كشفت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية في السودان سليمى إسحاق خليفة، أن أكثر من 250 ألف مدني تأثروا بشكل مباشر بجرائم قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر، مشددة على أن هذا الرقم وحده يكشف حجم الكارثة الإنسانية، للمدينة التي تعيش أكبر كارثة مفتوحة في دارفور، ويتعرض سكانها لانتهاكات واسعة، تحت تعتيم ممنهج يهدف لإخفاء الحقائق.



وأكدت خليفة، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن حجم الأعداد المتضررة يكشف أن ما يجري ليس حوادث متفرقة، بل نمط عنف منظم يستهدف المدنيين بلا أي قيود، منوهة إلى أن "المدنيين وحدهم هم مَن يدفع الثمن الأكبر في كل مرة للأسف الشديد".

وأوضحت أن "البنية العقائدية التي تحكم سلوك قوات الدعم السريع ترتكز على فكرة التفوّق والتطهير العرقي؛ فوفق منظومتهم الفكرية الضيقة، تُصبح الانتهاكات عملا مبرّرا، وتُصبح الجرائم ضد المدنيين جزءا من مهمة يعتبرونها مشروعة، على قدر ما يملكونه من مفاهيم أخلاقية مختلّة وفاسدة للغاية. ولذلك، نجدهم دائما يبررون القتل باعتباره استهدافا لأشخاص يرونهم أقل منهم عرقيا، بل يرون أنهم لا يستحقون الحياة".



ولفتت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية في السودان، إلى أن "استراتيجية الدعم السريع قائمة على نشر الرعب مسبقا، وإجبار الناس على الهروب قبل وصول المليشيا، عبر خلق حالة من الخوف الجماعي؛ فالفكرة الأساسية لديهم تقوم على الانتقام، والإخضاع، وإشعار الآخر بالدونية، وهو ما يفسّر هذا القدر المرعب من الاستمتاع المرضي بإيذاء المدنيين".

وروت خليفة أن "شهادات النساء الناجيات تكشف عن اعتداءات جنسية وتفتيش مهين في مناطق شديدة الحساسية، جرى تنفيذه بقصد الإذلال وكسر الكرامة الإنسانية"، مشيرة إلى أن "ما تعرّض له المدنيون ليس مجرد تجاوزات معزولة، بل سلسلة من الانتهاكات الواسعة المقترنة بالعنف النفسي والجسدي، وهي ممارسات بشعة تترك آثارا لا تُمحى على المجتمع بأكمله".

وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

كيف تصفون المشهد الميداني في مدينة الفاشر في ظل الاتهامات المتزايدة لقوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات ممنهجة وتضليل إعلامي واسع؟

وصف المشهد الإنساني والميداني في مدينة الفاشر يكاد يكون وصفا لمأساة مكتملة الأركان؛ فالمشهد المروّع هناك لا يمكن إدراكه كاملا لأن الكثير من الحقائق تُخفى عمدا، سواء عبر التعتيم أو عبر روايات مضلّلة تُروّج في الإعلام؛ فمليشيا الدعم السريع، تبذل جهودا حثيثة لإخفاء الوقائع الحقيقية وصناعة سيناريوهات بديلة، وذلك من خلال موجة واسعة من الإنتاج الإعلامي الهادف إلى تلميع صورتها وتقديم نفسها كـ"حامية للمدنيين"، رغم أن سجلّها على الأرض يكشف عكس ذلك تماما.

لقد تابعنا سابقا نمطا ثابتا من الانتهاكات الخطيرة التي ترتكبها المليشيا، ونرى اليوم استمرار هذا النمط تحت غطاء من الإنكار المنهجي؛ فالإنكار هو السلوك الملازم للمليشيا كلما تكشّفت جرائم جديدة؛ إذ تلجأ إلى الادعاء بأن أطرافا أخرى مسؤولة عن الفظائع، أو أن "طرفا ثالثا" هو مَن يمارس الاعتداءات، أو أنها "ألقت القبض على شخص معين" وكأن الانتهاكات مجرد تصرفات فردية، رغم أنها في جوهرها سلوك جماعي ممنهج ومتكرر.

هذه التكتيكات كلها تُفاقم الكارثة، لأنها تجعل الوضع الإنساني أكثر تعقيدا وخطورة، وتحوّل وصول المساعدات الإنسانية إلى معضلة إضافية فوق معاناة السكان، وحتى عندما يُسمح بمرور بعض المساعدات، يبقى الشك كبيرا - بل مبررا - في وجود أي رغبة حقيقية لدى المليشيا في حماية المدنيين أو ضمان سلامتهم.



الدعم السريع دخلت الفاشر بدوافع انتقامية واضحة، وتعاملت مع أهل المدينة باعتبارهم هدفا لا طرفا مدنيا يجب حمايته. ولذلك يمكن القول إن ما يجري في الفاشر اليوم ليس مجرد حالة طارئة، بل هو نتيجة مباشرة لسلوك انتقامي منظم، تُمارسه المليشيا في واقع يغيب فيه القانون وتغيب فيه أي ضمانات لحياة المدنيين.

أما الطريق الواصل بين الفاشر ومنطقة طويلة، فقد بات يُعرف اليوم بين السكان باسم "طريق الموت"، لكثرة مَن فقدوا حياتهم عليه عطشا أو بسبب الجراح التي لم تجد من يداويها. كثير من الأسر خرجت في رحلة النزوح نحو الدبة، ولم يصل جميع أفرادها؛ بعضهم تُوفي تحت وطأة الضرب أو التعذيب، وآخرون سقطوا على الطريق دون أن يجدوا ماء أو علاجا أو حتى من يدفنهم.

هناك أيضا أطفال فُقدوا أثناء النزوح، وآخرون خُطفوا ولم يُعرف مصيرهم حتى الآن، إضافةً إلى اختطاف أساتذة وموظفين لا يزال مصيرهم مجهولا. كثير ممن وصلوا إلى الدبة وصلوا في حالة نفسية منهارة، يحتاجون إلى علاج طويل لاستيعاب ما مرّ بهم من صدمات متتالية وعنف غير مسبوق.

ما أبعاد ما تردد حول تفشي جرائم "الخطف مقابل الفدية"؟
القتل والاعتقال والخطف كلها ممارسات موثقة ومتكررة، وقد أكد شهود كثيرون أن القبض العشوائي وخطف المدنيين لأجل الفدية كان يتم بشكل منهجي. لدينا حالات لنساء وأطفال، من بينهم طفلة اختُطفت إلى جانب نساء أخريات، ثم ظهرت بعضهم لاحقا ضمن قوائم الضحايا أو الناجين، لكن الأرقام الحقيقية لم تظهر بالكامل بعد، لأن الكثير من تسجيلات الفيديو التي كانت تَصدر عن المخطوفين - وفيها يناشدون أهلهم دفع الفدية - لم تُنشر لاحقا بسبب حجبها أو بسبب تهديدات المليشيا.

الدعم السريع استخدمت الضحايا كأدوات للابتزازوتكشف هذه التسجيلات بوضوح أن الدعم السريع استخدمت الضحايا كأدوات للابتزاز؛ فكل عملية اختطاف كانت تتحول إلى وسيلة تمويل مباشرة، حيث يُجبر أهل الضحية أو معارفه على دفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحه. وبهذا أصبح الخطف ليس فقط انتهاكا، بل مصدر تمويل ثابت للمليشيا، يمكّنها من استمرار عملياتها العسكرية ومنظومتها القمعية.

إن هذا النمط من الانتهاكات، بكل ما فيه من عنف جنسي وخطف وابتزاز، يؤكد أن ما يجري ليس أحداثا معزولة، بل منظومة عمل كاملة تتعامل مع الإنسان كوسيلة ضغط، ومع النساء والأطفال كأهداف سهلة تُستغل لتمويل الحرب وترسيخ السيطرة.

هل تمتلك الحكومة السودانية أدلة موثقة على استخدام العنف الجنسي كسلاح في الحرب؟ وكيف يتم توثيقه ميدانيا؟

نحن نمتلك أدلّة موثقة من الشهادات، أدلة حقيقية وموثوقة جمعناها من الناجين والموجودين في الميدان، وهي تثبت حجم الانتهاكات المرعبة التي ارتُكبت. هذه ليست روايات مرسلة ولا تقديرات، بل شهادات مباشرة تؤكد ما حدث وتكشف حقيقة ما حاولت المليشيا إخفاءه.

