تحت نيران الحرب.. مظاهر تضامن السودانيين تتحدى العنصرية
تاريخ النشر: 28th, November 2025 GMT
برزت مظاهر تضامن السودانيين في المبادرات الأهلية الجماعية والفردية التي تنادت لتقديم الدعم للنازحين القادمين من مناطق الاشتباكات.
الخرطوم: التغيير
على الرغم من اتساع نطاق الحرب وتزايد التوترات الجهوية والمناطقية والعنصرية في الخطاب العام، تظهر الوقائع الميدانية في السودان، أن الروابط الاجتماعية بين مكونات المجتمع لا تزال صامدة، وأن مبادرات التضامن الشعبي تلعب دورًا مهمًا في الحد من آثار الصراع وتعزيز التعايش، متحدية الأصوات العنصرية التي تبث رسائل مرفوضة عبر الوسائط المختلفة.
وصعدت الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف ابريل 2023م، من خطاب الكراهية وبعض النعرات، وأسهمت في تنامي بعض المجموعات التي تتبنى خطابات عنصرية ترفض الآخر، وتدعو إلى إزاحته من المشهد السوداني، وساعد في ذلك التنامي الانتهاكات والجرائم الواسعة التي ارتكبت تحت نيران الحرب، إلا أن العديد من الشواهد تكشف عن صمود التماسك المجتمعي رغم المتغيرات.
استقبال واسع للنازحينوشهدت ولايات شمال السودان ووسطه تدفق أعداد كبيرة من النازحين من مناطق غرب البلاد، خاصة بعد تصاعد العمليات العسكرية في مدينة الفاشر بشمال دارفور.
وبرزت مبادرات أهلية جماعية وفردية في مناطق مثل الدبة والعفاض بالشمالية لتقديم الدعم للنازحين، شملت الغذاء والملابس ومواد الإيواء.
ويؤكد ناشطون محليون، أن استقبال النازحين تم بعيدًا عن الاعتبارات الجهوية والمناطقية، وأن المجتمعات المستضيفة تعاملت مع القادمين من مناطق الحرب باعتبارهم مواطنين سودانيين متضررين من الحرب، لا كأبناء مناطق مختلفة.
وعكس التفاعل استمرار الدور الحيوي للنسيج الاجتماعي في البلاد، والتعويل على الروح الوطنية والتضامن الشعبي، في ظل تراجع الخدمات الحكومية الرسمية.
مبادرات فرديةوفي سياق متصل، سير الفنان المعروف محمد النصري قافلة مساعدات إلى نازحي الفاشر في مخيم العفاض بالولاية الشمالية، شملت مواد غذائية وإيوائية.
وقدمت المبادرة مثالًا على مساهمة الشخصيات العامة في جهود الإغاثة، واستثمار شعبيتها في دعم الفئات المتضررة، بما يعزز قيم التضامن والإنسانية.
وكذلك دفعت الصحفيتان سمية سيد وأميمة عبد الله بمبادرة للإعلاميين والصحفيين من أجل الإسهام في دعم النازحين القادمين من الفاشر إلى الشمالية، وذلك ن خلال إحياء شراكات مع رجال المال والأعمال والمعارف.
جسر الرياضةكما لعبت الأندية الرياضية دورًا بارزًا في تعزيز الوحدة المجتمعية، حيث نظمت فرق كبيرة وجماهيرها حملات دعم للنازحين.
ويؤكد الصحفي الرياضي معاوية الجاك، مدير الإعلام السابق بنادي المريخ، أن الرياضة في السودان ظلت فضاءً محصنًا ضد العنصرية.
وقال لـ(التغيير): “العنصرية والتفرقة في الرياضة غير موجودة إطلاقًا، وهي جسم محصن تمامًا ضد الممارسات العرقية والجهوية”.
وأضاف: “قد تظهر العنصرية في مجالات أخرى، لكن في الرياضة تجد الجمهور يشجع اللاعبين مهما كانت مناطقهم”.
ولفت الجاك إلى أن قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) تمنع أي ممارسات ذات طابع عرقي داخل الوسط الرياضي.
وأشار إلى أن الرياضة واحدة من أهم ممسكات الوحدة الوطنية، مستشهدًا باستمرار الروابط الرياضية بين السودان ودولة الجنوب رغم الانفصال السياسي، حيث اختار الهلال والمريخ والمنتخب الوطني ملعب جوبا لاستضافة مبارياتهم خلال فترة الحرب، ووجد اللاعبون دعماً واسعًا من الجمهور هناك.
الوسومالتماسك المجتمعي الجيش السوداني الحرب السودان العفاض الفاشر الفنان محمد النصري المبادرات المجتمعية الولاية الشمالية شمال دارفور قوات الدعم السريع معاوية الجاك
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: التماسك المجتمعي الجيش السوداني الحرب السودان العفاض الفاشر المبادرات المجتمعية الولاية الشمالية شمال دارفور قوات الدعم السريع
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.