات سوق العمل.

وأضاف السفير محمد الشناوي، المُتحدث الرسمي، أن الاجتماع شهد استعراضاً لمحور بناء قدرات هيئة التدريس وتحسين جودة الأداء الأكاديمي والإداري، حيث أشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي إلى أنه تم تشكيل لجنة تنفيذية للإشراف على مشروع ميكنة نظام إدارة الموارد المؤسسية، للإسراع  بالميكنة الشاملة والتحول الرقمي لمنظومة العمل الإداري، منوهاً إلى أنه جار العمل على إعداد تصور شامل لتطوير أداء مراكز تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس؛ بما يتواكب مع متطلبات العصر وتلبية متطلبات المتدربين من أعضاء هيئة التدريس. ووجه السيد الرئيس، في هذا السياق، بالاهتمام بالشراكة والتعاون مع الجامعات والمؤسسات الدولية الرائدة للاستفادة من خبراتها في تعزيز جودة منظومة التعليم العالي والبحث العلمي.

وأشار المُتحدث الرسمي إلى أنه تم خلال الاجتماع أيضاً استعراض الموقف التنفيذي لربط البحث العلمي بالصناعة واقتصاد المعرفة، وأوضح الوزير أن المُستهدف الرئيسي من ذلك هو تحويل الأبحاث الأكاديمية إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، من خلال توطين فكرة أودية التكنولوجيا، وتطوير نظام حوافز للباحثين وأعضاء هيئة التدريس، وربط البحث العلمي بالصناعة.

ونوه المُتحدث الرسمي إلى أن الرئيس تابع خلال الاجتماع كذلك الموقف التنفيذي للمشروعات الصحية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، حيث استعرض الدكتور عبدالعزيز قنصوة عددًا من المشروعات الصحية والتي تم افتتاحها، ومنها افتتاح مشروعات التطوير بالمستشفى الرئيسي بجامعة الإسكندرية، وافتتاح أعمال تطوير وحدات بمستشفى المواساة، وتحديث غرف العمليات والمناظير بمستشفى الشاطبي الجامعي للتوليد وأمراض النساء، وكذلك إنشاء فرع لجامعة القاهرة بإريتريا.

وأوضح المُتحدث الرسمي أن الرئيس تابع كذلك ما يتعلق بتصدير التعليم المصري، من خلال وضع نظام لاختيار الجامعات الرائدة، واستهداف الدول والمناطق ذات الأثر الأكبر استراتيجيًا وسياسيًا، والتوسع في البرامج المشتركة مع الجامعات العالمية عالية التصنيف واستضافة بعض البرامج بشراكة أكاديمية. 

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عبد العزيز قنصوه أنه تم تشكيل لجنة من الخبراء المتخصصين بالجامعات لتولي مُتابعة تنفيذ ذلك، كما أنه جار العمل على إبرام اتفاق لإنشاء مؤسسة تمويلية بالتعاون مع البنك المركزي المصري تختص بتمويل المنح الدراسية للطلاب، بما يتيح لهم الحصول على درجات علمية مزدوجة بالتعاون مع جامعات دولية مرموقة.

وأكد الرئيس أهمية تعزيز شراكات التعليم العالي وإنشاء أفرع أجنبية من خلال بناء نموذج حديث للشراكات العابرة للحدود وتعزيز الشراكات المؤسسية التي تهدف إلى بناء القدرات الوطنية، وتعظيم العائد الاقتصادي، ورفع التصنيف الدولي؛ مُوجهاً سيادته بالمضي قدمًا نحو تعزيز تنافسية الجامعات المصرية على المستويين الإقليمي والدولي، ودعم البحث العلمي والابتكار.

طباعة شارك السيسي رئيس مجلس الوزراء التعليم العالي والبحث العلمي رئاسة الجمهورية

مقالات مشابهة

  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
  • إعلام إسرائيلي: ترامب وجه بعدم تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض بيد إيران
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • محافظ بورسعيد يقرر تحويل مدرسة «محمد السيد وحسن البدراوي» إلى «رسمي لغات متميز»
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • السيسي يتابع رؤية تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي
  • الرئيس السيسي يتابع رؤية تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي