لم يكن ركن اليابان في الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية "بنان" في نسخته الثالثة مجرّد مساحة للعرض، بل نافذة تطل منها روح مدينة كيوتو بكل ما تحمله من صمت وجمال وبطء محسوب يشبه إيقاع الحرف اليدوية التي لا تصنع على عجل، وفي هذا الركن وقف الحرفي الياباني كووتارو نيشيبوري، كأنه امتداد طبيعي لحرفته هادئًا متمهلًا، يحمل بين يديه مظلة ورقية تبدو بسيطة لأول وهلة، لكنها في واقع الأمر تحمل طبقات من التاريخ والفلسفة والضوء.


كووتارو، الذي يزور المملكة للمرة الأولى في حياته، جاء إلى الرياض بدافع الفضول، وبالرغبة في فهم ثقافة جديدة بعيدة تمامًا عن مدينته التي نشأ فيها بين الحرفيين والورش التقليدية فوجئ منذ اللحظة الأولى بلطف الناس، وبالدفء الذي قابلوه به، وباختلاف الملبس وأسلوب الحياة.

وفي "بنان"، كان الناس يقفون حول مظلته التقليدية كما لو أنهم يكتشفون سرًا قديمًا أخفته اليابان طويلًا يلتقطون الصور، يسألون عن الورق، عن البامبو، عن الزيت الذي يحمي المظلة من المطر، وعن المدة التي تستغرقها صناعتها, وفي كل سؤال كان كووتارو يبتسم ويفتح نافذة صغيرة على عالمه الذي يمزج بين الدقة والخيال بين التراث والابتكار، وبين ما ورثه عن الأجيال وما يحاول أن يضيفه إلى هذا الإرث.

والمظلة اليابانية التقليدية، أو "واغاسا"، لا تُصنع في يوم أو يومين، بل تحتاج إلى ما يقارب أسبوعين كاملين من العمل المتواصل، حيث تُقطع أوراق الورق الياباني الفاخر بقوالب دقيقة، ثم تُلصق يدويًا على هيكل مصنوع من البامبو الطبيعي، ويستخدم غراءً منزليًا يُحضَّر خصيصًا للعملية، ثم يبدأ الجزء الأكثر حساسية في الحرفة، تغطية الورق بزيت بذور الكتان وتركه تحت الشمس لحين يجف الزيت، ويتحول الورق إلى سطح قادر على مقاومة المطر.

فكووتارو لا يرى التقاليد شيئًا ثابتًا بل يراها كائنًا حيًّا يستطيع أن يكبر ويتغيّر ويستجيب للعصر، شرط أن يظل محتفظًا بجذوره، وهذه الفلسفة هي ما جعلته حريصًا على أن يشارك في "بنان"، لأنه يدرك أن الحرفة لا تعبر الحدود إذا بقيت منغلقة على نفسها، بل تحتاج إلى فضاءات جديدة كي تنمو وتتنفس.

الرياضاليابانالحرف اليدويةمعرض بنانقد يعجبك أيضاًNo stories found.

المصدر

المصدر: صحيفة عاجل

كلمات دلالية: الرياض اليابان الحرف اليدوية معرض بنان

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • وزارة التربية توضح بخصوص الحريق الذي اندلع بمقرها
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • مستثمرون على الورق
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • بوتين: في بعض البلدان يحاولون محو القيم الأسرية التقليدية
  • علامات في رسومات طفلك قد تكشف ما يشعر به.. رسائل صامتة يتركها على الورق
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