أمين عام هيئة كبار العلماء: الكلمة المنضبطة سلاح يجب استخدامه لخدمة الوطن
تاريخ النشر: 10th, December 2025 GMT
واصل مجمع البحوث الإسلامية فعاليات «أسبوع الدعوة الإسلاميَّة الخامس عشر» الذي تنظمه الأمانة العليا للدعوة بالمجمع بالتعاون مع جامعة عين شمس، تحت شعار «الشباب بين مقاصد الدين ومحاولات التغريب».
جاء ذلك برعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف وكيل الأزهر الدكتور محمد الضويني، والأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الدكتور محمد الجندي؛ حيث عُقد اليوم اللقاء الرابع بكلية الإعلام بجامعة عين شمس، تحت عنوان: «الحفاظ على الوطن في ظل موجات التعريب»، بمشاركة نخبة من علماء الأزهر، وبحضور عدد من قيادات وأعضاء هيئة التدريس بالكلية.
في مستهل الندوة، رحبت الأستاذة الدكتورة هبة شاهين، عميد كلية الإعلام بجامعة عين شمس، بعلماء الأزهر الشريف معربة عن شكرها لشيخ الأزهر على دعمه الحوار مع الشباب بهدف تهذيب النفس وربطها باليقين من خلال تصحيح المفاهيم، مثمنة جهود الأزهر الشريف والإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، في نشر الدعوة الإسلامية والارتقاء بسلوك الإنسان، مشيرة إلى أن حديث الأزهر عن أهمية الوطن من رحاب كلية الإعلام يمثل إشارة مهمة للجميع بضرورة الحفاظ على الوطن في ظل موجات التغريب عبر العمل في كل المجالات، وأن هذا الحديث دعوة واضحة لخريجي الإعلام بشكل خاص إلى العمل على نقل الوعي في المجتمع من خلال جميع المنصات لدورها التنويري المنوط بها، خاصة في ظل التحديات التكنولوجية التي شكلت أنماطًا مختلفة من الحروب.
وفي كلمته أكد الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلناء بالأزهر، أن الإعلام لا يقل أهمية عن المنبر الدعوي، فكلاهما يشكل سلاحًا حيويًا في معركة الوعي والحرب الفكرية التي يواجهها الوطن، وشدد على ضرورة أن تلتزم الرسالة الإعلامية الصدق والأمانة وأن تخاطب العقول، نظرًا لقدرة الإعلام الفائقة على الانتشار، محذرًا من خطورة غياب هذه الرؤية عن العمل الإعلامي، لأن الإعلام الواعي يمثل ملاذًا هامًا للمجتمع، وبخاصة في ظل التحديات المصيرية التي تواجه مصر، وتتزايد أهمية هذا الدور في ظل توغل وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، والتي قد تتسبب في فصل الشباب عن قضاياهم الوطنية الجوهرية، نتيجة محاولة إلهائهم بمحتويات مختلفة، منبها إلى أن أخطر ما يمس الإعلام في العصر الحالي هو تحوله إلى مجرد تجارة هادفة لتحقيق المكاسب، وانجراره وراء "التريند" على حساب القيم والمبادئ الحقيقية.
وتناول الدكتور عباس شومان أهمية الانتماء للوطن كقيمة أصيلة، لأن الإنسان الذي يفتقر إلى هذا الانتماء هو إنسان بلا هوية وبلا وطن حقيقي، كما أن افتقاد روح الانتماء هو السبب الرئيسي الذي دفع المتطرفين لمحاولة التخريب في المجتمع، ويتضح عمق هذا الشعور من خلال موقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم عند الهجرة من مكة، حيث عبر عن تأثره بقوله: "لولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت"، وهو دليل قاطع على حب الوطن، لذلك لا يمكن القول أن حب الوطن مجرد شعارات تردد، بل هو سلوك يمارس، يبدأ من أبسط الأفعال كعدم إلقاء ورقة في الطريق، وصولًا إلى الابتعاد عن السلوكيات الضارة بالمجتمع مثل سرقة الكهرباء والمياه، لأن السلوك الإيجابي وحده هو التعبير الصادق عن الانتماء والتقدير لوطننا.
