ريهام العادلي تكتب: المرأة والذكاء الاصطناعي.. شراكة تعيد صياغة المستقبل
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
في السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي مجرد نقاش تقني أو موجة عابرة، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على كل تفاصيل الحياة ، ومع هذا التحول الكبير، تظهر قوة جديدة للمرأة، قوة لا تعتمد على الصورة التقليدية للتمكين، بل على شراكة حقيقية مع التكنولوجيا تعيد تشكيل موقعها في المجتمع وسوق العمل وصناعة المستقبل ، ولأنني أكتب هذا المقال من زاوية متحيزة للنساء ، أجد أن العلاقة بين المرأة والذكاء الاصطناعي ليست مجرد علاقة استخدام للأدوات الحديثة، بل علاقة إعادة بناء لأساليب التفكير، ولطبيعة الفرص، ولطريقة حضور المرأة في العالم.
لقد اعتدنا لسنوات طويلة أن تُقدَّم المرأة باعتبارها متلقية للتغيير، أو طرفًا يحتاج إلى دعم حتى يواكب التطورات ، أما اليوم، فالمشهد مختلف تمامًا؛ فهناك نساء يقدن ثورة الذكاء الاصطناعي حول العالم، ونساء يصنعن خوارزميات تدير الشركات، وتجارب تعليمية تبني المستقبل للأطفال، ومنصات تبتكر حلولًا للمجتمع ، هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ بل من قوة عميقة داخل المرأة جعلتها أكثر قدرة على التأقلم، وأسرع في فهم احتياجات العالم الجديد، وأكثر مرونة في دمج المعرفة التقنية بحسٍّ إنساني دقيق.
ولعل واحدة من أهم النقاط التي تتطلب تأملًا، هي أن الذكاء الاصطناعي منح المرأة أدوات كانت محرومة منها لفترات طويلة. فقد أزال الكثير من الحواجز التقليدية، وفتح مساحات جديدة لنساء لم يكنّ يجدن فرصة للتعلم أو العمل أو التعبير ، اليوم، تستطيع فتاة صغيرة في قرية بعيدة أن تتعلم البرمجة عبر منصات مجانية، وتقدر على إنشاء مشروع رقمي من منزلها، وتستطيع أن تنافس في سوق عالمي دون أن تغادر محيطها ، هذه الفرص لم تكن ممكنة قبل عقد واحد فقط، وهي اليوم جزء طبيعي من مشهد الحياة الرقمية.
لكن الأهم من الفرصة هو كيف تتعامل المرأة مع التكنولوجيا، فالمرأة بطبيعتها تميل إلى التفاصيل، وتملك قدرة عالية على التحليل الشامل، وتوازن بين منطق الأرقام وحدس المشاعر، وهي قدرات تجعلها شريكًا مثاليًا في عالم الذكاء الاصطناعي ، نحن الآن أمام عصر يحتاج المهارات المركبة: التقنية والإنسانية معًا؛ والمرأة بطبيعتها تجمع هذه المهارات دون ادعاء أو مبالغة ، ولهذا، نجدها تتفوق في مجالات مثل تحليل البيانات الصحية، وإنشاء محتوى ذكي، وتصميم تجارب المستخدم، والتعليم الرقمي، وكلها مجالات تشهد توسعًا كبيرًا بفضل الذكاء الاصطناعي.
ولا يمكن تجاهل أن الذكاء الاصطناعي منح المرأة صوتًا جديدًا في قضاياها الخاصة. فهناك خوارزميات تُستخدم لتحليل العنف ضد النساء، وأدوات ذكاء اصطناعي ترصد خطاب الكراهية، ومنصات تُسهّل الإبلاغ عن الانتهاكات، إضافة إلى تطبيقات تدعم الصحة النفسية للأمهات وتقدّم استشارات فورية. كل هذا جعل المرأة قادرة على حماية نفسها بصورة لم تكن ممكنة من قبل ، إنها ليست مجرد مستخدمة للتكنولوجيا، بل مستفيدة حقيقية من قدرة الذكاء الاصطناعي على فتح نوافذ للوعي والدعم والتمكين.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن لكل تقدم تحدياته ، فمع ظهور الذكاء الاصطناعي، ظهرت أيضًا مخاوف تتعلق بالتحيز الخوارزمي، وهو نوع من التمييز قد يحدث إذا تم تدريب الخوارزميات على بيانات غير عادلة ، وقد شهدنا نماذج عالمية لفلاتر وظيفية قلّلت من فرص النساء، أو أنظمة تحليل بيانات أخطأت في تقييم قدراتهن بسبب انحياز في مصادر المعلومات ، ومن هنا، يظهر دور المرأة ليس فقط كمستخدمة للتكنولوجيا، بل كمُساهِمة في إصلاحها وصناعة خوارزميات أكثر إنصافًا وعدالة. فكلما زاد وجود النساء في فرق الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه التقنيات أكثر توازنًا ووعيًا بالعدالة الاجتماعية.
إن ما يحدث اليوم يجعلني مقتنعة بأن التكنولوجيا ليست بديلًا عن المرأة، وليست خطرًا عليها كما يعتقد البعض، بل هي منصة يمكنها أن تقف عليها بثبات وتقدّم نفسها للعالم بأسلوب جديد ، فالذكاء الاصطناعي يخلق وظائف جديدة تحتاج إلى دقة وصبر وإبداع، وهي سمات غالبًا ما تبرع فيها النساء ، كما يفتح مجالات للمرأة في القيادة الرقمية وريادة الأعمال والحلول الابتكارية في الصحة والتعليم والمجتمع.
واليوم، ونحن نمضي نحو مستقبل يعتمد بدرجة كبيرة على الآلة، تبرز النساء كقوة يمكنها أن تمنح التكنولوجيا روحها الإنسانية، وأن توازن بين تسارع التطوير واحترام القيم. هذا التوازن هو ما يجعلني أرى أن الشراكة بين المرأة والذكاء الاصطناعي ليست علاقة تبعية، بل علاقة تأثير متبادل؛ المرأة تطور التكنولوجيا، والتكنولوجيا تدعم المرأة.
إنني أؤمن بأن السنوات المقبلة ستشهد صعودًا أكبر للمرأة في عالم الذكاء الاصطناعي، ليس فقط كمتخصصة تُدرّب الخوارزميات، بل كقائدة تُعيد تشكيل مفهوم التكنولوجيا ذاتها، وتجعلها أكثر اقترابًا من الإنسان. فالمستقبل ليس للذكاء الاصطناعي وحده، ولا للمرأة وحدها، بل لهذه الشراكة التي ستصنع عالمًا أكثر اتزانًا وإبداعًا.
وبين كل هذه التحولات، تظل الحقيقة واضحة:
حين تمتلك المرأة أدوات المستقبل، يصبح المجتمع كله أكثر قوة، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على النمو .
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الذكاء الاصطناعي التكنولوجيا المرأة الذکاء الاصطناعی
إقرأ أيضاً:
"لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
لم تمتلك المستشارة القانونية لـ "أوبن إيه آي" نيكول دياز، أي خبرة في البرمجة عندما انضمت إلى الفريق القانوني للشركة، لكن خلال عام واحد فقط، تحوّلت إلى مستخدمة متقدمة لأدوات الذكاء الاصطناعي، بل ومطوّرة لحلول تساعدها في أداء مهامها اليومية بكفاءة غير مسبوقة.
بدأ هذا التحول مع استخدامها أداة "شات جي بي تي" لتبسيط واحدة من أكثر المهام تعقيداً في عملها، وهي إعادة صياغة السياسات القانونية.
تحويل النصوص إلى إرشادات واضحةوبدلًا من التعامل مع نصوص طويلة مليئة بالمصطلحات المعقدة القادمة من مكاتب المحاماة، طورت دياز أداة مخصصة داخل "شات جي بي تي" تقوم بتحويل هذه النصوص إلى إرشادات واضحة ومباشرة تناسب بيئة العمل داخل الشركة، ما وفر عليها وقتاً وجهداً كبيرين.
دانييلا أمودي.. كيف حوّلت الشغف بالأدب الإنجليزي إلى ثروة بقيمة 7 مليارات دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي؟ - موقع 24تصدّر اسم دانييلا أمودي، المؤسسة المشاركة ورئيسة شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك"، قائمة أبرز قصص النجاح في عالم التكنولوجيا، بعدما كشفت بيانات "فوربس" مؤخراً، عن وصول صافي ثروتها نحو 7 مليارات دولار.
ومع مرور الوقت، توسع استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل إدارة البريد الإلكتروني، حيث اعتمدت على "Codex" لإنشاء نظام ذكي يقوم بفرز الرسائل الواردة، وتصنيفها حسب درجة الخطورة، واقتراح ردود مناسبة بناءً على سياسات محددة مسبقاً.
توفير رؤى تحليلية أوسعالنظام السابق لا يكتفي بتوفير الوقت، بل يمنحها أيضاً رؤية تحليلية من خلال تتبع نوعية الاستفسارات وسرعة التعامل معها. ورغم هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، تؤكد دياز أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الخبرة القانونية، بل يدعمها، فهو يتولى المهام المتكررة، بينما يظل اتخاذ القرار النهائي قائماً على التقدير البشري والخبرة المهنية.
الذكاء الاصطناعي والاحتكار.. ملفات ثقيلة تنتظر قائد آبل الجديد جون تيرنوس - موقع 24في تحول تاريخي داخل واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، أعلنت شركة آبل تعيين جون تيرنوس، رئيس قسم الأجهزة الحالي، منصب الرئيس التنفيذي اعتباراً من 1 سبتمبر (أيلول) المقبل، خلفاً لتيم كوك الذي سيشغل منصب رئيس تنفيذي لمجلس الإدارة.
وتعكس تجربة دياز توجهاً أوسع داخل "أوبن إيه أي"، يقوم على تمكين الموظفين من بناء أدواتهم الخاصة دون الحاجة إلى خلفية تقنية عميقة، ففي بيئة العمل هناك، يتم تبادل الخبرات بشكل مستمر بين الزملاء، ما يخلق ثقافة تعلم جماعي تسهم في تسريع تبني هذه التقنيات.
تقدم التجربة نموذجاً جديداً لمستقبل العمل القانوني، حيث لا يقتصر دور المحامي على فهم القوانين فقط، بل يمتد ليشمل القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفعالية، ما يعيد تشكيل طبيعة المهنة في العصر الرقمي.