يبقى نجيب محفوظ الروائي العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب، تقديرًا لأعماله التي اتسمت بالواقعية الاجتماعية العميقة.

مع اقتراب حفل عشاء نوبل، تستعد مدينة ستوكهولم لإطلاق مهرجان ضوئي استثنائي، مُستوحًى هذه المرة من الاكتشافات العلمية والأدبية وأعمال السلام لروّاد الجائزة المرموقة، الذين أُعلن عن أسمائهم في أكتوبر الماضي، وهم:

الطب: ماري برونكو، فريد رامسديل، شيمون ساكاغوتشي.

الكيمياء: سوسومو كيتاغاوا، ريتشارد روبسون، عمر ياغي. الأدب: لازلو كراسناهوركاي. السلام: ماريا كورينا ماتشادو.

لكن، يبقى الحضور العربي في هذا المحفل خجولًا وملفتًا في الوقت نفسه، خاصة وأن إدراج هذه الأسماء لم يخلُ يومًا من الجدل والتفسيرات السياسية، كما يعتقد البعض. فمن هي أبرز الشخصيات العربية التي نالت نوبل؟

أنور السادات- 1978

على الرغم من أن الطبيب البريطاني من أصل لبناني، بيتر براين ميدور، كان أول من حصل على جائزة نوبل للطب عن إنجازاته الرائدة في مجال عمليات الزرع، إلا أن فوزه لم يلقَ صدى واسعاً في العالم العربي مقارنةً بفوز الرئيس المصري الراحل أنور السادات بجائزة السلام.

فقد تقاسم السادات الجائزة عام 1978 مع رئيس وزراء إسرائيل ميخائيل بيغن، وذلك بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد التي مثلت منعطفاً تاريخياً لمصر، محوّلة إياها من دولة تتبنى شعارات العروبة وتتصدّر الصراع مع إسرائيل، إلى أول دولة عربية تبرم معها اتفاق سلام. وقد لقي السادات مصرعه بعد ذلك بعامين، مغتالًا في 6 أكتوبر 1981، خلال عرض عسكري في القاهرة.

زوار يصورون في متحف الرئيس أنور السادات، الذي تم اغتياله عام 1981، ضمن مجمع مكتبة الإسكندرية في الإسكندرية، مصر، يوم الأربعاء 20 أغسطس 2025. Amr Nabil/ AP نجيب محفوظ- 1988

حتى الآن، يبقى نجيب محفوظ الروائي العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب، تقديرًا لأعماله التي اتسمت بالواقعية الاجتماعية العميقة.

ويُعتقد أن هذه الجائزة جاءت جزئيًا تقديرًا لروايته الشهيرة "أولاد حارتنا" التي أنهى كتابتها عام 1959، والتي أثارت جدلًا واسعًا، خاصة بين صفوف التيار الإسلامي، نظرًا لما رآه البعض فيها من تجاوز على الذات الإلهية وإساءات للذات النبوية.

نجيب محفوظ، الروائي المصري والحائز على جائزة نوبل عام 1988، يطفئ شموع كعكة عيد ميلاده الـ88 في هذه الصورة المؤرخة في 11 ديسمبر 1998، في القاهرة، مصر STR/AP2006 ياسر عرفات -1995

من بين جميع جوائز نوبل للسلام التي مُنحت عبر التاريخ، تبقى الجائزة التي قُدمت قبل ثلاثة عقود للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، لدوره في ما عُرف بالعملية السلمية الإسرائيلية- الفلسطينية، واحدة من أكثر الجوائز إثارة للجدل على الإطلاق.

فقد لاحقت الجائزة سحابة من الغضب، بدءًا من الاتهامات الموجهة لعرفات بالإرهاب، مرورًا باستقالة أحد أعضاء لجنة التحكيم احتجاجًا على منحه الجائزة، ووصولًا إلى موجة العنف الدامي التي اندلعت بعد الإعلان عن الفائزين.

في هذه الصورة المؤرخة يوم السبت 18 فبراير 1995، يقوم شمعون بيريز، على اليمين، بصب الماء في كأس ويقدمه للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أثناء حضورهما ندوة حول الشرق الأوسط في اليونس Michel Lipchitz/AP1995

وقد مُنحت الجائزة مناصفة لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين، ووزير الخارجية الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، وذلك في أعقاب توقيع اتفاقية أوسلو التي نصّت على إنشاء سلطة وطنية فلسطينية كمرحلة انتقالية تمهّد لإقامة دولة فلسطينية.

ومع ذلك، لم ترَ تلك الدولة النور على أرض الواقع، وظلّت السيطرة الفلسطينية الفعلية محصورة وتقلصت حتى وصلت إلى نحو 10٪ فقط من أراضي فلسطين التاريخية في يومنا هذا.

Related 3 علماء يفوزون بجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية 2025 لأبحاثهم حول الابتكار والنمو المرأة التي واجهت إرث تشافيز ومادورو.. من هي ماريا كورينا ماتشادو الفائزة بجائزة نوبل للسلام؟رحيل جيمس واتسون الحائز على جائزة نوبل وأحد مكتشفي بنية الحمض النووي أحمد زويل -1999

حصل العالم المصري الأمريكي أحمد زويل في أواخر التسعينات على جائزة نوبل في الكيمياء تكريمًا لأبحاثه في مجال "كيمياء الفيمتو"، وهي تكنولوجيا لتصوير التفاعلات بين الجزيئات باستخدام أشعة الليزر، وكان من اللافت أن زويل سبق وأن حصل على جائزة مؤسسة "وولف" الإسرائيلية قبل نوبل ببضع سنوات.

محمد البرادعي -2005

هو محام ومسؤول حكومي مصري، شغل منصب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) من 1997 حتى 2009، وعمل لفترة وجيزة كنائب مؤقت لرئيس جمهورية مصر في 2013.

في عام 2005، تم منح البرادعي والوكالة الدولية للطاقة الذرية جائزة نوبل للسلام مشتركة، تقديرًا لجهودهما في منع استخدام الطاقة الذرية للأغراض العسكرية.

المصري محمد البرادعي في منزله بضواحي القاهرة، مصر، يوم الثلاثاء 30 أبريل 2013 Khalil Hamra/AP

مع ذلك، فإن اختياره لم يخل من الجدل، إذ اتهم بانه لم تكن له "الشجاعة الكافية والشفافية" لإثبات عدم وجود خطر نووي يهدد العالم بالعراق، وهي الحجة التي استعملها الولايات المتحدة للغزو.

توكل كرمان -2011

تُعد توكل كرمان من أكثر النساء الفائزات بنوبل إثارة للجدل، ولا تزال المطالب بسحب الجائزة منها تُثار بين الحين والآخر.

اشتهرت كرمان بنشاطها السياسي خلال ما كان يُعرف بـ"الربيع العربي"، ورآها البعض بأنها "أم الثورة اليمنية". وفي المقابل، يتهمها آخرون بأنها تستغل مكانتها" للتحريض على نشر الفوضى والتخريب والعنف في بعض البلدان العربية" كسوريا مثلًا.

الفائزة بجائزة نوبل للسلام، الناشطة الحقوقية توكل كرمان من اليمن، توقع في سجل الزوار بمركز نوبل للسلام في أوسلو، يوم الأحد 11 ديسمبر 2011 Krister/AP الرباعي التونسي للحوار الوطني -2015

هو تحالف من منظمات المجتمع المدني التونسية، يتألف من الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT)، والنقابة الوطنية للمحامين بتونس، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (UTICA)، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (LTDH)، وقد حصل على جائزة نوبل للسلام عام 2015 تقديرًا لجهوده فيما أسمته اللجنة: تحقيق تسوية سياسية سلمية في تونس عقب الثورة التونسية التي نشرت شرارة الانتفاضات في مصر، سوريا، اليمن وغيرها.

ناديا مراد - 2018

بوجهها الشاحب وقصتها المؤثرة، ارتبط اسم الإيزيدية العراقية ناديا مراد بفصل دموي عاشه العالم العربي، ولا يزال تهديده يلوح بين الحين والآخر.

فقد انقلبت حياتها رأسًا على عقب في قرية كوجو، الواقعة على أطراف قضاء سنجار في شمال غرب العراق قرب الحدود السورية، عندما زحف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى القرية، وجرى احتجازها، وتعرضت للاغتصاب والعنف الجنسي، وأُجبرت على التحول إلى الديانة الإسلامية.

ناديا مراد تلتقط الصور خلال فعالية تذكارية في غاليري الدولة بمدينة شتوتغارت، ألمانيا، يوم الأربعاء 3 يوليو 2024. Bernd Wei'brod/dpa via AP

وقررت اللجنة منحها جائزة نوبل للسلام لعام 2018 بالاشتراك مع الطبيب الكونغولي دينيس مكويجي، تقديرًا لجهودهما في وقف استخدام العنف الجنسي كسلاح في الحروب والصراعات المسلحة.

أردم باتابوتيان- 2021

قبل أربع سنوات، فاز العالم الأمريكي-اللبناني من أصل أرمني، أردم باتابوتيان، بجائزة نوبل في الطب، تكريمًا لإسهاماته البارزة في مجال علم الأعصاب. وقد ركز بحثه على فهم كيفية إحساس الجسم بالضغط واللمس، كما أتاحت أبحاثه إمكانية تطوير علاجات مستقبلية لمشكلات مرتبطة بالأعصاب والحساسية.

مونجي ج. باويندي- 2023

هو عالم فرنسي- امريكي من أصل تونسي، منحت له جائزة الكيمياء عن أبحاثه في مجال الكيمياء النانوية والتي تستخدم الإلكترونيات، بما في ذلك شاشات الحواسيب والتلفزيونات ومصابيح LED، كما يمكن استخدامها أيضًا في رسم خرائط للأنسجة البيولوجية.

يتحدث عمر ياغي، أستاذ في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، خلال مؤتمر صحفي في بروكسل، يوم الأربعاء 8 أكتوبر 2025، بعد أن كان أحد ثلاثة علماء مُنحوا جائزة نوبل في الكيمياء. Harry Nakos/ AP عمر ياغي- 2025

أردني من أصل فلسطيني وحاصل على الجنسية السعودية، يعد من رواد الكيمياء الشبكية، وقد حصل على الجائزة لأبحاثه عن الهياكل المعدنية–العضوية (MOFs).

وكان قد أثار فوزه الجدل أيضًا، خاصة بعد أن استلم عام 2018 جائزة "وولف فاونديشن" في الكيمياء، التي تمنحها الدولة العبرية.

يُذكر أنه ووفقًا لوصية ألفريد نوبل، تُمنح جوائز نوبل في مجالات الفيزياء والكيمياء والفسيولوجيا أو الطب والأدب في ستوكهولم بالسويد، بينما تُمنح جائزة نوبل للسلام في أوسلو بالنرويج.

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب الصين إسرائيل دراسة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب الصين إسرائيل دراسة إتفاقية سلام أدب الربيع العربي السويد جائزة نوبل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب الصين إسرائيل دراسة فولوديمير زيلينسكي ثقافة سياحة إيران روسيا تايلاند حصل على جائزة نوبل جائزة نوبل للسلام جائزة نوبل فی أنور السادات بجائزة نوبل نجیب محفوظ تقدیر ا فی مجال من أصل

إقرأ أيضاً:

هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو

لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.

ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.

بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.

الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعة

وفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.

ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.

إعلان

وفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.

ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.

ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.

وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.

لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.

وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.

ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.

وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.

وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:

سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلان

فقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.

ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.

غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.

وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.

الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطية

ليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.

وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".

ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.

وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.

ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.

الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا

تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.

ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".

ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".

وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.

الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقية

نالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.

إعلان

وتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.

وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).

ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.

وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.

وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.

إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر

في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.

غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.

وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.

مقالات مشابهة

  • من هم الرجال الذين يجوز للمرأة عدم ارتداء الحجاب أمامهم؟.. أمين الفتوى يجيب
  • هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
  • المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: إسرائيل تعطل تنفيذ خطة ترامب للسلام
  • “كاكست” تستضيف الحائز على جائزة نوبل عمر ياغي
  • جائزة الدكتور ساعد بن سعد العرابي الحارثي للتفوق العلمي تحتفي بالفائزين في دورتها الثانية والعشرين
  • لماذا يراهن العرب على الباكستان في الأزمات؟.. تعرف على قواها الضاربة
  • عماد الساعي : مصر أكثر دولة إفريقية حصلت على جائزة نوبل
  • الناشرين العرب : معرض مكتبة الإسكندرية يعد موسمًا ثقافيًا متكاملًا
  • مركز حقوقي: الطبيب المعتقل مراد القوقا فقد نحو 45 كيلوغرامًا من وزنه
  • الأحزاب الليبية: ندعم المبادرة الأمريكية للسلام لحل الأزمة