وفي ختام كلمته وجّٰه فضيلة الدكتور عباس شومان توصية خاصة لشباب كلية الإعلام، محذرًا إياهم من البحث عن الشهرة السريعة على حساب القيم والثوابت الوطنية التي تحافظ على تماسك المجتمع، لأن الدور المنوط بخريجي الإعلام الحاليين هو أكبر بكثير من أي وقت مضى، ويحمل مسؤولية جسيمة، مع أهمية تحري الدقة والمسؤولية في كل كلمة تنقل للجمهور، لأن الكلمة سلاح مؤثر يجب استخدامه بحكمة لخدمة الوطن والحفاظ على وعيه.
من جانبه أكد فضيلة الدكتور حسن يحيى، أمين اللجنة العليا للدعوة بالأزهر، أن بناء المجتمع واستقراره يقوم على ستة مكونات أساسية، تبدأ بالدين الإسلامي الذي يمثل المكون الأول والأكثر أهمية، كما أنه يعد الركيزة التي يحاول أعداء الوطن استهدافها عبر التشكيك وتحريف النصوص الإعلامية، بهدف فصل المجتمع عن هويته وإصابته في عقيدته، والمكون الثاني: قوة الدولة، حيث يجب أن تكون قادرة على فرض نفوذها، لكن هناك محاولات لأعداء الوطن لزعزعة الثقة، في قدرة الدولة، والمكون الثالث: الأمن العام الذي يتحقق من خلال تعزيز الوعي الفكري والسلوكي، في المجتمع من أجل أن يكون المجتمع واعي بكل ما يحيط به وما يحاك له.
وأضاف الدكتور حسن يحيى أن المكون الرابع من مكونات بناء المجتمع: هو العدل الشامل الذي يتحقق بالمساواة بين جميع أفراد المجتمع، وأن تكون المفاضلة على معايير أخلاقية، أما المكوّن الخامس: فهو الخصب الدائم، ويعني قدرة المجتمع على تحقيق النمو والتطور والاستعداد المستمر لمواجهة الأحداث الطارئة، وأخيرًا، يمثل الأمل الفسيح المكون السادس، وهو المرتبط بالشباب وقدرتهم على الحلم والطموح وتحقيق الإنجاز، إذ يعتبر الأمل هو المحرك الأساسي للعزائم والإرادة.
ودعا الدكتور حسن إلى اليقظة والانتباه للتهديدات المحدقة بالوطن، لأن الهدف الرئيس لأعداء الوطن هو العمل على زعزعة الأركان الستة جميعها في وقت واحد للعبث بأمن المجتمع واستقراره، وعلينا أن نواجه هذه التحديات من خلال ضرورة التخطيط الفاعل للمستقبل الفردي ومستقبل الوطن، مؤكدًا على أهمية التعمق في فهم هذه المكونات الستة وحمايتها والمحافظة عليها بقوة، حتى لا يتمكن أي عدو من النيل من تماسك الوطن ووحدته وأشار إلى أن هذا الفهم العميق والالتزام بحماية الأركان هو خط الدفاع الأول لضمان استمرار قوة المجتمع وتطوره في جميع المجالات.
ومن المقرر أن تستمر فعاليات «أسبوع الدعوة الإسلامية خامس عشر» والذي يحمل شعار «الشباب بين مقاصد الدين ومحاولات التغريب»، بخطة شاملة على مدار خمسة أيام بدأت من الأحد ٧ ديسمبر وحتى الخميس ١١ ديسمبر، في مختلف كليات جامعة عين شمس، بمجموعة من المحاول تشمل: «التغريب مظاهره ومخاطرة وسبل مواجهته»، و«محاولات تغريب المرأة وسبل ومواجهتها»، و«أزمة الشباب بين التطرف والانحلال»، «الحفاظ على الوطن في ظل موجات التعريب»، و«بناء الشخصية السوية ودوها في مواجهة التغريب».
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: البحوث الإسلامية مجمع البحوث الإسلامية أمين اللجنة العليا للدعوة المجتمع الإعلام الأزهر البحوث الإسلامیة عین شمس من خلال
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..