من المؤكد أن النساء في تلك المناطق الخاضعة لسيطرة ميلشيا الدعم السريع يواجهن عنفا جنسيا واسعا؛ فهذا أصبح واقعا لا جدال فيه بالنظر إلى طبيعة المليشيا وسلوكها المعروف.

تشير شهادات الناجين إلى أن النساء تعرّضن لعمليات تفتيش مهينة وصادمة في مناطق شديدة الحساسية، كان الهدف منها - بلا مواربة – إذلالهن؛ فما حدث لم يكن تفتيشا أمنيا، بل ممارسة منظمة للإهانة وكسر الكرامة، وصلت أحيانا إلى حد نزع بعض الملابس أمام آخرين، في انتهاك فجّ لكل الأعراف الإنسانية، وتحدثت نساء عن اعتداءات جنسية كاملة أو جزئية ارتُكبت جهارا نهارا، تاركة جروحا نفسية عميقة لا يمكن أن تُمحى أبد الدهر.

هذه الشهادات، بما تحمله من بشاعة، تعكس حجم المأساة التي تعيشها النساء والعائلات النازحة، وتوثّق جانبا من الانتهاكات الممنهجة التي تُمارس ضد المدنيين بدم بارد، في مشهد لا يُمكن وصفه إلا بأنه اعتداء وحشي كامل على الإنسانية؛ لأن ما جرى كان مروعا بكل المقاييس؛ حدث استهداف ممنهج للأُسر، وقتل بلا رحمة، وأمام أعين الأطفال والنساء.

ما تقييمكم لنمط الانتهاكات التي ترتكبها قوات الدعم السريع في المناطق التي تسيطر عليها؟ وما خطورة استمرار تدفق السلاح والمال إليها؟

أي منطقة تدخلها المليشيا تتحوّل فورا إلى مساحة مُهدّدة بوقوع مجازر جماعية؛ فالمؤشرات المتراكمة من تجارب السنوات الماضية كافية لتأكيد هذا النمط. ما حدث في الخرطوم، وما حدث في ولاية الجزيرة، وفي بنورة والسريحة وغيرها، كلها مجازر واسعة ومنهجية استهدفت المدنيين بشكل مباشر، ولم تكن حوادث معزولة أو عشوائية، بل سلوكا متكررا يعكس طبيعة عمل قوات الدعم السريع على الأرض.

ليست أول مدينة تتعرض لانتهاكات واسعة، ولن تكون الأخيرة ما لم يتوقف تدفق السلاح والمال إلى المليشياوما يجري اليوم في الفاشر ليس استثناءً ولا مفاجأة؛ فهي ليست أول مدينة تتعرض لانتهاكات واسعة، ولن تكون الأخيرة ما لم يتوقف تدفق السلاح والمال إلى المليشيا، وما لم تتوقف الحرب نفسها؛ فالعامل الوحيد الذي يمكن أن يمنع وقوع المزيد من الجرائم الجماعية هو وقف الإمداد العسكري والمالي الذي يُغذي آلة العنف، وفرض حالة تهدئة حقيقية توقف عمليات القتل والاستهداف الواسع للسكان.

إن غياب هذه الشروط يعني أن الخطر سيظل قائما في كل مدينة تصل إليها هذه المليشيا المجرمة، وأن احتمالات ارتكاب مجازر جديدة ستبقى مرتفعة، لأن النمط ثابت والسلوك ممنهج، والمعاناة يتحملها المدنيون قبل غيرهم.

تفاصيل الانتهاكات في كردفان باتت صادمة إلى درجة يصعب استيعابها؛ فالناس يتحدثون عن أرقام كبيرة للغاية، من بينها تقارير أولية تشير إلى وجود نحو 500 سيدة تعرضن لانتهاكات مختلفة، وهذه الأرقام نفسها تحتاج إلى توثيق أدق لأنها لا تُمثل الصورة الكاملة بعد؛ فحتى الآن ما يُرصد هو فقط الحالات التي تمكنت من الوصول إلى الخدمات أو وصلت فرق التوثيق إليها، ما يعني أن الأعداد الحقيقية قد تكون أكبر بكثير.

