بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير [email protected] ختمت البروفيسور آمال قرامي تقديمها للطبعة الثانية التي ستصدر قريباً من كتاب: الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف، قائلة: “يصدر المُؤلَف في فترة حرجة من تاريخ السودان استشرى فيها العنف وتفتت فيه النسيج الاجتماعي، وكثرت فيها الخيبات والمآسي وبرزت فيها علامات التراجع عن أهداف الثورة السودانية.
فهل يكون هذا المُؤلَف ملاذ الحائرين/ات والباحثين عن فهم أسباب ما يجري؟” البروفيسور آمال قرامي أستاذة الفكر الإسلامي والدراسات الجندرية بالجامعة التونسية، تونس رئيس
مجلس السيادة، إسماعيل
الأزهري وإعلان الجهل كشف الشيخ عبد الماجد أبو قصيصة، قاضي قضاة السودان، عن مخاطبته لرئيس مجلس السيادة وأعضاء المجلس للتدخل لمنع محاضرة محمود محمد طه الموسومة بـ: “الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين”، كما ورد آنفاً. ويتسق ذلك مع ما نشرته صحيفة الرأي العام، في يوم 13 نوفمبر 1968 من أن السيد اسماعيل الأزهري “أصدر أمراً بمنع تقديم الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري، محاضرة بمعهد المعلمين العالي دعت لها الجبهة الاشتراكية الديمقراطية، وكان عنوانها (الإسلام برسالته الأولي لا يصلح لإنسانية القرن العشرين) على أساس أنها يمكن أن تستفز مشاعر بعض المواطنين. ثم ما لبث أن قام القصر الجمهوري بنفي الخبر. بينما لم يتم نفي مخاطبة قاضي القضاة لرئيس مجلس السيادة، وهي مخاطبة كانت بنسخة إلى وزارة التربية والتعليم ونسخة إلى سلطات الأمن، وقد نشرت الوزارة بياناً أكدت فيه ذلك. هذه المغالطات، وقد فصلناها في كتبا، والتي كان طرفها قاضي القضاة والقضاة الشرعيين والقصر الجمهوري ووزارة التربية والتعليم وصحيفة الرأي العام، لا تؤكد على تورط السيد رئيس مجلس السيادة، إلا أنها تفيد، مقرونة بمواقف عضوين آخرين في مجلس السيادة، سترد الإشارة إليهما، بأن هناك جلبة حدثت في مجلس السيادة، بشأن المحاضرة وبشأن محكمة الردة، وكان
القضاء الشرعي من وراء كل ذلك، وقد ظل يجد السند والدعم القوي من رئيس مجلس السيادة وبعض الأعضاء فيه. وحتى يتم استجلاء موقف السيد رئيس مجلس السيادة، نطرح السؤال التالي: ما هو موقف السيد إسماعيل الأزهري، رئيس مجلس السيادة من القضاء الشرعي؟ لقد عبَّر السيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة عن موقفه من القضاء الشرعي، في الخطاب العام الذي ألقاه يوم الاثين 23 ديسمبر 1968، ونشرته الصحف تحت عنوان: “نص خطاب الرئيس أزهري: ستكون الكلمة العليا للقضاة الشرعيين في هذا البلد”. جاء خطاب الأزهري بعد 33 يوماً من إعلان محكمة الردة لحكمها على محمود محمد طه، وفي وقت كانت الصحف تضج بالمقالات والمساجلات عن محكمة الردة وعن المواجهة بين محمود محمد طه والقضاة الشرعيين. فقد كانت المواجهة في أوجها وكان محمود محمد طه وأعضاء الحزب الجمهوري يصدرون البيانات المتتالية، والتي وصفت القضاة الشرعيين بأنهم أذل، وأخسأ، من أن يطمعوا في محمود محمد طه، وأنهم بإعلانهم ردته عن الإسلام ما أعلنوا به غير جهلهم الشنيع بالإسلام. وقد خاطبهم محمود محمد طه، قائلاً: “هل تريدون الحق، أيها القضاة الشرعيون؟ إذن فاسمعوا!! إنكم آخر من يتحدث عن الإسلام فقد أفنيتم شبابكم في التمسح بأعتاب السلطة، من الحكام الإنجليز، والحكام العسكريين، فأريحوا الإسلام، وأريحوا الناس من هذه الغثاثة”. كما دعا محمود محمد طه وأعضاء الحزب الجمهوي بتصفية المحاكم الشرعية (للاطلاع على بيانات أعضاء الحزب الجمهوري. في هذا الجو المشحون بالمواجهة مع القضاة الشرعيين، خرج الرئيس الأزهري بخطابه مناصراً فيه القضاء الشرعي ورجال القضاء، وهو خطاب بمثابة إعلان موقف من محكمة الردة ومن مواجهة محمود محمد طه والحزب الجمهوري للقضاة الشرعيين. أوضح الأزهري في خطابه بأنهم قد نجحوا في خطوات أولى أن يساووا بين القضائين، الشرعي والمدني في السودان، ثم أضاف، قائلاً: إني اتحدث إليكم وإلى المستمعين جميعاً وفي حضرة صاحب الفضيلة قاضي قضاة السودان الشيخ أبوقصيصة، إن القضاء الشرعي الآن يحتل في رأيي مكاناً مناسباً وإني اعدكم بأن أعمل جاهداً إذا مد الله في أيامي ليعتلي القضاء الشرعي فوق القضاء المدني، ولتكون الكلمة في هذا البلد للقضاء الشرعي ولرجال القضاء الشرعي”. وأردف مبيناً أهمية هذه الخطوة، قائلاً: “حتى يتمكن الحاكمون المنفذون لكلمة القضاء الشرعي من أن يهتدوا ويسترشدوا بكلمة القضاة الشرعيين إن شاء الله وهذه الخطوة أساسية توصلنا ليسود حكم الإسلام في هذه البلاد”. ثم أضاف، قائلاً: “نسأل الله سبحانه وتعإلى الذي وضع في أذهاننا ووجهنا هذه الوجهة الحبيبة الإتجاه نحو الإسلام وعلى رأس أعمالها الدستور الإسلامي صياغة وتقريراً يصاغ ويقرر ثم يطبق”. هنا لابد من الإشارة إلى ما أبداه الأزهري في خطابه عن حماسته إلى الدستور الإسلامي، وهو الأمر الذي ناهضه محمود محمد طه، ووسمه بالدستور الإسلامي المزيف. وقد أذاع في سبيل مناهضته العديد من البيانات وأقام الكثير من المحاضرات، كما نشر الكتب. هذا في الوقت الذي أعلنت الأحزاب الطائفية وجبهة الميثاق (الإخوان المسلمون)، تأييدهم للدستور الإسلامي المزيف، وتحمسوا له جميعاً، وها هو إسماعيل الأزهري، رئيس مجلس السيادة، يكشف في خطابه عن تلك الحماسة. ولا يسع المجال الآن لمناقشة موضوع الدستور الإسلامي. كشف خطاب الأزهري عن موقفه من القضاء الشرعي، ففي الوقت الذي كان فيه محمود محمد طه في مواجهة القضاة الشرعيين، أعلن الأزهري عن وعده وحرصه على جعل الكلمة العليا في البلاد للقضاء الشرعي ولرجال القضاء الشرعي. الأمر الذي يبين إلى أي مدى كان الأزهري داعماً ومسانداً للقضاء الشرعي ولرجال القضاء الشرعي. لقد أصدر محمود محمد طه بياناً، رداً على خطاب الأزهري، وصف فيه الخطاب بأنه إعلان للجهل، وهو خطاب “تحتوشه الأخطاء من جميع أقطاره وتجري في جميع عباراته”. وقال بأن خطاب الأزهري يدق ناقوس الخطر، وهو “خير دليل على مبلغ الجهل الذي يتمتع به من يوجهون مصير هذا البلد المنكوب”. كما دعا المثقفين لليقظة لما احتواه خطاب الأزهري من جهل ووعد بجعل الكلمة العليا في البلاد للقضاة الشرعيين، ودعوة للدستور الإسلامي. أنذر محمود محمد طه وحذر المثقفين من الخطاب وجدد قوله “إن هناك أمراً يدبر باسم الدين باسم الدستور الإسلامي- إن هناك جهلاً وتخلفاً. وموت وجدان يريد أن يلبس أمام أعين الشعب المؤمن قداسة الدين”. كما تحدث في محاضرة عامة، فذكر بأن خطاب السيد إسماعيل الأزهري يمثل نقطة الجدل والنقاش والأزمة، في التعليقات المختلفة في الصحف، وهي نقطة تصلح لتمثل القمة الجاهلة التي توجه مصير السودان، ولا يمكنك