يوسف عوض العازمي

@alzmi1969

 

 

"وما نحن بصدده في هذا الإصدار الذي بين أيدينا هو إظهار دورهم البارز في المجال الشرعي؛ سواء في القضاء العرفي، أوفي الإمامة والخطابة، أوما يتعلق بخدمة بيوت الله". علي سعود الكليب.

*****

للبشرية حق على أهل التاريخ، في تدوين وتوثيق مجريات ما جرى، ونقل وقائع الزمان للإنسان، وقام المؤرخون منذ فترات طويلة بجهود مقدرة ومفيدة، لكن الحياة وأحداثها وحيثياتها أوسع وأكبر مجالا من كل ما كتب ووثق، ماتزال كتب التاريخ ناقصة الأحداث كنقص الإنسان، ليس كل شيء تم تأريخه، وليس كل شيء تم توثيقه، وما أكثر الأحداث التي تجاوزها التاريخ، وما أكثر الأمور التي لم تنل نصيبها المنصف في التوثيق والتدوين، هنا أتحدث عن جانب معين، وأعني به تأريخ القبائل العربية في العصر الحديث والمعاصر، وفي حيثيات لم يذكرها التاريخ، أو على الأقل همَّشها، ربما لصعوبة تأريخها وتوثيقها، وهنا يأتي دور المنصفين الباحثين الجادين الذين يأخذون على عاتقهم هذا الحمل الثقيل والصعب تدوينه وتأريخه.

وقبيلة العوازم من القبائل العريقة في دولة الكويت، ولها امتداد من المملكة العربية السعودية، وتوجد كذلك في الأردن ومصر والسودان، كعادة القبائل وتنقلها عبر التاريخ بحثا عن الرعي والكلأ، وقد قام أحد أبناء هذه القبيلة الباحث طلال سعد الرميضي (1) بجهد كبير في البحث والتأليف في ما يخص هذه القبيلة، ومن الإصدارات القيمة المفيدة إصدارة الأخير: من تاريخ الأئمة والمؤذنين في قبيلة العوازم؛ حيث صدرت الطبعة الأولى من دار ذات السلاسل في دولة الكويت، ويضم الكتاب في عدد 384 صفحة من الحجم المتوسط، وبعد فهرس الكتاب ثمة تراجم عن المطاوعة (أئمة ومؤذنين باللهجة الكويتية)، وفي باقي الصفحات توجد ملاحق عن الأئمة والمؤذنين العوازم في الأردن ومصر والسودان.

والتأريخ لمثل هذه التراجم ليس سهلًا ولا ميَسَّرًا؛ بل يعتريه طريقا صعبا بحثا عن أقل معلومة، وفي مقدمة الكتاب ذكر مؤلفه الرميضي: "ولعل أبرز الصعوبات التي واجهتها هي ندرة المصادر المطبوعة التي توثق سير حياتهم، وهذه معضلة تواجه أغلب الباحثين ممن تصدى للتأليف عن سير وتراجم الأعلام في الخليج العربي، لذا كانت الرواية الشفهية هي المصدر الأساسي في البحث لدينا، والاعتماد على جمع الأخبار من صدور الرواة، ومن أحاديث ذرية المترجم لهم للتثبت من صحة المعلومات الواردة إلينا، وكانت عملية التحقيق والتدقيق وتتبع المعلومة فيها الكثير من للبذل والجهد منا، كما تم التنقيب ما بين الوثائق القديمة والسجلات الرسمية حول هذا الموضوع، وزيارة الكثير من الأرشيفات المحلية والعالمية كالأرشيف العثماني ودار الكتب والوثائق المصرية ودارة الملك عبدالعزيز ومركز جمعة الماجد وغيرها بهدف البحث عن ما يخص رجالات قبيلة العوازم وتواريخها القديمة". انتهى الاقتباس من مقدمة الكتاب.

الكتاب قد يُصنَّف بأنه من كتب الأنساب، وهو ليس بعيدًا عنها، ولكنه يصنف أيضًا بأنه من الأبحاث التي تتيح للباحث المهتم مجالًا رحبًا لتوثيق معلومات قد لم تذكر من قبل وقد لا تذكر مستقبلًا بشأن هذا الموضوع الصعب توثيقه. وقد قرأت للدكتور عبدالعزيز الدوري: "ظهرت العناية بالأنساب، بروايتها وكتابتها، خلال القرن الأول للهجرة، وتمثلت في مرحلتها الأولى بوجود نسابين في كل قبيلة، وبوجود كتب لدى القبائل بأنسابها وأخبارها وأشعارها".(2)

وتحدث في الكتاب عن الشيخ الجليل مسيعيد بن أحمد بن مساعد البريكي، أقدم ناسخ في تاريخ الكويت؛ حيث قام بنسخ مخطوطتين عام (1682م- 1094هـ) وهما مخطوطة: الموطأ مالك بن انس، ومخطوطة كتاب: "مختصر العلامة خليل بن أسحاق بن يعقوب المالكي" المتوفى سنة 767 هجرية، وهو من علماء الكويت القدامى.