نحن نتحدث عن عائلات أُبيدت بالكامل، وهناك عائلة واحدة فقدت 15 شابا دفعة واحدة، وهناك عائلات أخرى واجهت المصير نفسه تقريبا. والأسوأ أن المليشيا استهدفت المدنيين حتى بعد تحريرهم من قِبل الجيش وعودتهم للاحتفال؛ فقد ظهرت تسجيلات مصوّرة تُظهر استهدافهم لأشخاص كانوا يحتفلون بعودتهم، واستخدمت المليشيا هذه التسجيلات نفسها ضمن آليات الانتقام والترهيب.

كما اقتحمت قوات الدعم السريع مستشفى النساء والتوليد في مدينة بارا، وارتكبت داخله سلسلة من الانتهاكات البشعة بحق النساء والأطفال وحديثي الولادة، حيث قُتل عدد كبير منهم بطريقة وحشية. وفي بارا تحديدا، بدا واضحا أن عناصر المليشيا كانوا حريصين على التصوير، ليس بدافع التوثيق، بل لأنهم تلقوا أوامر مباشرة بالتسجيل، وهي أوامر ظهرت في مقاطع فيديو متداولة تؤكد أن القيادات تطلب إثبات "الإنجازات" بالتصوير.

وهنا تكمن المفارقة؛ فالمشكلة بالنسبة للمليشيا ليست في ارتكاب الانتهاكات نفسها، بل في توثيقها، وميلشيا الدعم السريع لا ترى مشكلة في القتل أو الاعتداء، بل ترى المشكلة في أن تُوثّق هذه الجرائم، لأنها تدرك أن التوثيق يفتح الباب أمام المحاسبة والمسؤولية القانونية الدولية. ولذلك، كانت التعليمات الصادرة واضحة: "ارتكبوا ما تشاؤون، لكن لا تسمحوا للتوثيق بالخروج".. إن هذا النمط من السلوك يفضح طبيعة المليشيا، ويجعل الحاجة إلى حماية المدنيين وتدخل دولي مهني وشفاف أمرا ملحّا لا يحتمل أي تأجيل.

كيف تفسّرون البنية العقائدية التي تحكم سلوك قوات الدعم السريع؟ وما الدور الذي يلعبه خطاب التفوّق والتطهير العرقي في تبرير الانتهاكات؟

هذا السلوك يجب أن يُفهم في سياقه الحقيقي؛ فبالنسبة للمليشيا، ما يحدث ليس مجرد اعتداءات أو تجاوزات منفلتة، بل هو فعل يمنحونه مبرّرا أخلاقيا زائفا يقوم على فكرة التفوّق العرقي والتطهير العرقي؛ فوفق منظومتهم الفكرية الضيقة، تُصبح الانتهاكات "عملا مبرّرا"، وتُصبح الجرائم ضد المدنيين جزءا من مهمة يعتبرونها "مشروعة"، على قدر ما يملكونه من مفاهيم أخلاقية مختلّة وفاسدة للغاية.

ولذلك، نجدهم دائما يبررون القتل باعتباره استهدافا لأشخاص يرونهم "أقل منهم عرقيا"، وهو جوهر التطهير العرقي. ومَن هنا يأتي أيضا الفخر بالتصوير؛ فبالنسبة لهم، نشر الفيديو ليس مجرد توثيق للعنف، بل هو استعراض للانتقام والتشفي، ووسيلة للإعلان عن "إنجاز" يتوافق مع قناعاتهم المشوّهة، ويحقق لهم شعورا مرضيا بالانتصار على مَن يتخيّلونهم "أعداء".

أما البُعد الأخطر في هذا السلوك فهو أن السلاح الأساسي للمليشيا هو الإخضاع؛ فهم يدركون تماما أن المجتمع لن يقبل بهم حكّاما أو سلطة طبيعية في أي ظرف، ولذلك يعتمدون بشكل منهجي على الإرهاب والانتهاكات لفرض السيطرة، وهذه التسجيلات التي تُبث، بكل قسوتها وبشاعتها، تهدف إلى إرسال رسالة واضحة مفادها: "نحن قادمون، ومَن يعترض مصيره سيكون مثل هؤلاء".



