تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي

الذكرى 57 لمحكمة الردة الأولى وتشكيل التحالف الديني العريض ضد الفهم الجديد للإسلام (4-11)

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير

ختمت البروفيسور آمال قرامي تقديمها للطبعة الثانية التي ستصدر قريباً من كتاب: الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف، قائلة:

“يصدر المُؤلَف في فترة حرجة من تاريخ السودان استشرى فيها العنف وتفتت فيه النسيج الاجتماعي، وكثرت فيها الخيبات والمآسي وبرزت فيها علامات التراجع عن أهداف الثورة السودانية.

فهل يكون هذا المُؤلَف ملاذ الحائرين/ات والباحثين عن فهم أسباب ما يجري؟”

البروفيسور آمال قرامي

أستاذة الفكر الإسلامي والدراسات الجندرية بالجامعة التونسية، تونس

رئيس مجلس السيادة، إسماعيل الأزهري وإعلان الجهل

نتابع الحديث عن خطاب السيد إسماعيل الأزهري، رئيس مجلس السيادة في السودان. لقد عبَّر السيد الأزهري عن موقفه من القضاء الشرعي، في الخطاب العام الذي ألقاه يوم الاثنين 23 ديسمبر 1968، ونشرته الصحف تحت عنوان: “نص خطاب الرئيس أزهري: ستكون الكلمة العليا للقضاة الشرعيين في هذا البلد”.

لقد غذى خطاب الأزهري مناخ الإرهاب وتخويف المعارضين للقضاء الشرعي وللقضاة الشرعيين ولرجال الدين وللدستور الإسلامي. فقد أورد محمود محمد طه حديث محمد صالح عمر عن خطاب الأزهري، وأعتبر في حديثه تخويف وإرهاب للمعارضين. قال محمد صالح عمر: “إن كلام السيد إسماعيل الأزهري كلام صحيح في جوهره، ونحن نؤيده، ونرجو صادقين أن يتحقق، وأنه الإسلام لا يعرف محاكم مدنية ولا همجية أو شرعية، وأخرى غير شرعية. ونحن نتعجب هل هي حملة ضد رئيس مجلس السيادة، أم أنها جزء من الحملات المسعورة ضد الإسلام”. علَّق محمود محمد طه، قائلاً هذا هو الإرهاب والتخويف، فعبارة “جزء من الحملات المسعورة ضد الإسلام” تخيف المعارضين والأذكياء من المثقفين. فكأن مهاجمة القضاء الشرعي، والقضاة الشرعيين تعني مهاجمة الإسلام، وكأن القضاة الشرعيين والإسلام شىء واحد، “إن هاجمت القضاة الشرعيين، هاجمت الإسلام”. وأضاف محمود محمد طه، قائلاً: هذا هو الإرهاب الذي يجوز على كثير من المثقفين، وكثير من الأذكياء. لكن، يجب التمييز بين رجال الدين والدين، والأمر الصحيح هو أن “القضاة الشرعيين ضد الإسلام، وأن من يسمون برجال الدين، عاشوا على الدين طول المدى، لم يعيشوا  له ولم ينصروه في أي وقت بل شوهوه في أذهان الناس.

أثناء حديثه عن مناخ الإرهاب والتخويف، أشار محمود محمد طه لمواقف المثقفين الأذكياء من خطاب الأزهري، وقال بأنهم “علقوا وخافوا”. فاستشهد بمواقف اثنين من المثقفين، قائلاً: “أنا شديد الإحترام لرجلين من [ناسنا]، بابكر عوض الله وعبدالخالق [محجوب]” ، لكن بابكر عوض الله، مثلاً، قال: “قد جاء حديث الرئيس أزهري أبعد ما يكون من الذكاء والفطنة وبعد النظر. ولم يحالفه التوفيق قط فيما قال”. لكنه عندما جاء لمواجهة الدستور الإسلامي والدعوة للإسلام، فإن هجومه، كما يقول محمود محمد طه لم يستمر، بل “ماع”، فقد قال بابكر عوض الله: “ونحن نعتبر ما قاله حركة انصرافية لشغل الناس عن مشاكل البلاد الأساسية”. رفض محمود محمد طه قول بابكر عوض الله بأن مسألة الأزهري مسألة انصرافية، وقال إذا أخذنا المسألة انصرافية، كما قال بابكر عوض الله، فكأنه يجب علينا أن نهملها، لكن المسألة في الحقيقة أساسية، فهي تأتي بالجهالة باسم الدستور الإسلامي، ولذلك فإن خطورتها كبيرة. ثم أضاف، قائلاً: بنفس قدر تورط عبدالخالق محجوب حينما اعتبر مسألة الدعوة للدستور الإسلامي عند الأزهري، مسألة انصرافية. خلص محمود محمد طه، قائلاً: “أنا أفتكر أن الإرهاب وعدم المعرفة بالإسلام، هو الذي ساق هذين الرجلين المثقفين الشجعان، إلى تمييع هجمومهم على موقف السيد إسماعيل الأزهري”.

أيضاً، لم يكن الرئيس الأزهري بعيداً عن مؤامرات القضاة الشرعية ورجال الدين من أجل محكمة الردة، إلى جانب موقفه من محاضرة محمود محمد طه، وسعيه لجعل الكلمة العليا في البلاد للقضاء الشرعيين، كان الأزهري قد تلقى نداء الأمين داود، آنف الذكر، ونسخة من كتابه: نقض مفتريات محمود محمد طه. وقد تلقى الأمين داود رداً من مكتب رئيس مجلس السيادة، جاء في نص الرد:

القصر الجمهوري: الخرطوم

في 9 ديسمبر سنة 1968

فضيلة الأستاذ الأمين داود

جامعة أم درمان الإسلامية

تحية طيبة واحتراماً

بتوجيه من السيد الرئيس إسماعيل الأزهري أنقل إلى سيادتكم شكر فخامة السيد الرئيس على هديتكم القيمة وهي عبارة عن نسخة من مؤلفكم (نقض مفتريات محمود محمد طه).

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

عبد الرحمن أحمد المهدي

مدير مكتب السيد: رئيس مجلس السيادة

موقف عضو مجلس السيادة، الفاضل البشرى المهدي

تلقى السيد الفاضل البشرى المهدي، عضو مجلس السيادة نسخة من نداء الأمين داود آنف الذكر “إلى ولاة الأمر في السودان”، ونسخة من كتابه: نقض مفتريات محمود محمد طه. وقد رد السيد الفاضل البشرى المهدي برسالة كانت بتاريخ 3 نوفمبر 1968، قبل انعقاد المحكمة باسبوعين. جاء رد الفاضل البشرى المهدي متحاملاً ولا يليق بعضو في مجلس السيادة، رأس الدولة، وهو أعلى سلطة في الدولة. وقد تفوه السيد عضو مجلس السيادة في خطابه بكلمات تعكس المستوى الخفيض لقادة السودان. كما يكشف رده عن السند والدعم الذي قدمه أعضاء مجلس السيادة إلى القضاة الشرعيين وإلى محكمة الردة، بل إن الأمين داود وجد الموافقة من أعلى سلطة في البلاد، الأمر الذي يؤكد بأن السيد الفاضل البشرى المهدي بهذا الرد كان جزءاً من مؤامرة محكمة الردة، بل طالب السيد الفاضل في خطابه باتخاذ الإجراء الرادع، قائلاً: “أرجو أن يتخذ الاجراء الرادع ضده”. أدناه نص رد السيد الفاضل البشرى المهدى:

القصر الجمهوري: الخرطوم

في 3 نوفمبر سنة 1968

صاحب الفضيلة الأستاذ السيد الأمين داود

تحية طيبة وبعد:

فقد وصلتني هديتكم القيمة المفيدة، وقد تصفحتها وسررت بما قمتم به فيها من دفاعكم عن الحق بدحضكم لمفتريات الماجن المارق من الدين محمود محمد طه لعنه الله. وأرجو أن يتخذ ضده الإجراء الرادع. هذا وأرجو أن يجزيكم الله خير الجزاء على عملكم هذا مع احترامي وسلامي.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

الفاضل البشرى المهدي: عضو مجلس السيادة

موقف عضو مجلس السيادة، السيد خضر حمد

كشف السيد خضر حمد، عضو مجلس السيادة عن موقفه من مؤامرة محكمة الردة من خلال رسالة بعث بها إلى محمد خير البدوي (1926- 2016) رداً على سؤاله عن محكمة الردة. كتب محمد خير البدوي في مذكراته قائلاً: “وقد أحزنتني الفتوى التي صدرت في عهد الحكم الديمقراطي بتكفير محمود محمد طه، ورأيت فيها شططاً كبيراً واعتداءً على حرية الفكر والعقيدة. وكتبت رسالة في هذا الشأن إلى الحاج خضر حمد، عضو مجلس السيادة، فرد عليّ برسالة مطولة بتاريخ 28/4/1969″. وأضاف محمد خير البدوي بأن اقتطف من رسالة خضر حمد، فكتب قائلاً إن محمود محمد طه ادعى أنه سيدنا عيسى عليه السلام. ومحمود ما زال يحاول أن يكون نبياً يشارك محمد الرسالة، فذاك الإسلام الأول ومحمود نبي الإسلام الثاني الذي يصلح للقرن العشرين. وقد استفتينا علماء السودان ومصر ومشائخ الطرق وأصحاب السبح والدراويش والعلماء في الجامعة الإسلامية وجامعة الخرطوم وجامعة القاهرة وكلهم كفَّره وخطَّأه. هل يترك ليعير أم يُسلَّم لكوبر؟”.

من الواضح أن السيد خضر حمد، عضو مجلس السيادة، كان داعماً للقضاة الشرعيين ومسانداً لمحكمة الردة، ويتفق في ذلك مع موقف السيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة، ويتفق كذلك مع موقف السيد الفاضل البشرى المهدي، عضو مجلس السيادة، الذي كان أكثر تطرفاً في موقفه كما عبر عن ذلك في خطابه إلى الأمين داود.

نلتقي في الحلقة الخامسة.

[email protected]

تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي..  الذكرى 57 لمحكمة الردة الأولى وتشكيل التحالف الديني العريض ضد الفهم الجديد للإسلام «3-11»

الوسومإسماعيل الأزهري الأمين داود البروفيسور آمال قرامي الخرطوم الفاضل البشرى المهدي القصر الجمهوري بابكر عوض الله تونس خضر حمد د. عبد الله الفكي البشير عبد الرحمن أحمد المهدي مجلس السيادة محمود محمد طه

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: إسماعيل الأزهري الخرطوم القصر الجمهوري بابكر عوض الله تونس خضر حمد د عبد الله الفكي البشير مجلس السيادة محمود محمد طه رئیس مجلس السیادة عضو مجلس السیادة محمود محمد طه

إقرأ أيضاً:

رئيس الوفد يُشكل 3 لجان للإشراف على انتخابات القاهرة والفيوم والدقهلية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قرر الدكتور السيد البدوي شحاتة، رئيس حزب الوفد، تشكيل 3 لجان للإشراف على انتخابات اللجان الإقليمية وتوابعها للحزب فى محافظات القاهرة والفيوم والدقهلية.

ووفقًا للقرار رقم 116 لسنة 2026، ضم  تشكيل اللجنة  المُشكلة للإشراف على انتخابات حزب الوفد بمحافظة القاهرة كلا من: إبراهيم نجيب إبراهيم عبد الملاك، أيمن محمد عبد العال محمد عبد العال، بهاء الدين عبد البديع سليم حسين، حمدى يوسف حمدى محمد، خلف عوض إبراهيم عوض، سميرة إبراهيم محمد أمين، النائب سيد محمد عيد عبد الله، عادل عربى أحمد أمين أبو طالب، الدكتور عماد فهمى شحاتة  فلتس، محسن على محمد خليل، محمد عبد الجواد عبد اللطيف عطا الله، محمد عبد السلام أبو السعود محمد، محمد متولى الشافعى محمد، ناصر إسماعيل مرسى عوض، وائل عبد الفتاح السيد عبد العال سليمان.

