الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية والواقع الفعلي للناس
تاريخ النشر: 10th, December 2025 GMT
جون ألسوب/ ترجمة: بدر بن خميس الظفري
خلال فترة الكساد الكبير، صرّح ويليام ن. دوك، وزير العمل في إدارة الرئيس هربرت هوفر، بأن معدلات التوظيف ترتفع في أنحاء البلاد. غير أنّ الصحفيين كانوا قد خُدعوا سابقًا بتصريحات متفائلة لوزراء ذوي حسابات سياسية، كما ذكرت مجلة التايم. لذلك لجأوا إلى رأي ثانٍ من إيثيلبرت ستيوارت، مفوض مكتب إحصاءات العمل، فهاتَف الوزير مؤكدًا أن الأرقام التي لديه لا تدعم هذا الادعاء.
وللاتهامات المتعلقة بتدخل الرؤساء في الأرقام تاريخ طويل أيضًا. فقد اشتُبه في هوارد غولدستين، مساعد مفوض المكتب في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، بأنه قوض تقريرًا يعلن تراجع البطالة، مما أثار غضب نيكسون الذي طالب بإقالته. ويروي زميلي فيرغوس ماكنتوش أن هذا الحادث كان من المقدمات التي سبقت قرار نيكسون المثير للجدل بإجراء ما سُمّي داخل الوكالة «بـإحصاء اليهود». وفي عام 2012، حين أعلن المكتب عن انخفاض في البطالة قبل الانتخابات الرئاسية، اتهم بعض الجمهوريين إدارة الرئيس باراك أوباما بتلفيق الأرقام لمصلحته الانتخابية. وكان من بين هؤلاء دونالد ترامب، الذي شكك مجددًا في أرقام التوظيف خلال خطاب إطلاق حملته في 2015، قائلًا: «معدل البطالة الحقيقي لدينا يتراوح بين 18 و20 في المائة»، وذلك عقب نزوله الشهير من السلم الذهبي في برج ترامب. وفي العام الماضي، بعد أن خفض المكتب تقديراته السابقة للوظائف، زعم ترامب أنّ إدارة بايدن–هاريس كانت تخفي الأرقام الحقيقية لأهداف سياسية. ولو صحّ ذلك لكان أداؤها في غاية السوء، لأن المراجعة صدرت في أغسطس، أي قبل الانتخابات بنحو شهرين ونصف.
بلغ هذا السلوك ذروته حين قرر ترامب إقالة إيريكا ماكنتارفَر، مفوضة مكتب إحصاءات العمل، بعد أن أصدر المكتب تقريرًا للوظائف أظهر نموًا ضعيفًا للغاية في شهر يوليو، وأرقامًا أقل بكثير لشهري مايو ويونيو مقارنة بما كان معلنًا سابقًا. حاول مستشارو ترامب وضع غطاء عقلاني على قرار غير عقلاني.
لكن ترامب نفسه قالها صراحة، متهما ماكنتارفَر بأنها منحازة للحزب الديمقراطي وأنها تلاعبت بالأرقام لتجعله يبدو سيئا. ووصف ماكنتوش الإقالة بأنها «خطوة جديدة في مشروع ترامب لتحويل البيروقراطية الفيدرالية وما تنتجه من معلومات إلى أداة لسلطته». واتفق مراقبون آخرون على ذلك، مشيرين إلى الطبيعة الاستبدادية المتصاعدة لهذه السلطة، وإلى أنّ إقالة ماكنتارفَر عمّقت شعورا قاتما لدى كل من يقدّرون الحقيقة. وعلى قناة (آي. بي. إس)، قال لاري سامرز، وزير الخزانة الأسبق: «إن ما حدث يتجاوز بكثير ما فعله نيكسون». وأضاف: «إقالة الإحصائيين تسير مع تهديد رؤساء الصحف، والاعتداء على الجامعات، والضغط على مكاتب المحاماة التي تدافع عن موكّلين لا يروقون للحاكم المنتخب. هذا أمر مرعب بالفعل».