الحديث عن الكتاب القيم طويل، ولا يكفيه مقال أو تقرير، لكنه بالتأكيد إضافة مهمة للمكتبة العربية، وللمهتمين بتاريخ الأنساب والقبائل في شبه الجزيرة العربية، وأتمنى أن يقوم أبناء القبائل والعائلات بتوثيق التراجم والسبر المهمة بتاريخهم خاصة ممن لم يسلط عليها الضوء سابقا، لعدة اسباب أهمها ندرة المصادر، وصعوبة إيجاد الشهادات الشفهية، لكن بالتأكيد فأن التاريخ له حق علينا، وأجيالنا السابقة لها حق علينا، ونحن- من فضل الله- نعايش تطورات التواصل والاتصال التي تسهل الحصول على الكثير من المعلومات، باتصال هاتفي أو رسالة نصية بإمكانك التواصل مع شخص في أقصى بقع العالم، أعلم بصعوبة التوثيق، وعسر المهمة، لكن كما أسلفت لأجيالنا حق علينا، فما كان سابقًا صعبًا بسبب ظروف الحياة، أصبح الآن أسهل بكثير، وعلى الأقل ممكن جدًا الحصول على معلومات كنا نظنها في السابق مستحيلة.

******

مراجع:

طلال سعد الرميضي، كاتب كويتي، حاصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 2010 م، عن كتابه : الكويت والخليج العربي في السالنامه العثمانية. د. عبدالعزيز الدوري، أوراق في التاريخ والحضارة. أوراق في علم التأريخ. مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت) 2009م. ط. 1، ص 149. رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

طلعت رسلان.. شجاعة رفضت الخنوع وسجلت التاريخ

طلعت رسلان كان رمزا من رموز السياسة المصرية في عصره، رجل لم يترك مقعده في البرلمان مجرد كرسي يحمل اسمه، بل جعله منصة للدفاع عن حقوق المواطنين والمواطنات، صوتا صارخا لكل من شعر بأن صوته يخنق. 

ولد رسلان في عام 1929، وانخرط في الحياة السياسية منذ نعومة أظافره، حتى أصبح عضوا في مجلس الشعب المصري عن دائرة الزقازيق مركز أول من عام 1980 وحتى 1995، وكان الأمين العامل لحزب الوفد في محافظة الشرقية، وهو حزب ارتبط اسمه بتاريخ طويل من الدفاع عن قضايا الناس والمجتمع.

ما يميز طلعت رسلان ليس فقط نشاطه البرلماني أو موقعه في الحزب، بل روحه الثائرة، وجرأته في مواجهة ما يراه ظلما أو تجاوزا، فقد اشتهر بمواقفه الحاسمة داخل قبة البرلمان، وكان دائما صوتا للمواطنين الذين لا يجدون من يمثلهم. تلك الجرأة التي جعلته يقوم بموقف لن ينساه التاريخ السياسي المصري، موقف جسد فيه التزامه العميق بمبادئه ومسؤوليته تجاه الناس.

كانت الواقعة الشهيرة مع الوزير زكي بدر لحظة مفصلية تعكس شخصية طلعت رسلان بكل وضوح، غادر رسلان مقعده في البرلمان في انفعال لم يسبق له مثيل، واتجه إلى الوزير ممسكا بكتفه الأيسر، وقال له بصوت مليء بالغضب «كفاية كده.. اخرس يا»، وجذب الوزير بشدة، في مشهد مباشر أمام الشعب المصري على شاشات التلفزيون. 

لم يكن هذا مجرد تصرف اندفاعي، بل كان تعبيرا صادقا عن رفضه للسياسات التي كان يراها غير عادلة، عن سعيه للدفاع عن حقوق المواطنين الذين يمثلهم. 

وفي حين حاول الوزير الرد بالصفع والشتيمة، كانت هذه اللحظة شاهدة على شجاعة رسلان وجرأته الفريدة، والتي لم تشهد مصر مثلها من قبل على هذا المستوى.

