مع انشغال الأنظار عالميا بما يجري في قطاع غزة، تحذر شهادات فلسطينية وحقوقية جديدة من أن الضفة الغربية تمر بأكثر لحظاتها خطورة منذ سنوات. فبين توسع الاستيطان الإسرائيلي وتزايد هجمات المستوطنين وتسارع وتيرة التهجير القسري، تتشكل معالم جريمة تدفع الفلسطينيين إلى خارج أرضهم.

وبتنظيم من منظمة "كرايسس أكشن"، وهي منظمة دولية لحماية المدنيين في مناطق النزاع، شارك خبراء حقوقيون وقيادات مجتمعية -أمس الاثنين- في إحاطة إعلامية أدارتها الممثلة والناشطة الأميركية سوزان ساراندون من مقر المنظمة في نيويورك، لتوصيف الواقع وتقديم شهادات شخصية من القرى الفلسطينية في الضفة الغربية، بما فيها منطقة غور الأردن (الأغوار)، تكشف تفاصيل قاسية من الحياة اليومية التي يتخللها اقتحام المنازل وطرد السكان وخنق العمل الإنساني.

وتكررت في قلب هذه الشهادات فكرة واحدة، وهي أن ما يجري في الضفة الغربية ليس سلسلة حوادث متفرقة، بل إنه مسار طويل من الضم الزاحف الذي تُستخدم فيه قوة وعنف جيش الاحتلال الإسرائيلي لإعادة رسم الجغرافيا والديمغرافيا معا.

"الضم والتهجير في الضفة الغربية يتم بشكل يومي".. مدير البحث الميداني بمنظمة بتسيلم يحذر#المسائية #الجزيرة_مباشر pic.twitter.com/DkvCvsi931

— الجزيرة مباشر (@ajmubasher) November 24, 2025

تهجير 53 تجمعا

تقول بشرى الخالدي، مسؤولة السياسات في منظمة "أوكسفام" بالأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، إن ضم الضفة الغربية يتكرس على الأرض، وإن حاول الخطاب السياسي الدولي إنكاره أو تلطيفه.

وأوضحت في تعليقها أن "على الدول أن تتوقف عن الاختباء وراء الغموض السياسي، وتصرح بوضوح بأن الاحتلال وتوسع البؤر الاستيطانية غير قانونية، وأن العنف ضد المدنيين الفلسطينيين والتهجير القسري للمجتمعات الفلسطينية لا يمكن تطبيعه أو تخفيفه".

إعلان

وترى الخالدي أن الاحتلال "لا يستمر بهدوء فحسب، بل بتعمق وتوسع" بسبب عقود من تجاهل المجتمع الدولي، مشيرة إلى أن محكمة العدل الدولية أكدت في أعوام 2004 و2024 و2025 عدم شرعية سياسات الضم الإسرائيلية، لكن الدول -كما تقول- "أدارت الأزمة بدل إنهائها".

من جانبها، ذهبت المحامية الحقوقية الأميركية أليغرا باتشيكو إلى أبعد من ذلك، وأشارت إلى ضم 70 كيلومترا مربعا من شرقي القدس المحتلة ومناطق أخرى من الضفة إلى إسرائيل.

وتقول باتشيكو "تم بالفعل تهجير 53 مجتمعا (معظمها بدوية) ندعمها كليا أو جزئيا. ونحن نتحدث عن آلاف الفلسطينيين الذين فروا لإنقاذ حياتهم بسبب هجمات المستوطنين".

سكان مخيم طولكرم للاجئين شمال الضفة يخلون منازلهم بينما يواصل الاحتلال عملياته استعدادا لهدم المنازل (أسوشيتد برس)

أما في مدن الضفة، فقد "شرد الجيش الإسرائيلي 35 ألف فلسطيني منذ يناير/كانون الثاني الماضي من عدة مخيمات (من جنين وطولكرم خاصة). وهكذا شهدنا نزوحا جماعيا في جميع أنحاء الضفة الغربية".

ورفضت باتشيكو التي ترأس "اتحاد حماية الضفة الغربية"، وهو ائتلاف من المنظمات غير الحكومية والدول المانحة التي تدعم الفلسطينيين، تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قال إن "الضم لم يحدث".

وقالت "رسالتي لترامب هي أن الضم حدث ويحدث الآن، ويعني سيطرة دائمة من قبل القوة المحتلة، وهو أمر مرفوض تماما بموجب القانون الدولي. ولا نريد أن يكون ضم الضفة الغربية ثمنا وجائزة لوقف إطلاق النار في غزة".

