حراس المدينة.. يهود يناضلون من أجل فلسطين
تاريخ النشر: 28th, November 2025 GMT
وفي محاولة لإيصال صوتهم وقناعاتهم، اعتاد هؤلاء اليهود منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، على تنظيم مظاهرة كل شهر، للتنديد بالاحتلال وبحرب الإبادة.
وتصر هذه الطائفة -التي تتمسك بيهوديتها- على مواصلة مظاهراتها رغم الاعتداء الذي تتعرض له في كل مرة من جانب شرطة الاحتلال، التي لا يتردد المسؤولون فيها بالإعراب عن أسفهم لأن النازيين لم يقتلوا اليهود الذين يرفضون الاعتراف بإسرائيل.
ووفقا لفيلم أعدته قناة الجزيرة، فإن أتباع "ناطوري كارتا" وغيرها من اليهود الذين لا يعترفون بإسرائيل، يعيشون في حي ميا شعاريم بمدينة القدس، ويرفضون أي إعانات من حكومة الاحتلال، ولا يسجلون مواليدهم في دفاترها.
وتم تأسيس هذا الحي قبل نحو 150 عاما، ويظهر سكانه احتراما كبيرا للدين، ويرفضون وُجود شرطة الاحتلال فيه، كما يرفضون مظاهر العري والأمور التي يقولون إنها تتعارض مع التوراة.
ووفق أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة تل أبيب شلومو ساند، فإن الصهاينة ينظرون لهذه الفئة من اليهود على أنهم خونة ومتآمرون مع الفلسطينيين كونهم ينظمون مظاهرات في نيويورك دعما لقطاع غزة، ويقولون إن المشكلة لم تبدأ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإنما منذ تأسيس الحركة الصهيونية سنة 1897، والتي أدت لاحتلال فلسطين.
نضال متواصلومنذ بداية الحرب الأخيرة، تواصل الحركة العمل بلا كلل لتوضيح الحقيقة وتؤكد رفضها لكل ما تقوم به إسرائيل لأنه "لا يمثل الشعب اليهودي".
وتقدم ناطوري كارتا، رواية مختلفة عن الصراع في فلسطين، حيث يقول الناطق باسم الحركة في أميركا الشمالية يسرائيل وايس إن اليهود كانوا يعيشون مع المسلمين جنبا إلى جنب، حتى جاءت الحركة الصهيونية "الزنديقية" وروجت لرواية كراهية المسلمين لليهود.
وكان المسلمون يمثلون غالبية سكان فلسطين، وقد رفضوا مطالب الصهيونية بإقامة دولة قومية لليهود، وبعد ذلك بدأ الترويج لسردية وصفها وايس بأنها "خبيثة" وأنها تستهدف أناسا "كانوا طيبين وخيرين معنا".
بل إذا قمنا بمقارنة إرث المسلمين تجاه اليهود بإرث المسيحيين فستكون النتيجة لصالح المسلمين لأن المحرقة قام بها مسيحيون بينما صلاح الدين الأيوبي أنقذ اليهود من المسيحيين أيضا، كما يقول ساند.
لذلك، فإن الكراهية التي يظهرها المسلمون اليوم ليست ضد اليهود، وفق ساند، وإنما ضد الإسرائيليين الذين اغتصبوا أرضهم.
وقد رسخت الحركة سردية مفادها أن الصهيونية هي السبب في إراقة الدماء لأنها مشروع أيديولوجي يريد احتلال أرض ليست لها بزعم وجود كراهية بين المسلمين واليهود، كما يقول الباحث في تاريخ مدينة القدس عبد الله معروف.
فعندما عقدت الحركة الصهيونية مؤتمرها الأول في أغسطس/آب 1798 في سويسرا، واجهت رفضا واسعا من الحاخامية اليهودية وخصوصا في الولايات المتحدة وسويسرا والنمسا وألمانيا وفرنسا وإنجلترا.
ولم تقتصر معارضة المشروع الصهيوني على اليهود، فقد أصدر بابا الفاتيكان آنذاك بيانا معارضا للمؤتمر أيضا، حيث بدت الصهيونية حركة علمانية غير ملتزمة بقوانين الحاخامات، وفق الباحث في الحركات الدينية والسياسية اليهودية موردخاي إنباري.
وفي ذلك الوقت، كان كثير من اليهود الأوروبيين يعيشون وفق تعاليم الدين وهو ما حدا بالأرثوذوكس منهم لتأسيس حركة "أغودات إسرائيل"، في 1912، لمواجهة الصهيونية، وهو ما خلق عقبة أمام هذه الحركة، برأي معروف.
وبالعودة للوراء، يظهر أن الحركة الصهيونية اتهمت "أغودات إسرائيل" (التي خرجت منها ناطوري كارتا) بالسعي لتدمير كل الجهود الرامية لتشكيل جبهة يهودية موحدة، بل ووصفت المنضوين تحتها بـ"الباحثين عن الهلاك".
تأسيس ناطوري كارتاوفي 1935، أعلن الحاخامان عمرام بلاو وأهارون كاتسنلبويغن تأسيس ناطوري كارتا (حراس المدينة)، بعدما تحولت "أغودات إسرائيل" إلى المعسكر الصهيوني، بعد تنكيل النازيين باليهود.
وتضم الحركة عشرات آلاف اليهود حول العالم وخصوصا في القدس ونيويورك وبريطانيا، ومن هؤلاء حوالي 50 ألف عائلة في فلسطين و100 ألف في أميركا، وهؤلاء يرفضون الصهيونية ولا يخدمون في الجيش، كما يقول وايس، مؤكدا أن أفكار الحركة لاقت انتشارا واسعا في إسرائيل وأنحاء العالم.
في المقابل، يقول إنباري إن الحركة تراجعت بشدة بعد وفاة قادتها في سبعينيات القرن الماضي، ولم يعد أحد يهتم بالحوار معها، رغم أن قادة الإسرائيل الأوائل كانوا يتعاملون معها بجد، وخصوصا ديفيد بن غوريون.
لكن وايس، يقلل من حديث إنباري بقوله إن غالبية اليهود المتدينين حول العالم يناهضون إسرائيل، وإن البعض يحاول التقليل من شأن الحركة دعما للصهيونية، مؤكدا أن السلام الحقيقي "لن يتحقق في ظل وجود إسرائيل، وإنما بعودة السيادة لأصحاب الأرض".
Published On 28/11/202528/11/2025|آخر تحديث: 22:08 (توقيت مكة)آخر تحديث: 22:08 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2شارِكْ
facebooktwitterwhatsappcopylinkحفظ
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الحرکة الصهیونیة ناطوری کارتا
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..