أن تنتظر من الجهل أن يصلح. فالإصلاح ليس مجرد حسن نية، فحسن النية وحده لا يكفي، مع أنه حسن النية أصبحنا لا نراه. لكن حتى الحاكم الجاهل الحسن النية لا يمكن أن يصلح. فالذي يصلح هو الحاكم الحسن النية، العارف، لأنه الإصلاح يقتضي عمل إيجابي في الفهم. نفق هنا، ونتابع في الحلقة الرابعة موقف الأزهري، وكذلك نتناول مواقف أعضاء مجلس السيادة: السيد الفاضل البشرى المهدي، والسيد خضر حمد، إلى جانب مؤامرات القضاة. نلتقي في الحلقة الرابعة. الوسومعبد الله الفكي البشير
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية:
عبد الله الفكي البشير
رئیس مجلس السیادة
الدستور الإسلامی
إسماعیل الأزهری
الحزب الجمهوری
القضاء الشرعی
محمود محمد طه
خطاب الأزهری
إقرأ أيضاً:
الشيخ المنشاوى يتصدر تريند إكس بعد إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديد
واصل اسم الشيخ المنشاوى الصعود على موقع إكس عقب إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديدة للقارئ الشيخ محمد صديق المنشاوي.

الشيخ محمد صديق المنشاوي

لأول مرة.. إذاعة القرآن الكريم تذيع المصحف المرتل النادر للشيخ المنشاوي
وكانت إذاعة القرآن الكريم، من القاهرة قد بدأت الإثنين بث ختمة مرتلة جديدة تعود إلى ستينيات القرن العشرين لفضيلة القارئ الشيخ محمد صديق المنشاوى.
ومن جانبه أشاد الكاتب أحمد المسلمانى رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بالجهود التى تبذلها إذاعة القرآن الكريم ووجه الشكر لأسرة القارئ الكبير على دعمها المستمر لإذاعة القرآن الكريم.
وقال إسماعيل دويدار رئيس شبكة القرآن الكريم: تأتى ختمة الشيخ المنشاوى الجديدة فى إطار سعى إذاعة القرآن الكريم لإثراء الهواء بالجواهر الخالدة، والكشف عن جوانب مهنية وإنسانية عز أن تتكرر، وفى مفاجأة لجمهور مستمعى إذاعة القرآن الكريم تهدى الهيئة الوطنية للإعلام وإذاعة القرآن الكريم مصحفا مرتلاً جديداً لم يذع من قبل، بصوت أحد أعلام القراء من جيلها الذهبى فضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوى.

الشيخ محمد صديق المنشاوي
وإذ تكشف إذاعة القرآن الكريم عن التسجيل النادر فإنها لا تعلن فقط عن متعة سمعية وروحية بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوى، وإنما تفصح أيضاً عن درس إنسانى ودينى ومهنى لفضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوى، فوراء هذا التسجيل النادر رؤية وإخلاص وسعى للكمال فقد قام فضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوى بتسجيل المصحف كاملاً برواية حفص عن عاصم عام 1965 بإجازة لجنة مكونة من: الدكتور محمد عبد الله ماضى رئيساً، والشيخ سانوسى احمد يوسف عضواً، والشيخ إبراهيم على شحاتة عضواً، والشيخ عامر السيد عثمان عضواً، والشيخ محمود برانق عضواًالشيخ محمد سليمان صالح عضواً، والمهندس فاروق عامر. ولأن الشيخ الجليل كان دائم السعى للجودة والإتقان.. فبعد أن استمع إلى الختمة المسجلة على اثنين وثمانين شريطاً قرر إعادة اثنين وثلاثين شريطاً منها، من أجل المزيد من الدقة، فتقدم بطلب للإذاعة وقام بالتسجيل واستمعت اللجنة له وأجازته وأشادت به. وكان ذلك فى عام 1967. وأضاف دويدار: منذ ذلك التاريخ لم تذع هذه التسجيلات، إلى أن بدأت إذاعة القرآن الكريم إذاعتها اعتباراً من اليوم.
