تصعيد بن حبريش بحضرموت.. تحدٍّ جديد لخطة الإصلاحات الاقتصادية
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
وسط ضجيج التصعيد السياسي والعسكري في حضرموت، يغيب عن النقاش العام تأثير هذا التصعيد وانعكاس نتائجه على مسار تنفيذ خطة الإصلاحات الاقتصادية للحكومة.
وتعيش المحافظة منذ أشهر أزمة سياسية غير مسبوقة بسبب الصراع المستفحل بين السلطة المحلية ومعها أطراف وقوى سياسية، على رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، وبين الوكيل والشيخ القبلي البارز عمرو بن حبريش الذي يقود مجاميع قبلية مسلحة في مناطق الهضبة الحضرمية.
ورغم أن اللافتة التي يدور تحتها هذا الصراع هي "مطالب أبناء حضرموت" وادعاء تمثيل هذه المطالب، إلا أن الصراع الحقيقي يدور حول منابع النفط وعائدات تكريره من قبل شركة بترومسيلة، التي تدير أكبر حقول النفط بالمحافظة وفي اليمن إجمالاً.
وتبيّن ذلك بوضوح مع تفجر الأحداث في المحافظة أمس (السبت)، بقيام القوات التي يقودها بن حبريش، والتي يطلق عليها "قوات حماية حضرموت" والتابعة لحلف قبائل حضرموت، بالسيطرة على منشآت وحقول نفط المسيلة وطرد القوات التابعة للمنطقة العسكرية الثانية.
وبرر الحلف في بيان مقتضب على حسابه في منصة فيسبوك هذه الخطوة بأنها جاءت "لغرض تعزيز الأمن فيها والدفاع عن الثروات الوطنية من أي اعتداء أو تدخل خارجي، باعتبارها ثروة شعب وتحت غطاء الدولة الشرعية الرسمية".
وتشغّل بترومسيلة أربعة حقول نفط بمحافظة حضرموت بقدرة إنتاجية تصل إلى 40 ألف برميل يومياً، وهو ما يمثل نحو ثلثي الإنتاج قبل توقف عملية تصدير النفط جراء هجمات مليشيا الحوثي الإرهابية في نوفمبر 2022.
ورغم توقف تصدير النفط، إلا أن الشركة تمتلك مصافي تكرير محلية لإنتاج مادتي الديزل والمازوت، من دون أن تفصح إدارتها عن حجم الإنتاج الحقيقي. يتم تخصيص جزء منه لتشغيل محطات الكهرباء في الساحل والوادي، فيما يتم بيع الباقي بسعر أقل من سعر المستورد.
وفي ظل غياب رسمي لحجم الإنتاج ومصير العائدات، تشير تقديرات إلى أن الإنتاج يتراوح ما بين مليون إلى مليونَيْ لتر يومياً من مادة الديزل وحدها. ومثل هذا الغموض في ملف المشتقات النفطية لبترومسيلة هو السبب الحقيقي وراء صراع بن حبريش والسلطة المحلية طيلة الأشهر الماضية.
ورغم كون بترومسيلة شركة حكومية، إلا أنها ترفض تزويد المؤسسات الحكومية المسؤولة عنها بتقارير الإنتاج والعائدات، كما كشفته تقارير برلمانية وحكومية سابقة. وينطبق الأمر ذاته على شركة صافر في مأرب، التي تسيطر على إنتاج مادة الغاز المنزلي إلى جانب مشتقات نفطية من المصفاة التابعة لها.
ولهذا نص قرار مجلس القيادة الرئاسي الخاص بتنفيذ خطة الإصلاحات الاقتصادية على إلزام الشركتين بتسليم كامل إنتاجهما من المشتقات النفطية إلى شركة النفط اليمنية، لتتولى وحدها مسؤولية تسويقها عبر فروعها وتوريد كافة الإيرادات إلى حساب الحكومة في البنك المركزي اليمني.
وهو ما يجعل من التصعيد الذي يقوده بن حبريش، واستهدف اليوم مقر شركة بترومسيلة ومنشآت وحقول نفط المسيلة، تحدياً قوياً أمام مسار تنفيذ خطة الإصلاحات الاقتصادية، بل إنه قد يوفر ذريعة لجهات أخرى ما تزال تماطل في توريد الإيرادات المركزية إلى حسابات الحكومة في البنك المركزي.
المصدر
المصدر: نيوزيمن
كلمات دلالية: الإصلاحات الاقتصادیة بن حبریش
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..