شهادات شخصية

أما علياء مليحات، الناشطة المجتمعية من الأغوار، فقد قدمت شهادة مؤلمة عن واقع التهجير القسري الذي يشمل القرى الفلسطينية هناك، وروت تفاصيل طرد عائلتها من مخيمات أريحا، ثم من منطقة المعرجات القريبة بعد اقتحام المستوطنين لها في يوليو/تموز الماضي.

وقالت مليحات "كان المستوطنون يداهمون منازل العائلات ويسرقون الأغنام ويطلقون النار عليهم ويهددون النساء ويطلقون النار بحجة الدفاع عن النفس".

وتعمل الناشطة مليحات مع أبناء التجمعات البدوية الفلسطينية النازحين ومع مجتمعات الرعاة للدفاع عن أراضيهم وسبل عيشهم في ظل تصاعد ضغوط الاستيطان وحملات الهدم.

مسنة فلسطينية في مواجهة هجوم للمستوطنين وجنود الاحتلال على أرضها جنوب الخليل (الفرنسية)

ومن قرية التوانة في تلال محافظة الخليل، جنوب الضفة الغربية، وصف الناشط محمد الهريني التوثيق بـ"المواجهة المفتوحة"، مشيدا بمشاركته في فيلم "لا أرض أخرى" الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي في فبراير/شباط الماضي، والذي لا يعتبره الهريني مجرد عمل فني، بل كشفا لواقع التطهير العرقي والفصل العنصري الذي يمارسه المستوطنون.

وروى الهريني عن تعرض مخرجي الفيلم، باسل عدرا وحمدان بلال، لاعتداءات بعد الفوز بجائزة الأوسكار، إذ اختُطف بلال من منزله وظل في السجون الإسرائيلية لمدة 24 ساعة عقب عودته من الولايات المتحدة.

ولا يخفي الهريني تجربته الشخصية بالقول "بغض النظر عن هويتك أو ما فعلته، سيعد جريمة أن تكون فلسطينيا بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي. وأنا شخصيا، تعرضتُ لاعتداءات شديدة واعتقلت عدة مرات، خاصة عندما كنت صغيرا في سن 14 عاما. وكانت تلك من أكثر اللحظات رعبا وجنونا في حياتي".

مسؤولية دولية معلقة

وأكدت المحامية الحقوقية باتشيكو دعم حق الفلسطينيين بأي حماية من العنف اليومي الذي يعانون منه. وقالت "عندما يقتحم مستوطن منزلا فلسطينيا، وإذا دفع هذا الأخير المستوطن خارج منزله، فقد يتم اعتقاله بتهمة مهاجمة المستوطن، ويمكن إطلاق النار عليه وقتله، وقد حدث هذا في عدة حالات".

إعلان

وأشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي يشارك في الانتهاكات أو يقف مكتوف الأيدي بينما يهاجم المستوطنون الفلسطينيين، مشددة على ضرورة أن "يوفر المجتمع الدولي الحماية للفلسطينيين وأن يحذو حذو غزة، بأن تأتي قوات سلام دولية، وأن يكون هناك سابقة مماثلة في الضفة الغربية".

وترى بشرى الخالدي أن اللباقة الدبلوماسية لن تغير حقيقة أن ما يحدث ليست مجرد انتهاكات، "بل سياسات تدمر أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة"، متسائلة "لماذا لا تتحرك الدول بشأن هذا؟ لأنه بدون مساءلة، يصبح الاحتلال تلقائيا وتصبح المساعدات الإنسانية مجرد ضمادة على جرح متضخم يُتعمد إبقاؤه مفتوحا".

وتعتقد الخالدي أنه إذا قبلت الدول استنتاجات محكمة العدل الدولية، فيجب أن تعكسها سياساتها، وأن التوافق مع القانون الدولي يعني عدم تقديم أي دعم ـمباشر أو غير مباشرـ يرسخ المستوطنات غير القانونية، ولا المشاركة في مشاريع تمحو الوجود الفلسطيني.

وفي ختام الإحاطة، أطلقت رسالة واضحة مفادها بأن المساءلة ليست إجراء رمزيا، بل فعلا منقذا للحياة. وطالبت بوقف التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، واشتراط التعاون أو الامتثال للقانون الدولي، ودعم آلية حقيقية للرصد والمساءلة، خاصة التوقف عن اعتبار حقوق الفلسطينيين قابلة للتفاوض أو اختيارية.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات فی الضفة الغربیة

إقرأ أيضاً:

إنشاء ملاعب آمنة بالضفة الغربية وفيفا يحقق بطلب حظر الاتحاد الإسرائيلي

تعاونت الحكومة السويسرية مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) اليوم الخميس، من أجل تمويل المنشآت الرياضية والملاعب في الضفة الغربية بـ120 ألف فرانك سويسري (149 ألف دولار).