إنها استراتيجية قائمة على نشر الرعب مسبقا، وإجبار الناس على الهروب قبل وصول المليشيا، عبر خلق حالة من الخوف الجماعي؛ فالفكرة الأساسية لديهم تقوم على الانتقام، والإخضاع، وإشعار الآخر بالدونية، وهو ما يفسّر هذا القدر المرعب من الاستمتاع المرضي بإيذاء المدنيين، خصوصا عندما يكون الفعل مرتبطا بفكرة "التطهير العرقي" التي تمنحهم إحساسا مزيفا بأنهم يؤدون "واجبا أخلاقيا" تجاه مَن يعتبرونهم أقل شأنا أو لا يستحقون الحياة.

إن هذا كله يوضح أن ما يجري ليس سلوكا فرديا ولا تصرفات معزولة، بل منظومة كاملة من العنف الممنهج المبني على خطاب كراهية عميق وثقافة انتقامية لا ترى في الضحايا بشرا يستحقون الحماية، بل أهدافا مشروعة ضمن مشروع طويل الأمد لإخضاع المنطقة وإعادة تشكيلها بالقوة.

هل هناك إحصائيات بشأن أعداد المدنيين الذين تأثروا بجرائم قوات الدعم السريع في الفاشر؟
تُقدَّر أعداد المدنيين المتأثرين بما جرى بأكثر من 250 ألف شخص، وهذا الرقم وحده يكشف حجم الكارثة الإنسانية. والواقع أن السياسات الإجرامية المعروفة عن قوات الدعم السريع تجعل من الطبيعي توقّع الأسوأ؛ فهذه المليشيا لديها نمط ثابت من الأخطاء المتكررة والانتهاكات المقصودة التي تتحوّل إلى جرائم جماعية كلما دخلت منطقة جديدة.

وحتى الأشخاص الذين يظهرون في الإعلام أو الذين يقومون بالتصوير، لا أحد يعرف حجم الضغوط والتهديدات التي مورست عليهم حتى يرافقوا القوات في الميدان؛ فالفاشر نعرفها جيدا، ونعرف تماما أن كثيرا من الناس لم يكونوا ليغادروا منازلهم أو يذهبوا إلى أماكن انتشار الجثث لولا أنهم كانوا تحت تهديد مباشر وخطر حقيقي، وهذه سمة ملازمة لتحركات المليشيا أينما حلّت.

"الدعم السريع" لم يتحل يوما بأي منظومة أخلاقية، ولم تُعرف عنها في أي مرحلة من الحرب أي معايير إنسانية لا في الفاشر، ولا في الخرطوم، ولا في الجزيرة، ولا في أي منطقة دخلتها. على امتداد الحرب، ظلّت المليشيا تمارس انتهاكات واسعة وبشعة ضد المدنيين، وتعيد إنتاج نفس الأساليب التي اتبعتها سابقا، كما حدث في ولاية الجزيرة حين استهدفت قيادات الإدارة الأهلية ومارست الإذلال والتنكيل كسلاح للسيطرة.

والراجح أن ما يجري الآن في الفاشر هو إعادة إنتاج لنفس النموذج، وربما بصورة أشد بشاعة، لأن المليشيا باتت تتحرك بعقلية الانتقام وتعتبر بسط السيطرة بالقوة أمرا مشروعا، فيما المدنيون وحدهم مَن يدفع الثمن الأكبر في كل مرة.

"قوات الدعم السريع" تزعم أن الحياة عادت إلى طبيعتها داخل مدينة الفاشر.. ما تعقيبكم؟
الوقائع التي تصل من داخل الفاشر تُظهر صورة مغايرة تماما لما تروّجه ميليشيا الدعم السريع؛ فبرغم خطابها الإعلامي الذي يتحدث عن عودة الحياة إلى طبيعتها وتقديم المساعدات للسكان، إلا أن الشهادات الموثوقة تؤكد استمرار احتجاز أعداد كبيرة من المدنيين داخل المدينة، ومنعهم من الحركة بحرية. الواقع اليوم يشير إلى أن سياسة التجويع تُستخدم كسلاح مباشر، حيث يُحرم الناس من الغذاء والمياه والمساعدات الأساسية، في ظل حصار خانق يزيد من معاناتهم اليومية، بل إن مَن حاولوا الخروج إلى منطقة طويلة بحثا عن الأمان أو الغذاء، واجهوا هم أيضا الاحتجاز أو الإعادة القسرية، وبعضهم بقي مُحتجزا لفترات متفاوتة قبل أن يُسمح له بالعودة أو يُختطف.