كل ذلك صحيح. ورغم غياب «إحصاء اليهود»، يمكن القول: إن ما فعله نيكسون كان أسوأ. لكن ما لفت انتباهي هو أن إقالة ماكنتارفَر كانت الخطوة الأكثر إضرارا بترامب نفسه ضمن سلسلة تحركاته السلطوية الأخيرة. فحتى لو لم يتحول تقرير الوظائف إلى نسخة أميركية من برافدا بين ليلة وضحاه، إذ يؤكد الخبراء أن إعداد التقرير عملية يصعب التلاعب بها بشكل فج، فإن مجرّد الاعتقاد بأنه تمّ تغيير الأرقام لإرضاء ترامب، أو أنه قد يحدث ذلك، قد يزعزع الثقة بالاقتصاد، ويجعل أسواق السندات أكثر توترا، أو يضعف موقف الولايات المتحدة في مفاوضات التجارة الدولية. وقد أدى سلوك ترامب بالفعل إلى ظهور جملة مذهلة في صحيفة وول ستريت جورنال، وهي «قد تساعد الجهود المبذولة لتقدير البيانات الاقتصادية في الصين -التي تنشر أرقاما حكومية سيئة السمعة- الشركات الأمريكية على إيجاد نموذج عمل إذا أصبحت مصداقية البيانات المحلية موضع شك». وكل هذا الخطر لمجرد إخفاء الحرج من تقرير وظائف لم يكن جيدا، لكنه لم يكن كارثيا.
وتبرز أضرار أخرى في هذه الإقالة. فقد قال أحد المراقبين لصحيفة نيويورك تايمز: «لا يمكن للديمقراطية أن تعمل واقعيا من دون بنية معرفية موثوقة». وعلى نحو أقل تجريدا، تبدو الإقالة عملا بلا جدوى سياسية من منظور الرئيس نفسه. فعادة ما كانت محاولات ترامب للتشكيك في الحقائق المتفق عليها تصبّ في مصلحته. لكن الآن، وقد عاد إلى الحكم، بدأ يكتشف أن هذا لا ينطبق دائما. والدليل الأول هي قضية إبستين التي لا تزال مستمرة بشكل لا يصدق. كما أن التشكيك في البيانات الاقتصادية الرسمية لن يكون في صالحه؛ فترامب، أكثر من أي شخص آخر، يعرف أن شعور الناس تجاه الاقتصاد هو ما يهم فعلا —فهو نفسه عاد إلى البيت الأبيض مستندا إلى هذا الشعور. ومع سلطته شبه المطلقة وامتلاكه الأغلبية في الكونغرس، أصبح الاقتصاد الآن مسؤوليته الكاملة. ويبدو أكثر فأكثر كأنه «كأنه العبء الذي يُسحب خلفه رغما عنه».
في عام 2022 صاغت كايلا سكانلون، وهي معلّقة اقتصادية، مصطلح Vibecession وهو «الركود المعنوي»، والذي عرّفته لاحقا بأنه «الفكرة التي تقول إن البيانات الاقتصادية تروي لنا قصة، بينما يخبرنا المزاج العام للمستهلكين بقصة أخرى». سرعان ما انتشر المصطلح في تغطيات الإعلام كاختصار معبّر لظاهرة محيّرة، وهي أنه وفق كثير من المؤشرات التقليدية، كان اقتصاد عهد بايدن قويا، خصوصا في النصف الثاني من ولايته حين بدأت معدلات التضخم المرتفعة في التراجع. ومع ذلك بدا كثير من الناس غير متحمسين للاقتصاد ككل.
ظهرت تفسيرات متعددة لهذه المفارقة. أحد التفسيرات الشائعة رأى أن الإعلام يبالغ في التركيز على النقاط السلبية، وأبرزها التضخم، وعلى حالات فردية غير ممثلة للواقع، مثل تقرير على قناة (سي. إن. إن) عن عائلة تضم 11 فردا تستهلك 12 جالونا من الحليب أسبوعيا، وأن الإعلام يفشل في عرض الصورة الكاملة. وكان مسؤولو البيت الأبيض بين من يروجون لهذه الفكرة، بمن فيهم بايدن نفسه، الذي لمح أكثر من مرة إلى أن الصحافة لا تغطي أخبار الاقتصاد «بالطريقة الصحيحة».