وأكد فيفا الذي يقع مقره في سويسرا، أن الأموال من وزارة الشؤون الخارجية للبلاد، مخصصة لتعزيز الأبنية والإنشاءات ودعم التزام أوسع وطويل المدى لاستعادة الوصول إلى كرة القدم في جميع أنحاء المنطقة".

ولم يتطرق بيان "فيفا" بشكل دقيق أو يتكهن بشأن كيفية تعذر الوصول إلى ملاعب كرة القدم أو فقدانها في الضفة.

إنشاء ملاعب آمنة بالضفة الغربية

وقال الاتحاد الدولي إن الملاعب المعروفة بـ "فيفا آرينا" هي مصممة "لتكون آمنة ومساحات دائمة للمجتمعات التي تفتقد ممارسة الرياضة"، وسيقام برنامج تدريبي مخصص للأطفال في أول ملعبين صغيرين من "فيفا أرينا"، مما يوفر مساحات لعب آمنة تعزز الاندماج والتطور الشخصي.

وتم التخطيط لبناء 8 ملاعب أخرى في الأراضي الفلسطينية، كجزء من مشروع "فيفا آرينا" العالمي، حيث أكد الاتحاد الدولي للعبة أن هناك 30 ملعبا مصغرا في 15 دولة تم افتتاحها منذ مارس/آذار الماضي.

وقال جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي: "فيفا يعرب عن امتنانه العميق للحكومة السويسرية، على المساهمة المهمة ويتطلع الاتحاد الدولي لاستمرار هذه الجهود المشتركة من أجل استعادة الأمل وإعادة البناء وإحيائه، خطوة بخطوة".

وحضر إنفانتينو قمة عالمية حول مستقبل غزة الشهر الماضي في شرم الشيخ بمصر، حيث أكد التزام "فيفا" بالمساعدة على إعادة بناء المنشآت الرياضية في قطاع غزة، وفلسطين، مؤكدا أن الاتحاد الدولي سيعيد كرة القدم في كل أركان البلاد.

فيفا يحقق في طلب حظر الاتحاد الإسرائيلي

ويحقق الاتحاد الدولي أيضا في شكويين رسميتين من الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، ضد اتحاد الكرة الإسرائيلي. كان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم قد تقدم بطلب بحظر مشاركة نظيره الإسرائيلي في المسابقات الدولية بسبب الحرب في قطاع غزة.

إعلان

وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي طلب "فيفا" من لجنته التأديبية دراسة مزاعم التمييز من جانب الاتحاد الإسرائيلي، وطلب من لجنة الحوكمة التابعة للفيفا تقديم مشورة بشأن ما إذا كانت فرق المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية التي تشارك في المسابقات المحلية، قد انتهكت لوائح الاتحاد.

ولم يتم تحديد جدول زمني لقيام لجان "فيفا" بتقديم تقاريرها، ومن المقرر انعقاد مؤتمر الاتحاد الدولي القادم، الذي يضم 211 عضوا في 30 أبريل/نيسان في فانكوفر بكندا.

مقالات مشابهة

  • أبو العنين: الضفة الغربية تشهد توسع من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.. والهجمات الإسرائيلية على لبنان تتصاعد
  • نادي الأسير: الاحتلال الإسرائيلي يعتقل مئات الفلسطينيين أسبوعيا بالضفة
  • كوبا تدين الاعتداءات الصهيونية المتصاعدة على الفلسطينيين في الضفة الغربية
  • بالفيديو.. الجيش الإسرائيلي يقتل رجلين بالضفة الغربية رغم استسلامهم
  • دول أوروبية تدعو إسرائيل إلى حماية الفلسطينيين وإنهاء العنف في الضفة الغربية
  • ماذا وراء التصعيد العسكري الإسرائيلي بالضفة الغربية؟
  • الجيش الإسرائيلي يفتح تحقيقا بعد إطلاق جنود النار على فلسطينيين اثنين في الضفة الغربية
  • إنشاء ملاعب آمنة بالضفة الغربية وفيفا يحقق بطلب حظر الاتحاد الإسرائيلي
  • 4 دول أوروبية تدعو الاحتلال الإسرائيلي إلى حماية الفلسطينيين ووقف عنف المستوطنين
  • منظمات حقوقية: على المجتمع الدولي منع تصعيد الهجمات ضد المدنيين بالضفة