كل هذه الممارسات تدل بوضوح على أن المدنيين يمرّون بوضع بالغ الخطورة، ربما هو الأسوأ منذ بدء الهجوم على المدينة، وأن الحديث عن استقرار أو عودة طبيعية للحياة ليس سوى محاولة لتجميل صورة الميليشيا؛ فما يجري على الأرض هو استمرار للعنف، والإذلال، وانعدام الأمان، تحت سيطرة قوة تدّعي حماية الناس بينما تمارس ضدهم الانتهاكات الوحشية يوميا.

كيف تصفين أوضاع النازحين في منطقتي طويلة والدبة أو غيرهما؟ وما الذي يحتاجونه الآن؟
النازحون الذين تمكنوا من الوصول إلى طويلة أو الدبة يعيشون اليوم أوضاعا قاسية للغاية، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها المجتمعات المحلية؛ ففي طويلة، تعمل لجان الطوارئ بلا توقف لمحاولة تأمين الحد الأدنى من احتياجات الناس، من خلال المطابخ الميدانية والخدمات الإنسانية التي يحاول أهل المنطقة تقديمها بإمكاناتهم المحدودة، إلا أن حجم التدفق البشري يفوق القدرة المتاحة، ما يجعل الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات أكبر بكثير مما يمكن تعويضه محليا.

وفي الدبة، كان التضامن الشعبي لافتا؛ إذ استبق الأهالي الحكومة والمنظمات الأهلية، وبادروا إلى استقبال النازحين وتقديم المأوى والطعام والماء لهم لحظة وصولهم. هذا التعاضد خفّف جزءا من الصدمة، لكنه بالطبع لا يكفي لتغطية الاحتياجات الهائلة التي تتزايد يوميا.

الناس اليوم في حاجة إلى كل شيء تقريبا سواء من رعاية طبية عاجلة للجرحى والمرضى والمصابين بالإجهاد والعطش أو غذاء ومياه آمنة في ظل غياب أي منظومة إنسانية قادرة على الاستجابة الكاملة، بالإضافة إلى أنهم بحاجة لدعم نفسي واجتماعي، بعد أن فقد كثيرون بيوتهم وأفرادا من أسرهم، وتعرّضوا لمشاهد عنف وصدمات يصعب وصفها.
أبناء دارفور يخشون أن تؤدي سيطرة قوات الدعم السريع على الإقليم إلى حرمانهم من العودة إلى منازلهم وأراضيهم
يخيم أيضا شعور بالغ القلق على مستقبلهم، خصوصا بين أبناء دارفور الذين يخشون أن تؤدي سيطرة قوات الدعم السريع على الإقليم إلى حرمانهم من العودة إلى منازلهم وأراضيهم، وإلى تكريس واقع جديد يُفرض عليهم بالقوة. هذه المخاوف تضيف عبئا نفسيا ثقيلا إلى معاناة النزوح، وتجعل الحاجة إلى ضمانات أمنية وإنسانية أمرا لا يحتمل التأجيل.

كيف تردّون على الرواية الإعلامية التي تروّجها قوات الدعم السريع خصوصا ما يتعلق بعمليات القبض المعلنة مثل قضية "أبو لولو"؟

الرواية التي يحاول إعلام قوات الدعم السريع تسويقها ليست سوى سلسلة من الادعاءات المصطنعة الهادفة إلى تلميع صورتها أمام الرأي العام، داخليا وخارجيا؛ فما تقدّمه الميليشيا عبر منصاتها لا يخرج عن إطار المسرحيات الدعائية التي تحاول من خلالها إظهار نفسها كقوة منضبطة وقادرة على فرض الأمن، بينما يعرف الجميع حجم الانتهاكات التي ترتكبها على الأرض.