ولم يقتصر دور طلعت رسلان على هذه الواقعة فقط، بل كان له نشاط واسع داخل البرلمان وخارجه، دائم السعي للدفاع عن حقوق المواطنين ومتابعة القضايا التي تمس حياتهم اليومية. 

لم يكن مجرد سياسي يسعى للمناصب أو المكاسب الشخصية، بل كان رجلا يحمل هموم مجتمعه، يرفع صوته لكل مظلوم، ويقف أمام كل من يحاول تهميش المواطنين. 

هذه الروح الوطنية العميقة جعلت منه شخصية استثنائية، فقد جمع بين الحزم والإنسانية، بين الجدية في أداء الواجب ودفء القلب تجاه الناس.

طلعت رسلان لم يكن يهاب السلطة، ولم يكن يخاف من مواجهة الخطر، وهذا ما جعله محل احترام زملائه وأصدقائه، حتى من الذين لم يتفقوا معه دائما. 

لقد كان نموذجا للسياسي الوطني الذي يرى أن دوره ليس فقط في تمرير القوانين، بل في حماية المجتمع من أي تجاوز أو ظلم، وفي إيصال صوت الناس إلى صناع القرار بكل وضوح وصراحة.

وبالرغم من الأحداث المثيرة للجدل، فإن إرث رسلان السياسي يظل باقيا، ليس فقط في صفحات التاريخ، بل في وجدان الناس الذين تذكروا دائما وقوفه بجانبهم، وحرصه على أن يكون صوتهم مسموعا. 

وقد استمر تأثيره حتى بعد انتهاء عضويته في البرلمان، فقد ترك أثرا لا يمحى في الحياة السياسية والحزبية في مصر، ومازالت مواقفه وشجاعته مصدر إلهام للكثير من الشباب السياسيين الذين يسعون للتمسك بالقيم والمبادئ رغم كل الضغوط والتحديات.

رحيل طلعت رسلان في 29 يونيو 1998 لم يكن نهاية لروحه، بل بداية لتراث سياسي ووطنية صادقة ستظل تذكرها الأجيال القادمة، فقد علمنا أنه يمكن للسياسي أن يكون جريئا دون أن يفقد إنسانيته، أن يكون صريحا دون أن يتخلى عن احترام الناس، وأن يكون محبا لوطنه دون أن يضيع في الأطر التقليدية للمناصب والبيروقراطية، رسلان كان مثالا حقيقيا للسياسي الذي يحمل هم وطنه في قلبه، ويعيش حياته كلها دفاعا عن مبادئه وعن الناس الذين يمثلهم.

في النهاية، طلعت رسلان ليس مجرد اسم في سجل التاريخ، بل هو مثال حي على أن السياسة يمكن أن تكون حقيقية، يمكن أن تكون إنسانية، ويمكن أن تكون مليئة بالشجاعة والمبادئ. 

ورغم مرور سنوات طويلة على رحيله، فإن ذكره ومواقفه ما زالت تلهم كل من يريد أن يرى وطنه في أفضل صورة، وتذكرنا جميعا بأن الالتزام بالحق والعدالة والشجاعة في مواجهة الظلم هي ما يصنع الفرق الحقيقي في حياة الشعوب.

مقالات مشابهة

  • هيئة الكتاب تتعاقد مع أسرة الراحل الدكتور شكري عيّاد لإصدار مؤلفاته في طبعات جديدة
  • «هيئة الكتاب» تتعاقد مع أسرة الراحل د. شكري عيّاد لإصدار مؤلفاته في طبعات جديدة
  • على خطى الثوار.. معركة الأيام الـ12 التي أعادت كتابة تاريخ سوريا
  • السفارة الأميركية في بيروت تقفل أبوابها حتى هذا التاريخ!
  • طلعت رسلان.. شجاعة رفضت الخنوع وسجلت التاريخ
  • هيئة الكتاب تصدر «صفحة من التاريخ الاجتماعي لمصر» لـ راندا فيصل
  • الصين تطلق «الكتاب الأبيض» للمجالات الجديدة!
  • «الشؤون الإسلامية» تكرِّم الدفعة الثانية من الأئمة والخطباء الإندونيسيين
  • 12 ساعة دراسة يوميًا| «السيسي» يضع خريطة جديدة لتأهيل الأئمة: استنارة حقيقية وتكوين عقل جامع |فيديو