شهد الأسبوع الذي انقضى، وهذا الذي يكاد، نشاطاً دبلوماسياً أجنياً غير معتاد في العاصمة الإدارية بورتسودان، إذ أقبلت على المدينة الساحلية وفود من جهات متعددة، إقليمية و دولية، للتباحث مع المسؤولين في حكومة الأمل، حول ما الذي ينبغي فعله لتخفيف وطأة الحرب على السودانيين.

ما وراء الحراك:

مصدر دبلوماسي رفيع، فسَّر لـ”المحقق” هذا “التدافع نحو السودان” بسببين رئيسيين، أولهما ما بدأ يلوح في الأفق، من احتمال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، على خلفية الحراك الذي أحدثته المبادرة الأمريكية السعودية، وما يتصل بها من مبادرة المجموعة الرباعية، وبالتالي رأت العديد من الجهات أنه عليها أن تكون حاضرة “في الميدان” قبل أن يصبح وقف إطلاق النار أمراً واقعاً، خاصة وأن العالم الغربي عموماً مقبل على عطلة أعياد الميلاد، وأن غالب المسؤولين فيه، سيغيبون عن ساحة الفعل السياسي، قريباُ و لنحو أسبوعين.

أما السبب الثاني، برأي المصدر الرفيع، فهو أن حجم الكارثة الإنسانية والجرائم التي تعرض لها السودانيون، طوال سنوات الحرب، والتي تكشفت جوانب مرعبة منها للعالم، في أعقاب استيلاء مليشيا الدعم السريع على مدينة الفاشر، هز الضمير العالمي، ووضع صناع القرار في الدول الغربية والمنظمات الحقوقية الدولية، أمام حقائق كاشفة، يصعب تجاهلها، ولهذا لم يكن هناك بد من التحرك.

أبعاد إنسانية:

ولفت المصدر، في حديثه لـ”المحقق” إلى أن جوهر الحراك الدبلوماسي الذي شهده السودان خلال الأيام العشرة الماضية، هو إنساني، تنموي، أكثر من كونه حراكاً سياسياُ، إذ أن طبيعة الوفود التي قدِمت إلى بورتسودان، تصنف في هذا الإطار.

مبعوثون غربيون:

خلال الفترة الماضية، زار عدد من المبعوثين الخاصين الغربيين بورتسودان، والتقوا بعدد من المسؤولين في الدولة، وتباحثوا في عدد من المجالات، وكان أبرز هولاء المبعوث النرويجي والمبعوث البريطاني، لكن هذا الحراك الدبلوماسي – يضيف المصدر – تصاعد بزيارة ثلاثية قام بها مبعوثون لما أسموا أنفسهم “دول شمال أوروبا”، وهي كل من السويد وفنلدا والنمسا، والتقوا خلال زيارتهم لبورتسودان برئيس الوزراء دكتور كامل إدريس، وبمسؤولين في مستشارية مجلس السيادة للعمل الإنساني، فضلاً عن لقائهم بالمسؤولين في وزارة الخارجية، وكذلك التقت وزيرة شؤون مجلس الوزراء، دكتورة لمياء عبد الغفار، بمنسقة الشؤون الإنسانية في السودان ، دينس براون، حيث قدمت المنسقة تنويراً عن الدور الذي تقوم به منظمات الأمم المتحدة من مساعدات للسودان في مجالات التعليم والصحة والعون الانسان، مؤكدة كامل استعدادها للتعاون مع الحكومة لإحكام التنسيق والتأكد من وصول العون الانسانى للمحتاجين، معربة عن أملها بأن يعم السلام كافة ربوع السودان.

وزارة المالية في قلب الحراك:

مصدر دبلوماسي رفيع، تحدث هو الآخر لـ”المحقق” لفت إلى أهمية النظر إلى النشاط الذي شهدته وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، ممثلة في وزيرها الدكتور جبريل إبراهيم، خلال الفترة الماضية، معتبراً أن ما حدث يمهد لتطبيع علاقات السودان المالية مع عدد من المؤسسات الإقليمية والدولية التي انخرطت بالفعل في الحراك الدبلوماسي الموجه للسودان.

ولفت المصدر إلى أنه خلال هذه الفترة، تباحث وزير المالية، مع صندوق النقد العربي، ومع البنك الأفريقي للتنمية، ومع مبعوثين من البنك الدولي ومع بعثة الصندوق الدولي للتنمية “إيفاد”، وأن هناك تفاهمات جديدة حدثت، سيجني السودان ثمارها في السنة المالية التي أقبلت.

حراك أممي سياسي وإنساني:

المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، رمطان لعمامرة، زار بورتسودان هو الآخر في بداية هذا الحراك الدبلوماسي، والتقى بكبار المسؤولين في الدولة وعلى رأسهم رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء و وزير الخارجية، ومن المؤكد أنه أطلعهم على الجهود المشتركة التي تبذلها الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي ومنظمة “إيغاد” والجامعة العربية والإتحاد الأوروبي، لإيجاد منبر للحوار بين الفرقاء السودانيين، وهو الحوار الذي بات الآن مهدداً بسبب إصرار هذا “الخماسي” على دعوة مجموعة “تأسيس” التي أضحت الواجهة السياسية لمليشيا الدعم السريع.

أما الجانب الأهم في الحراك الأممي، فهو الزيارة المطولة التي قام بها المفوض السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي إلى السودان، والتي اختتمت أمس، وزار خلالها الولاية الشمالية و ولاية الخرطوم، ليقف على حجم الاحتياجات الإنسانية في معسكرات النزوح، ويستمع إلى شهادات ناجين من مأساة الفاشر، ويقف كذلك على الخطوات التي اتخذتها ولاية الخرطوم لترحيل اللاجئين الأجانب إلى معسكرات حدودية في كل من القضارف والنيل الأبيض.

وعلى الرغم من أن غراندي، ليس معنياً بموضوع النازحين، إلا أن طبيعة الوفد الذي رافقه، واللقاءات التي عقدها عقب عودته إلى بورتسودان مع رؤساء مكاتب الأمم المتحدة، ممثلين في منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة بالسودان، والمديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونسيف”، وممثلي منظمة الصحة العالمية، وغيرها، يوضح بجلاء أن الأمم المتحدة قررت الانخراط الإيجابي مع الحكومة السودانية لمعالجة الجوانب الإنسانية للآثار التي خلفتها حرب مليشيا الدعم السريع على الشعب السوداني والبنى التحتية في البلاد.

ماذا بعد ؟:

لا شك أن هذا الحراك الدبلوماسي، بجانبيه الثنائي ومتعدد الأطراف، لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تواصل دبلوماسي كثيف، قادته وزارة الخارجية وعدد من مؤسسات الدولة المعنية بالعمل الخارجي، لكن من المؤكد أن ذلك التواصل والانخراط يحتاجان إلى متابعة لصيقة حتى يصبح ما تم الإتفاق عليه خلالهما أمراً واقعاً، ويكون بوسع السودان أن يجني الثمار في أقرب الأجال.

المحقق – خاص

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2025/12/12 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة وداع إفريقيا في “أقصر حرب في التاريخ”!2025/12/11 «المستشارة التى أرادت أن تصبح السيدة الأولى».. قصة لونا الشبل مع النظام السورى بعد فيديوهات مسربة مع بشار2025/12/09 السيسي يحبط خطة “تاجر الشاي المزيف في السودان”.. كيف أفشل الرئيس المصري تحرك الموساد؟2025/12/09 ما يزال وصول المنظمات الدولية إليها ممنوعاً.. الفاشر تتحول إلى “مسرح جريمة هائل”2025/12/07 الخرطوم تنهض من تحت الركام (1-3)2025/12/07 تقرير إسرائيلي يحذر من صاروخ مصري “قد يغير قواعد اللعبة”2025/12/07شاهد أيضاً إغلاق تحقيقات وتقارير المصارف السودانية في مصر … عقبات تنتظر الحلول 2025/12/04

الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: الحراک الدبلوماسی الأمم المتحدة المسؤولین فی

إقرأ أيضاً:

ما الذي دار خلال الاتصال الهاتفي بين ترامب ونتنياهو بشأن التصعيد ضد لبنان؟

نقلت شبكة "سي أن أن" عن مصدرين مطلعين قولهما إن الاتصال الهاتفي الذي أجراه ترامب مع نتنياهو، الاثنين، اتسم بنبرة حازمة، زعما فيه أن الرئيس الأمريكي دفع باتجاه تقليص "تل أبيب" نطاق عملياتها العسكرية التي كانت دولة الاحتلال تعتزم تنفيذها في لبنان.

من جهتها، نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" عن مصدر دبلوماسي قوله إن الرئيس ترامب وصف الاتصال الهاتفي مع نتنياهو بأنه كان "مثمراً للغاية" بعدما لوّحت "تل أبيب" بتوسيع عملياتها العسكرية لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت.


وفي تناقض للمواقف، ووفقاً للمصدر نفسه، خلص نتنياهو في محادثة أجراها مع وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الأحد إلى أنه في حال فشلت المحاولة الأمريكية للتوصل إلى وقف إطلاق النار، يمكن لدولة الاحتلال الرد بشكل متناسب في الضاحية ببيروت.

وبرر نتنياهو خلال تلك المحادثة أن هجمات حزب الله المستمرة على المستوطنات تستدعي رداً من قبل جيش الاحتلال، وقالت الصحيفة العبرية إن الأمريكيين على ما يبدو أبدوا تفهماً لهذا الموقف.

إلا أن نتنياهو أصدر لاحقاً بياناً أعلن فيه تجدد الهجمات على الضاحية، بصياغة وأسلوب أثارا استغراب إدارة البيت الأبيض، لا سيما لتناقضهما مع تصريحات نشرها مسؤولون أمريكيون على مواقع التواصل الاجتماعي.

في هذه المرحلة، تدخل ترامب شخصياً في ملف الأزمة اللبنانية، وتحدث مع مسؤولين لبنانيين نقلوا إليه رسالة مفادها أن حزب الله مستعد لوقف جزئي لإطلاق النار يمنع وقوع هجوم على بيروت، وفق ما أفادت به السفارة اللبنانية في واشنطن.

البيان الصادر عن السفارة اللبنانية في واشنطن:

في إطار المساعي التي تبذلها الدولة اللبنانية للحفاظ على الاستقرار وتجنيب لبنان المزيد من التصعيد، وفي أعقاب الاتصال الذي جرى بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، تلقت السلطات اللبنانية تأكيداً… — Lebanese Presidency (@LBpresidency) June 1, 2026
وكان ترامب يخشى أن يؤدي التصعيد في لبنان إلى الإضرار بالعلاقات بين دولة الاحتلال ولبنان، والأهم من ذلك بالمفاوضات التي كان يروج لها مع إيران.

بحسب مصدر دبلوماسي، كان الشاغل الرئيسي في واشنطن هو احتمال تنفيذ إيران لتهديداتها ومهاجمة دولة الاحتلال في حال شنت "تل أبيب" هجوماً على بيروت، وهو ما قد يُشعل فتيل حرب أوسع.

وفي هذا السياق، كان من المقرر إجراء محادثة أخرى بين ترامب ونتنياهو مساء الاثنين بتوقيت إسرائيل. إلا أن ترامب، حتى في مرحلة التحضير للمحادثة، بدا غاضباً ومُحبطاً.

وأفاد المصدران بأن ترامب أبدى غضباً واضحاً إزاء العملية التي هدد نتنياهو بتنفيذها، مستخدماً عبارات نابية خلال المحادثة بعدما رأى أن أي تصعيد إضافي قد يعرقل جهوده الرامية إلى التوصل لاتفاق أولي مع إيران.

وخلال الاتصال، ذكّر ترامب نتنياهو بمواقف الدعم التي سبق أن قدمها له، قبل أن يحذره من أن استهداف لبنان قد يدفع دولة الاحتلال نحو مزيد من العزلة الدولية، قائلا "إذا أرادت تل أبيب الحفاظ على الدعم الأمريكي، فعليها العمل في إطار الاتفاقات وعدم الانجرار إلى حرب واسعة النطاق".


من جانبه، أكد نتنياهو مجدداً موقفه بأن "تل أبيب" لا يمكنها تجنب الرد في ضوء الهجمات على المستوطنات، كما رفض التقييم القائل بأن إيران ستنفذ تهديداتها بمهاجمة دولة الاحتلال، مدعياً أن ذلك جزء من تكتيك التفاوض الإيراني.

ووفق تقييم أوروبي، فأن دولة الاحتلال تجاوزت الخطوط الحمراء التي وضعتها الولايات المتحدة بشأن الحرب في لبنان، وهو، بحسب المصدر، السبب الرئيسي لغضب ترامب.

وكشفت صحيفة "إسرائيل اليوم" أنه عقب نشر التصريحات المنسوبة إلى ترامب، تواصل عدد من الشخصيات الأمريكية والدبلوماسيين الحكوميين المعروفين بدعمهم لتل أبيب مع البيت الأبيض، مطالبين بتوضيح أو نفي بعض هذه التصريحات على الأقل.

ويرى هؤلاء المسؤولون أن هذه التصريحات تُلحق ضرراً بالغاً بدولة الاحتلال ومكانتها، بل وقد تُضفي شرعية على حالات ما وصفوها بـ"معاداة السامية" وجرائم الكراهية في أنحاء العالم، بما فيها الولايات المتحدة.

مقالات مشابهة

  • ما الذي دار خلال الاتصال الهاتفي بين ترامب ونتنياهو بشأن التصعيد ضد لبنان؟
  • دبلوماسي سابق: ترامب حالة استثنائية عن معظم الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه
  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • يونيو الجاري .. برامج علمية وبحثية تعزز الحراك الأكاديمي بجامعة التقنية
  • انخفاض ملحوظ بإجازات البناء والترميم خلال 2025