وأبرز مثال على ذلك ما جرى في قضية الفاتح عبد الله إدريس الملقب بـ"جزّار الفاشر" أو "أبو لولو"؛ إذ جاءت طريقة الإعلان عن القبض عليه، ثم أسلوب التصوير والإخراج، وكأنها مشاهد مُعدّة سلفا لأغراض إعلامية لا علاقة لها بالحقائق الميدانية. ظهرت اللقطات وكأنها جزء من فيلم دعائي، لا عملية أمنية حقيقية، وهذا ما جعل كثيرين يشكّكون في الرواية برمتها، لأن الميليشيا باتت معروفة بافتعال مثل هذه "الدراما" لتوجيه الأنظار بعيدا عن جرائمها وانتهاكاتها المستمرة.

اليوم، أصبح المجتمع المحلي والدولي أكثر وعيا بهذه الأساليب، ولم يعد من السهل خداعه بمثل هذه العروض المصطنعة. ولذلك فإن محاولات قوات الدعم السريع لتقديم نفسها بصورة القوة المنقذة أو المنظّمة لم تعد تقنع أحدا، بعدما انكشف الواقع على حقيقته واتضحت الفجوة الكبيرة بين ما تروّجه في الإعلام وما يعيشه المدنيون تحت سيطرتها.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية مقابلات وزيرة السودان الدعم السريع الفاشر مقابلة السودان وزيرة مقابلة الدعم السريع الفاشر المزيد في سياسة مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة قوات الدعم السریع الدعم السریع فی ت الدعم السریع من الانتهاکات مدینة الفاشر ضد المدنیین ت الملیشیا أن ما یجری فی الفاشر على الأرض هذا النمط فی مدینة لیس مجرد الذی ی ما حدث التی ت إلى أن

إقرأ أيضاً:

17 مليار دولار تختفي سنوياً.. أين تذهب أموال «دعم الوقود»؟

أعاد الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال حسني بي فتح ملف منظومة دعم المحروقات في ليبيا، عبر منشور مطوّل نشره على صفحته الرسمية وصفحة “رؤية عمل”، موجّهًا انتقادات حادة للسياسات الحالية، ومطالبًا بإعادة هيكلة شاملة تقوم على التحول من الدعم السعري إلى دعم نقدي مباشر للمواطنين.

وقال حسني بي إن الحديث عن الدعم في ليبيا، وفق وصفه، لم يعد مرتبطًا بالعدالة الاجتماعية، بل أصبح يعكس منظومة تبتلع الثروة العامة تحت شعارات اجتماعية فقدت فعاليتها، معتبرًا أن البلاد لا تعاني من نقص في الموارد، بل من خلل في إدارتها وتوزيعها.

وأوضح في منشور على صفحته بالفيسبوك، أن منظومة دعم المحروقات الحالية لا تمثل سياسة اجتماعية ناجحة، ولا تحقق أهداف حماية الفئات الضعيفة، بل تتحول إلى آلية لإعادة توزيع الثروة نحو شبكات التهريب والمضاربة والاقتصاد الموازي، على حد تعبيره.

وتساءل في منشوره عن جدوى استمرار هذه المنظومة، مشيرًا إلى أن ارتفاع معاناة الأسر الليبية وتراجع قيمة الدينار وتزايد أرباح التهريب، كلها مؤشرات على فشل النظام الحالي في تحقيق العدالة الاقتصادية.

وأضاف أن المواطن الليبي يتحمل كلفة مزدوجة، تتمثل في هدر الثروة النفطية عبر دعم لا يصل إليه فعليًا، إضافة إلى تأثيرات التضخم وارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية.

وكشف حسني بي أن كلفة دعم المحروقات والطاقة في ليبيا تتراوح بين 14 و17 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 100 إلى 120 مليار دينار، معتبرًا أن هذا الحجم من الإنفاق يؤدي إلى نزيف مالي واسع يمنع بناء اقتصاد مستقر أو تمويل تنمية حقيقية أو حماية العملة المحلية.

وفي المقابل، شدد على أن الحل لا يتمثل في رفع الدعم بشكل مباشر، بل في استرداد حق المواطن عبر تحويل الدعم إلى نقدي مباشر، يتم توزيعه بشكل شفاف وعادل لجميع الليبيين، عبر الرقم الوطني والحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية.

