جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@00:04:43 GMT

المهارات التي لا تفصح عنها الشهادة

تاريخ النشر: 3rd, December 2025 GMT

المهارات التي لا تفصح عنها الشهادة

 

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في مؤسساتنا الحكومية نرى كل يوم مواقف بسيطة تكشف حقيقة أعمق مما تبدو عليه: النجاح في الوظيفة لا يصنعه حفظ اللوائح، ولا يتحقق بمجرد إتقان البرامج والأنظمة. فالنجاح الحقيقي يبدأ من قدرة الموظف على التواصل مع الآخرين، وشرح المعلومة بطريقة واضحة، وبناء علاقة عمل يسودها الاحترام والثقة.

ومنذ الأيام الأولى في الميدان، يكتشف الموظف أنَّ كثيرًا من المواقف لا تحتكم للكتب ولا للتعليم النظري؛ بل تحتاج إلى مهارات إنسانية لا تُدرّس في القاعات الجامعية، وإنما تُصقل بالممارسة والتجربة والتفاعل اليومي مع الناس.

ورغم أن الجامعات تخرّج كل عام آلاف المتخصصين، إلا أن معظم مناهجها تبقى منصبّة على الجانب الأكاديمي أكثر من المهارات العملية التي يواجهها الموظف في الميدان. فالطالب قد يبرع في تخصصه، لكنه عندما يقف أمام جمهور أو يدخل اجتماعًا رسميًا، يكتشف أنه بحاجة إلى لغة أكثر سلاسة، وإلى قدرة حقيقية على الإصغاء، وإلى مهارة في إدارة الحوار بثقة. ومن هنا تبدأ أولى الفجوات بين معرفةٍ تُبنى داخل القاعات، ووظيفةٍ تتعامل يوميًا مع الناس وتحتاج إلى أدوات مختلفة تمامًا.

ويتسع أثر هذه الفجوة في تفاصيل العمل اليومي؛ فمشروع قد يتعثر بسبب ضعف التفاوض، ومعلومة بسيطة قد تُفهم على نحو خاطئ لأن الرسالة لم تُصغ بدقة، وفكرة واعدة قد تختفي لأنها لم تُعرض بثقة. وعندها يتضح أن غياب المهارات الناعمة لا يقتصر على أداء الموظف نفسه؛ بل يمتد إلى المؤسسة بأكملها، ويترك أثره على صورتها وجودة خدماتها وقدرتها على التواصل مع المجتمع.

وتبرز المشكلة بشكل أوضح عند المقارنة بين ما يقدمه التعليم وما يفرضه واقع العمل؛ فالتخصص الأكاديمي يزوّد الطالب بأساسيات لا غنى عنها، لكنه لا يكفي وحده لإعداد موظف قادر على التعامل مع التعقيد الإنساني في بيئات العمل الحكومية. فالتواصل، وإدارة الوقت، والعمل ضمن فرق متنوعة، والتعامل مع المواقف الصعبة؛ كلها مهارات لا يمتحن فيها الطالب، لكنها هي التي تُحدد في النهاية قدرته على النجاح والتأثير في موقعه.

ومع تغيّر طبيعة العمل الحكومي، لم تعد المهارات الناعمة عنصرًا ثانويًا؛ بل أصبحت جزءًا أصيلًا من وظيفة الموظف. فقد تحولت المؤسسات اليوم إلى بيئات تفاعلية تتطلب التعاون بين الفرق، وصنع القرار المشترك، وإقناع أطراف متعددة، والتواصل الذكي مع المجتمع. ومن دون امتلاك هذه المهارات، يصبح من الصعب تقديم خدمة حكومية تتسم بالكفاءة والوضوح، وتراعي وقت المستفيد واحتياجاته وتوقعاته.

وهنا تبرز مسؤولية المؤسسة الحكومية، لا الموظف وحده؛ فالمؤسسة التي توفّر تدريبًا عمليًا حقيقيًا- في العرض والإلقاء، وفي التعامل مع الجمهور، وفي كتابة الرسائل المهنية، وفي إدارة الاجتماعات- تصنع موظفًا أكثر ثقة وقدرة، وتقلل من الأخطاء التي يسببها ضعف التواصل، وتُسهم في بناء بيئة عمل أكثر انسجامًا وإنتاجًا. فحين تُعطى هذه المهارات حقّها من التدريب، تتحسن الخدمات، وتزداد كفاءة المؤسسة، ويشعر الموظف أنه قادر على مواجهة مواقف العمل بثبات ووعي.

وهذا التوجه ينسجم تمامًا مع رؤية «عُمان 2040» التي وضعت تطوير الإنسان في قلب عملية البناء الوطني. فالرؤية تدرك أن تحديث المؤسسات لا يتحقق بالأنظمة وحدها؛ بل بوجود موظف قادر على التواصل الفعّال، وعلى فهم احتياجات المجتمع، وعلى التعامل مع تحديات العمل بروح إيجابية وشراكة واعية. ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في المهارات الناعمة خطوة محورية لتعزيز جاهزية الجهاز الحكومي للمستقبل، وضمان أن تكون الخدمة العامة أكثر قربًا من الناس وأكثر قدرة على الاستجابة لتغيرات الواقع.

وفي النهاية، إنَّ الموظف الحكومي لا يُقاس بما يحفظه فقط؛ بل بما يستطيع تحقيقه على أرض الواقع. فالمهارات الناعمة ليست ترفًا وظيفيًا؛ بل هي الجسر الذي يعبر من خلاله الموظف من المعرفة إلى التأثير، ومن الفكرة إلى التطبيق، ومن الدور الإداري إلى الدور الإنساني. ومع الاهتمام الجاد بتطوير هذه المهارات، نصنع بيئات عمل أكثر نضجًا، وخدمة حكومية أقرب للناس، وجيلًا قادرًا على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وكفاءة.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية

يمن مونيتور/ رصد خاص

كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.

ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.

وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.

وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.

ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.

كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.

ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.

وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟

مقالات مشابهة

  • محمد مهدي: مجلس إدارة الزمالك مش قادر يواجه الجماهير.. وفشل في جميع الملفات
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • أخبار الوادي الجديد: وقف العمل بمنظومة البصمة خلال الامتحانات.. والانتهاء من تجهيز 124 لجنة لاستقبال طلاب الشهادة الإعدادية
  • مجدي عبد العاطي: منتخب مصر قادر على تجاوز دور المجموعات في المونديال
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • مصر وإيطاليا تطلقان أول منتدى للتعليم التقني لدول البحر المتوسط.. شراكات دولية لمهارات المستقبل
  • مستشفيات الدقهلية تقدم أكثر من 41 ألف خدمة طبية وتُجري 134 عملية جراحية خلال عيد الأضحى
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش