حضرموت.. مواجهات دامية بين الانتقالي وحلف القبائل الذي توعد بإخراج مليشيات الانتقالي بالحديد والنار
تاريخ النشر: 26th, December 2025 GMT
شهدت محافظة حضرموت شرقي اليمن، الجمعة، تصعيدا عسكريا جديدا أسفر عن قتلى وجرحى في اشتباكات بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي و"حلف قبائل حضرموت"، وسط دعوات إقليمية لخفض التصعيد.
وجاء التصعيد بعد قيام "الانتقالي" بتحريك قوات إلى هضبة حضرموت التي تعد إحدى أهم معاقل الحلف، بحسب مصادر رسمية وإعلامية.
وذكرت وسائل إعلام يمنية،أن "اشتباكات عنيفة اندلعت خلال الساعات الماضية بين قوات تابعة للمجلس الانتقالي ومسلحين من حلف قبائل حضرموت، في منطقة خرد الجبلية الواقعة فوق جبال العيص شمال مدينة الشِّحر، وسط استخدام مكثف لمختلف أنواع الأسلحة".
وأضافت المصادر الإعلامية أن المواجهات أسفرت عن سقوط عدد من القتلى في صفوف الطرفين، فيما أظهرت مقاطع مصورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي وصول عدد من الجرحى إلى مستشفى الشحر لتلقي العلاج.
وأفادت بأن قوات "الانتقالي" أحرقت خيام معسكر وادي نحب التابع للحلف في مديرية غيل بن يمين، ما أدى إلى تصاعد التوتر واتساع رقعة المواجهات في المنطقة.
** مقتل جنديين وإصابة 12 من "الانتقالي"
وذكر المركز الإعلامي لقوات المنطقة العسكرية الثانية (موالية للانتقالي) أن قوة من النخبة الحضرمية (تتبع المجلس) تعرضت مساء الخميس لكمين في منطقة "عيص خرد" بهضبة حضرموت.
وأوضح في بيان نشره عبر منصة فيسبوك، أن الكمين نفذته "مجاميع مسلحة خارجة عن النظام والقانون تتبع عمرو بن حبريش وسالم الغرابي" المنتمين لحلف قبائل حضرموت.
وتوعدت قيادة النخبة الحضرمية "برد قاسٍ ومزلزل يطال رؤوس الفتنة والمخططين لهذا الفعل الجبان"، حسب البيان.
فيما أعلنت "قناة عدن" المستقلة التابعة للمجلس الانتقالي، الجمعة، مقتل جنديين وإصابة 12 من قوات النخبة الحضرمية في عملية بهضبة حضرموت.
** الحلف يتوعد "الانتقالي"
بدوره، قال الشيخ صالح بن حريز المري، أحد أبرز قادة حلف قبائل حضرموت، إن "قوات الحلف جاهزة بخططها العسكرية الدفاعية والهجومية لردع قوات الانتقالي".
وأضاف المري، في كلمة مصورة، نشرتها وسائل إعلام محلية وصفحات ناشطين بمواقع التواصل الاجتماعي، الجمعة: "نحن هنا على ثقة كبيرة بعدالة قضيتنا، ومشروعنا سيتحقق بالوصول إلى الحكم الذاتي لحضرموت".
وخاطب المري قوات "الانتقالي" وهو محاط بعدد من المسلحين في وادي نحب: "سنخرجكم من أرضنا بالحديد والنار، وخططنا جاهزة للهجمات وتنفيذ الكمائن".
و"حلف قبائل حضرموت" تأسس عام 2013، ويطالب بحكم ذاتي للمحافظة الواقعة على ساحل البحر العربي، وهو كيان محلي لا يتبع للمجلس الانتقالي ولا للحكومة الشرعية.
** مطالبات متجددة بانسحاب "الانتقالي"
وعقب المواجهات في وادي حضرموت، أكد مستشار مجلس القيادة الرئاسي بدر باسلمة، سقوط قتلى، مجددا مطالبات المجلس الرئاسي بانسحاب قوات "الانتقالي".
وعلى حسابه بمنصة فيسبوك، قال باسلمة، الجمعة: "مؤسف ما يحدث من قتل بين صفوف الإخوة من أبناء المحافظات الجنوبية".
وأضاف المستشار الرئاسي أن "أبناء حضرموت يدافعون عن أرضهم وكرامتهم"، في إشارة لتأييده تحركات قوات الحلف.
وتابع: "أوجه رسالتي لقيادة الانتقالي بسحب القوات من حضرموت، والتوجه نحو العمل القانوني والدبلوماسي لتحقيق ما يرضي أبناء المحافظات الجنوبية".
وزاد: "كرهنا (هتاف) ‘الوحدة أو الموت‘ واستبدلناها بشعار ‘الجنوب أو الموت‘، فأصبح الموت بين أبناء الجنوب".
المصدر
المصدر: مأرب برس
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026