السيرة الذاتية للشيخ محمد صديق المنشاوي
مولده ونشأته:
ولد القارئ محمد صديق المنشاوي في الـ 20 من يناير عام 1920 بقرية البواريك بمدينة المنشأة التابعة لمحافظة سوهاج، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو في الثامنة من عمره؛ إذ نشأ في أسرة قرآنية عريقة توارثت تلاوة القرآن، فأبوه الشيخ صديق المنشاوي وجده تايب المنشاوي وجد والده كلهم قُراء للقرآن، وفي أسرته الكثير ممن يحفظون القرآن ويجيدون تلاوته منهم شقيقه محمود صديق المنشاوي، فتأثر بوالده الذي تعلم منه فن قراءة القرآن الكريم، فأصبحت هذه العائلة رائدة لمدرسة جميلة منفردة بذاتها في تلاوة القرآن.

في عام 1927 رحل إلى القاهرة مع عمه القارئ الشيخ أحمد السيد فحفظ هناك ربع القرآن، ثم عاد إلى بلدته المنشاة وأتم حفظ القرآن ودراسته على مشايخ مثل محمد النمكي ومحمد أبو العلا ورشوان أبو مسلم الذي كان لا يتقاضى أجرًا على التعليم.
بدأت رحلة الشيخ محمد صديق المنشاوي مع التلاوة بتجواله مع أبيه وعمه بين السهرات المختلفة، وفي عام 1952 سنحت له الفرصة أن يقرأ منفردًا في ليلة بمحافظة سوهاج، ومن هنا صار اسمه مترددًا في الأنحاء.

سجل المنشاوي القرآن الكريم كاملًا في ختمة مرتلة، كما سجل ختمة قرآنية مجودة بالإذاعة المصرية، وله كذلك قراءة مشتركة برواية الدوري مع القارئين كامل البهتيمي وفؤاد العروسي، وله أيضًا العديد من التسجيلات في المسجد الأقصى والكويت وسوريا وليبيا وتلا القرآن في المساجد الرئيسية في العالم الإسلامي كالمسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأقصى في القدس، وزار عددًا من الدول الإسلامية كالعراق وإندونيسيا وسوريا والكويت وليبيا وفلسطين والمملكة العربية السعودية
.عميد مملكة التلاوة:
سيطر الشيخ محمد صديق المنشاوى على مملكة تلاوة القرآن الكريم في مصر والعالم العربي، وذاع صيته ولقي قبولًا حسنًا لعذوبة صوته وجماله وانفراده بذلك، إضافة إلى إتقانه لمقامات القراءة، وتأثره العميق بالمعاني والألفاظ القرآنية.
المنشاوي والشعراوي:
وقال عنه إمام الدعاة الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي: إنه ورفاقه الأربعة مقرئون؛ الآخرون يركبون مركبًا ويبحرون في بحر القرآن الكريم، ولن يتوقف هذا المركب عن الإبحار حتى يرث الله -سبحانه وتعالى- الأرض ومن عليها.
التكريمات والجوائز :
حصل الشيخ المنشاوي على أوسمة عدة من دول مختلفة، كإندونيسيا وسوريا ولبنان وباكستان، وكان على رأس قراء مصر في حقبة الخمسينيات مع القراء أمثال الشيخ عبد الباسط عبد الصمد وغيرهم من القراء وما زالوا إلى يومنا هذا على رأس القراء لما كان عندهم من رونق في صوتهم جعلهم يحرزون المراتب الأولى بين القراء.
وقال عنه إمام الدعاة الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي: إنه ورفاقه الأربعة مقرئون؛ الآخرون يركبون مركبًا ويبحرون في بحر القرآن الكريم، ولن يتوقف هذا المركب عن الإبحار حتى يرث الله -سبحانه وتعالى- الأرض ومن عليها.
وفاته:
في عام 1966 أصيب الشيخ محمد صديق المنشاوي بمرض دوالي المريء ورغم مرضه ظل يقرأ القرآن حتى رحل عن الدنيا في يوم الجمعة 5 ربيع الثاني 1389 هـ، الموافق 20 يونيو 1969م تاركًا خلفه إرثًا خالدًا من الخشوع والإتقان، لا يزال يُلهب القلوب ويُبكي العيون حتى يومنا هذا عبر أثير إذاعة القرآن الكريم والإذاعات المختلفة.