ولام آخرون إدارة بايدن لأنها لم تبذل جهدا كافيا للترويج لإنجازاتها الاقتصادية. وقد أعرب بايدن لاحقا عن أسفه لعدم وضع اسمه على مشاريع البنية التحتية الجديدة أو على شيكات الدعم المالي التي صُرفت خلال جائحة كورون. وفي كل الأحوال أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار أن الناس، حتى الذين قالوا إن وضعهم المالي الشخصي جيد، أو أن الوضع في ولايتهم أو منطقتهم المحلية مستقر، يعتقدون أن الاقتصاد الوطني يسير في الاتجاه الخاطئ. وفي أحد الاستطلاعات، في ربيع العام الماضي، قال أغلبية المشاركين: إن الولايات المتحدة في حالة ركود، رغم أنها لم تكن كذلك إطلاقا.
أما المدرسة الأخرى فترى أن الناخبين لم يكونوا مضلَّلين بشأن الاقتصاد، وأنه من التعالي التعامل معهم على هذا الأساس. فحسب هذا الرأي، ترك التضخم المرتفع في عهد بايدن ندوبا نفسية وآثارا دائمة على الأسعار، حتى بعد تراجع معدلات الارتفاع. كما أن الأرقام الاقتصادية العامة الصادرة عن مؤسسات مثل مكتب إحصاءات العمل لا تعكس معاناة الأسر ذات الدخل المنخفض، خصوصا بعد إسقاط أو عدم تمديد برامج مهمة من أوائل عهد بايدن، مثل زيادة الائتمان الضريبي المخصّص للأطفال، ومنع طرد المستأجرين من منازلهم خلال الجائحة. حتى أولئك الذين قالوا في الاستطلاعات إن أوضاعهم الشخصية جيدة ربما كانت لديهم أسباب وجيهة للنظر حولهم ورؤية اقتصاد يبدو مختلا وغير عادل—بل وموجها ضدهم. وفي بلد ذي شبكة أمان اجتماعي هشة إلى هذا الحد، لم يكن المرء بحاجة لأن يكون من أشد منتقدي بايدن ليشعر بذلك.
في الواقع، تحمل كلتا الرؤيتين جانبا من الحقيقة. لكن، وبغض النظر عن «المشاعر السيئة» ومدى مشروعيتها، كان من الواضح أن ترامب استفاد منها؛ فقد فاز بالانتخابات إلى حد كبير بفضل وعود مبسّطة بإنهاء التضخم وإعادة الأسعار إلى ما كانت عليه. وغالبا ما أثبت ترامب قدرة لافتة على استغلال المزاج العام —وهو ما ناقشته في مقال سابق— بما يفوق قدرة بايدن وكثير من الديمقراطيين الآخرين. فعلى سبيل المثال، في نهاية ولايته الأولى، وضع ترامب اسمه على شيكات الدعم المالي. وتمكن من الحفاظ على صورته كمدافع عن الناس الذين يشعرون بأن الاقتصاد منحاز ضدهم، حتى لو لم يكن ضدهم بشكل مباشر، وهذا جزء من جاذبيته الشعبوية التي تتغذى على خطوات مثل إقالة التكنوقراط الذين يديرون الوكالات الإحصائية الحكومية.
وخلال حملته العام الماضي، بدا أيضا أنه يستثير حنينا كامنا لدى كثيرين إلى قوة الاقتصاد قبل جائحة كورونا في عهده. وبعد فوزه بالانتخابات، ارتفعت الثقة بالاقتصاد، على الأقل بين أنصاره. وهكذا، أُعلن انتهاء «الركود المعنوي».
الآن، وبعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بات عليه أن يقدّم أداء اقتصاديا مقنعا إذا أراد الحفاظ على «المعنويات الجيدة»، غير أنّ الصورة العامة للاقتصاد ما تزال غامضة حتى اللحظة. وقد أسهم ترامب كثيرا في تعميق هذا الغموض، خصوصا من خلال أسلوبه المربك في تنفيذ سياسة الرسوم الجمركية. وقد تحوّلت هذه السياسة، كما كتب كايل تشايكا في مجلة ذا نيويوركر في شهر أبريل الماضي، إلى ما يشبه مؤشّر الركود الاقتصادي» المتحوّل إلى مادة شعبية واسعة الانتشار في وسائل التواصل.
