انضممتُ للوفد العماني الذي شارك في معرض الكويت الدولي للكتاب، لإدارة حوار عن العلاقات العمانية الكويتية عبر التاريخ. أجزم بأن اختياري أتى من أنني درستُ هناك وكتبتُ عن الكويت كثيرًا.
تجولتُ في المعرض، وصولًا لدار نشر عراقية ألاحقها متى ما شاركت في معرض من معارض الكتب في الخليج، وهي منشورات "نابو"، ونابو هو إله الحكمة والكتابة عند البابليين والآشوريين، ورمز المعرفة وحامي الكتّاب.
قال لي الشاب الذي يعمل في ركن الدار بعد أن عرف أنني عمانية، إن محبة خاصة وراسخة من العراقيين لشعبين أحدهما الشعب العماني. وقلتُ له إن روائيًّا عراقيًّا كتب روايةً كاملة في عُمان، كتبها بعد احتلال العراق ٢٠٠٣، عن أستاذ جامعي يعيش في صور ويتعرض لأسئلة عن موقفه فيما إذا كان ما حدث للعراق تحريرًا من طاغية أم احتلالًا، ليقف ذاهلًا أمام رغبة الناس في أن يقرر أيهما أفضل صدام أم الأمريكان. كنت أشير لرواية “القنافذ في يوم ساخن" للروائي العراقي الشهير فلاح رحيم. عرف الشاب الرواية لكن لم يقرأها.
تحكي الرواية قصة سليم أستاذ اللغة الإنجليزية والفترة التي قضاها في مدينة هادئة للغاية كما هي صور. بدأ تجربته مع المنفى في أوائل التسعينيات حين عمل مترجمًا لسنوات طويلة لصالح شركة نفط في صحراء ليبيا. وبعد ذلك انتقل عام 2006 إلى سلطنة عُمان ليعمل في كلية صور في المنطقة الشرقية. فيعيش في مدينة هادئة ومنعزلة، محاطة بمجموعة من المنفيين القادمين من أماكن متعددة. لا أعرف لِمَ لم أقرأ عنها كثيرًا في عُمان، أعتقد بأنني لم أسمع عنها قط، أضعتُ نسختي التي مررتها لأصدقاء كُثر تفاجأوا من سماعهم عنها.
عندها قلبتُ كتاب «دجلة الجريح» للكاتب الأيرلندي ليون مكارون ترجمة محمد نبراس العاني، دار نابو 2025. ينطلق المؤلف في رحلة طويلة تتبع مجرى نهر دجلة من منابعه الباردة في جبال الأناضول وصولًا إلى الأراضي العراقية.
في رحلة للتاريخ الثقافي للنهر وتشكيله لهوية الناس الذي عاشوا معه. تحدثت مع الشاب في نابو عن صورة شاهدتها لثلاثة أطفال يتمشون في مجرى نهر دجلة، مما سبّب لي صدمة هائلة؛ فقضايا الجفاف والتملح وغيرها، في كتب الجغرافيا التبسيطية التي تعلمناها في المدرسة فحسب أما أن يحدث هذا الآن، بينما نشهد عليه دون أن يسبّب لنا ذلك رجفة عين فإنه لكارثة محققة.
حكى لي أنه وافد على بغداد من أجل العمل، وعبّر لي أن كل ما كان يمتلكه هو النظر لدجلة، الذي شكّل وجدانه مثل الآخرين، قالها بينما تظهر على محياه ابتسامة مهزومة وساخرة، كأن ما حدث متوقع وطبيعيّ ولا يدعو للدهشة مطلقًا؛ فدجلة جريحة، بغداد جريح، والعراق جريح، هل نعرف شيئًا عدا ذلك؟ يغنّي كاظم الساهر من ألحانه وكلمات كريم العراقي: "بغداد وهل عذب الله مثلك في الدنيا أجمعها؟".
مازحتُ كرار قائلة إنني أعرف أنهم لا يحبون السمك البحري، فانفعل مؤكدًا أن هذا حقيقي، وأنه قبل ثلاثة أيام في الشارقة عندما شارف المعرض هناك على النهاية، عُزم على سمك بحري من كل الأنواع، لا بأس به، ولكنه لا يضاهي النهري، قال لي ذلك بحماسة، جعلتني أقول ساخرة إن هذا أمر أريد التأكد منه بنفسي.
قبل نحو أسبوع من هذا اللقاء كنتُ اقرأ كتاب أخي وأرضي: حكاية من فلسطين لسامي هرمز وسيرين صوالحة الذي نشر مترجمًا قبل شهرين عن منشورات تكوين الكويت. سيرين صوالحة تسرد لنا بحميمية عن فلسطين ونكبتها عبر تاريخها الشخصي وتاريخ عائلتها. كتابٌ صادم، ولكنه يُصر على توثيق أي نأمة صغيرة في وجه احتلال يحاول مصادرة هذا من بين ما اختطفه وسرقه.
تقول سيرين في مقطع شاركته على حسابي في انستغرام: "بتعرف إنه عندنا مقبرة للشهداء العراقيين؟ عملنا لهم مقبرة لأنهم الوحيدين اللي دافعوا ببسالة عن جنين وقاتلوا بشرف في الـ48. المقبرة كبيرة والناس لحدّيت هلا بتزورها وتدير بالها عليها، وزرعوا شجر زيتون حواليها". لم أكن أعرف عن هذا على الإطلاق، علّقتْ على منشوري كاتبة من فلسطينيي الداخل المحتل، لتقول لي إن جدها كان بصحبتهم، وإن هذه القصة لم يُكتب عنها بسبب الخوف. تكميم الأفواه في الداخل مرعب، "الناس كلها خايفة تحكي".
مع هذا ومع جفاف دجلة، لا نسمع من العراق الآن سوى صرخات الجروح المفتوحة، وعلى الرغم من أنها تخصنا، إلا أننا وكعادتنا مع جروحنا المشتركة، لا ندير لها حتى ظهورنا، إذ إنها ليست هناك. أينما وليتُ وجهي كان العراق، ثم أنه هناك يستدعي جرحنا الآخر، فلسطين، كأن حديثًا بدأ بالمصادفة مع عراقي، بدأ من دجلة وانتهى لمقبرة في فلسطين.
أردتُ أن أقول لكرار إنني أحب مقطعًا من قصيدة للجواهري عن دجلة، لكنني آثرت السكوت أمام تلك الابتسامة الهازئة والملتاعة. ها هي ذي عمومًا لعلها تفعل فينا شيئًا:
"سلامٌ على هَضَباتِ العراقِ/ وشطَّيهِ والجُرْفِ والمُنحنى
على النَّخْلِ ذي السَّعَفاتِ الطوالِ/ على سيّدِ الشَّجَرِ المُقتنى
على الرُّطَبِ الغَضِّ إذ يُجتلَى/ كوَشْيِ العروسِ وإذ يُجتنى
بإِيسارهِ يومَ أعذاقُه/ تَرفّث، وبالعسرِ عندَ القنى
وبالسَّعْفِ والكَرَبِ المُستجِدِّ/ ثوبًا "تهرّا" وثوبًا نضا
ودجلةَ إذْ فارَ آذيُّها/ كما حُمَّ ذُو حَرَدٍ فاغتلى
ودجلةَ زهوِ الصَّبايا الملاحِ/ تَخَوَّضُ منها بماءٍ صَرى
تُريكَ العراقَّي في الحالتينِ/ يُسرِفُ في شُحّهِ والنَّدى".
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.