 

انتخابات حزب الوفد بمحافظة الفيوم

كما تضمن القرار رقم 115 لسنة 2026، تشكيل اللجنة المُشكلة للإشراف على انتخابات حزب الوفد بمحافظة الفيوم، وتضم كلا من: أحمد محمد فوزى حافظ، حسام حنفى محمود محمد، حسن مصطفى أحمد أبو زيد، سعد عبد الباقى أبو زيد عبد الجواد، سمير رفعت محمد راضى، عبد الفتاح سالم محمد إبراهيم، فراج عبد الباقى إبراهيم حسن، مجدى محمود محمد على، محمود أحمد محمد إبراهيم الهوارى، محمود حمدى محمد إبراهيم، محمود على محمد قطب، ناصر أحمد رمضان جمعة، هناء أحمد محمود حسنين، وليد عويس خلف عويس، الدكتور وليد محمود عبد القوى نوح.

 

انتخابات حزب الوفد بمحافظة الدقهلية


وتضمن القرار رقم 114 لسنة 2026، اللجنة المُشكلة للإشراف على انتخابات حزب الوفد بمحافظة الدقهلية، والمكونة من اﻷعضاء الآتية أسماؤهم: أحمد الهوارى عبد المنعم الهوارى، أحمد عطاء صادق رمضان، أسامة عبد الفتاح إبراهيم غيث، القصبى محمود عبد الغفار جبر، المستشار خاطر إبراهيم محمد خاطر، رءوف رضوان محمد السعودى، طارق محمد محمد سالم، المهندس عبد السميع بدير إبراهيم جمعة، الدكتور عبد الناصر عبد العزيز على السن، فتحى محمد عبد الوهاب أبو رمضان، الدكتور ماجد فاروق عبد الجواد الحنبلى، محمد نبيل ونيس رزق الله، هلال الإسلام محمد عبد الونيس السيد، وليد الصباحى السيد على غازى، ياسر محمد محمد العدل.

وأوضح رئيس الحزب أن لجان الإشراف على انتخابات حزب الوفد بالمحافظات تقوم بمعاونة السكرتارية العامة، للوفد برئاسة السكرتير العام الدكتور ياسر الهضيبى، ولا يجوز لأعضاء هذه اللجنة الترشح لهيئات المكاتب المُشكلة بالانتخاب أو للمكتب التنفيذى للجنة العامة.

مقالات مشابهة

  • الصاروخ الصيني "لونغ مارش-12 بي" ينجز رحلته الأولى بنجاح
  • الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
  • محمد السيد: ذهبية المبارزة الإفريقية مهمة في مشوار الاعداد لأولمبياد لوس أنجلوس
  • محمد السيد: ذهبية المبارزة بالبطولة الأفريقية مهمة في مشوار الإعداد لأولمبياد لوس أنجلوس
  • محافظ بورسعيد يقرر تحويل مدرسة محمد السيد وحسن البدراوي الرسمية للغات إلى مدرسة رسمية لغات متميزة
  • رئيس الوفد يُشكل 3 لجان للإشراف على انتخابات القاهرة والفيوم والدقهلية
  • 100 جنيه عند مغادرة مصر .. تعرف على المستثنين في مشروع القانون الجديد
  • “الجهاد الإسلامي” تدين اعتداء مستوطنين على أهالي قرية في رام الله
  • رئيس الدولة: رحم الله المربي والمعلم الفاضل الدكتور محمود أحمد القيسية
  • محافظ بورسعيد يقرر تحويل مدرسة «محمد السيد وحسن البدراوي» إلى «رسمي لغات متميز»