وكانت التوقعات تشير إلى أن الرسوم الجمركية سترفع أسعار السلع للمستهلكين، وهناك بالفعل مؤشرات مبكرة على حدوث ذلك، إلى جانب بوادر مقلقة في بيانات النمو والتوظيف الأخيرة. ومهما تكن الوجهة التي سيتجه إليها الاقتصاد، فإن صراخ ترامب بشأن البيانات الاقتصادية -سواء كانت دقيقة أم مختلقة-لا يبدو قادرًا على تغيير شعور الناس. والمفارقة أن ترامب يرتكب الخطأ ذاته الذي وقع فيه بايدن؛ غير أن نسخة ترامب من «مطالبة الإعلام بتغطية البيانات بالطريقة الصحيحة» تتجلى في قيامه، ببساطة وعلانية، بإقالة مسؤولٍ لم يفعل شيئًا سوى نشر الأرقام كما هي.
وإذا كانت نتائج انتخابات العام الماضي قد أظهرت أن الانطباعات الذاتية للناخبين تفوق بكثير وزن المؤشرات الاقتصادية العليا، فمن المغري النظر إلى ذلك كخطوة إضافية داخل عصر «ما بعد الحقيقة». فترامب رجل قال: إن «مشاعره» تؤثر في تقييمه لقيمة ثروته، وادّعى أن بيانات مكتب إحصاءات العمل الأخيرة مجرد «هراء» وفق «رأيه، وهو يمثل نموذجًا مناسبًا لفكرة أن المشاعر تتغلب شيئًا فشيئًا على الحقائق. لكن معظم الناس لا يزالون مرتبطين بواقع حياتهم اليومية؛ فإذا انهار سوق العمل في عهد ترامب، أو عاد التضخم ليضرب من جديد، فستُحسّ هذه الحقائق بقوة. ومنطق «الركود المعنوي» لا يمكن أن يعمل بالعكس: فإذا دخل الاقتصاد فعليًا في ركود، أو حتى تباطأ، فستكون «المعنويات» بالتأكيد سيّئة بالنسبة إلى ترامب.
لم تكن تقارير التوظيف الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل يومًا حقائق مقدسة لا تُمس. فكما أشار ماكنتوش في مقاله، فإن القرارات المنهجية التي تحكم عملية جمع البيانات تعكس أولويات سياسية؛ وقد ازدادت العملية صعوبة في السنوات الأخيرة نتيجة تراجع معدلات استجابة الشركات لاستطلاعات المكتب، بالإضافة إلى القيود المالية. والاعتراف بأن هذه الأرقام ليست صورة كاملة لا يعني الوقوع في فكرة متطرفة ترى أن كل الإحصاءات مجرد أكاذيب، وبالتالي فإن انتقادات ترامب تصبح بلا معنى. المقصود ببساطة هو أن الأرقام تعكس جانبًا من الواقع، بينما الواقع الفعلي أعقد بكثير من اختزاله في بيانات.
ولو أنّ مسافرًا عبر الزمن عاد إلى حقبة الكساد الكبير وأخبر إيثيلبرت ستيوارت-المفوّض التاريخي لمكتب إحصاءات العمل- بمصطلح «الركود المعنوي»، لظنّ بالتأكيد أنه قادم من كوكب آخر. لكنه كان سيفهم الفكرة الأساسية. فقد قال ستيوارت ذات مرة: «الأشياء التي تجعل الحياة الإنسانية حياةً إنسانية لا تستجيب بسهولة للطريقة الإحصائية». وأضاف أنه قضى عقودًا يحاول «أن يضع قليلًا من اللحم على هيكل عظمي من الجداول الرقمية -فالحديث في النهاية عن حياة البشر».
جون ألسوب صحفي وكاتب متخصص في تحليل الإعلام والسياسة، يكتب بانتظام في مجلة «نيويوركر» ومؤلف كتاب «ما الغاية من الصحافة؟»
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: البیانات الاقتصادیة العام الماضی لم یکن فی عهد
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.