وأشار إلى أن آلية مشابهة موجودة بالفعل منذ يناير 2021، حيث تُصرف علاوات للأسر الليبية تحت مسميات مختلفة مثل علاوة الأبناء والزوجة والبنات، بتكلفة سنوية تقارب 7.5 مليار دينار، وبمتوسط دعم شهري يقارب 550 دينارًا للأسرة، تُصرف كل ثلاثة أشهر.

واقترح توسيع هذه المنظومة بإضافة مبلغ نقدي مباشر قدره 500 دينار لكل مواطن شهريًا، ما يعني أن الأسرة المكونة من ستة أفراد ستحصل على نحو 3000 دينار إضافية شهريًا، ليصل إجمالي دخلها النقدي إلى نحو 3550 دينارًا بدلًا من 550 دينارًا حاليًا، وفق تقديره.

وأكد أن هذا التحول لا يمثل إنفاقًا جديدًا، بل إعادة توجيه للمال العام من قنوات التهريب والفساد إلى المواطنين مباشرة، مشيرًا إلى أن قوانين الميزانية في عامي 2013 و2014 نصت على ضرورة إعداد خطة لتحويل الدعم السلعي ودعم المحروقات إلى دعم نقدي، إلا أن التنفيذ لم يكتمل بالشكل المطلوب.

ودعا إلى اتخاذ قرار حاسم وفوري بوقف منظومة الدعم السعري التي يستفيد منها المهربون والمضاربون أكثر من المواطن، مع تحويل كامل القيمة إلى المواطنين عبر أدوات مالية حديثة، وربط الدعم بعدد أفراد الأسرة لضمان العدالة.

كما شدد على ضرورة إعادة هيكلة الأجور والدخل العام لحماية القدرة الشرائية، وتوجيه الموارد نحو التنمية والخدمات، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي يطيل عمر الفساد ويعمّق الأزمة الاقتصادية.

وختم حسني بي منشوره بالتأكيد على أن ليبيا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار منظومة “النهب المقنّع باسم الدعم”، أو الانتقال إلى نظام عادل وشفاف يعيد الثروة إلى المواطنين، معتبرًا أن النفط وأموال الدعم ملك للشعب ولا يجب أن تتحول إلى أرباح للتهريب والمضاربة.

وفي سياق متصل، علّق الخبير الاقتصادي مختار الجديد على الجدل الدائر، معتبرًا أن ردود الفعل حول بعض التفاصيل في النقاشات الاقتصادية لا تعكس جوهر القضية، مشيرًا إلى أن تفسير السلوكيات في الإعلام يحتاج إلى قراءة موضوعية بعيدًا عن الانطباعات الشخصية، في إشارة إلى الجدل الذي أُثير حول بعض ملاحظاته السابقة في البرامج الحوارية.

ويعكس هذا الجدل الاقتصادي المتصاعد في ليبيا حالة انقسام واضحة بين تيار يدفع باتجاه إصلاح جذري لمنظومة الدعم وتحويله إلى نقد مباشر، وتيار آخر يركز على أبعاد اجتماعية ونقاشات إعلامية مرتبطة بإدارة الخطاب العام حول الأزمة.

هذا وتعتمد ليبيا منذ سنوات على منظومة دعم واسعة لأسعار الوقود والسلع الأساسية، ما جعلها أحد أكبر بنود الإنفاق العام. غير أن هذه المنظومة تواجه انتقادات متكررة بسبب تسرب جزء كبير من الدعم إلى قنوات التهريب والسوق السوداء، في ظل ضعف آليات الرقابة والتوزيع.

ويُطرح بين الحين والآخر خيار التحول إلى الدعم النقدي المباشر كبديل إصلاحي، إلا أن تنفيذه يواجه تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة.

مقالات مشابهة

  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • وزيرة الثقافة ورئيسة "قومي الطفولة والأمومة" تبحثان سبل التعاون المشترك
  • وزيرة الثقافة ورئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة تبحثان سبل التعاون المشترك
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • 17 مليار دولار تختفي سنوياً.. أين تذهب أموال «دعم الوقود»؟
  • وزيرة التنمية تفتتح وحدة التدخل المبكر في لواء المزار الشمالي
  • رحيل سهام جلال.. 10 محطات صنعت مشوار «وزيرة السعادة»
  • وزيرة الثقافة تستقبل المترجم الكبير سمير عبد ربه لبحث سبل الاستفادة من خبراته
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش