خطة التنمية الخمسية القادمة والآليات الحكومية «1/2»
تاريخ النشر: 27th, December 2025 GMT
يشهد هذا الأسبوع نهاية عامٍ مرحلي في مسيرة البناء والتنمية في عُمان، وهو يؤذن بإغلاق خطة التنمية الخمسية العاشرة (2021 ـ 2025)؛ حيث من المتوقع أن تُعلن الحكومة عن إطلاق خطتها التنموية الحادية عشرة (2026 ـ 2030)، وإعلان الميزانية الأولى في سنوات الخطة لعام 2026، وهي أحداث مهمة؛ لانقضاء الخمسية الأولى من «رؤية عُمان 2040»، وبالتالي انتهاء الربع الأول من مسارها.
وهي مهمة؛ لأن عملية الإصلاح الإداري والمالي الشاملة التي عاشتها البلاد في الخمسية الماضية يفترض بها أن تؤتي نتائجها وأكلها وانعكاساتها، وتراكم نجاحاتها في الخمسية القادمة.
وهي مهمة؛ لأن الدولة كذلك خلال السنوات الفائتة استطاعت وضع أساس أولي متين للاستدامة المالية، وخطط محكمة لاستدامة النمو الاقتصادي، وشرعت في تجديد منظومة علاقاتها وشراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية بما يسمح بتعظيم أثر تلك العلاقات والشراكات على المشهد الاقتصادي المحلي من ناحية، والاندماج المؤثر في الاقتصاد الإقليمي والدولي من ناحية أخرى.
وخلال الخمسية الماضية استحدثت الدولة عددًا من الآليات، وهي الأدوات والمنهجيات التي تضمن تحقيق الأهداف المرحلية، وتنفيذ البرامج الاستراتيجية لخطة التنمية الخمسية، والأجندة الوطنية عمومًا، فاستحدثت (البرامج الوطنية) بوصفها مسرعات للأولويات التنموية القصوى؛ حيث في الشق المالي كان الهدف المرحلي تحقيق التوازن المالي، ثم أتبع بالاستدامة المالية وتطوير القطاع المالي، وللتعاطي مع الإشكالات الهيكلية لسوق العمل والتشغيل تم استحداث البرنامج الوطني للتشغيل، وهكذا بالنسبة للأجندة الوطنية الأخرى، وكانت وظيفة مثل هذه البرامج كـ«آليات حكومية» ليس فقط استحداث المبادرات أو اقتراح السياسات المعينة على تطوير أو معالجة أو تجويد القطاعات والقضايا التي تتجه إليها، بل المساعدة على الجانب الآخر في خلق زخم وطني لتلك الأولويات والأجندة.
وفي سياق الاهتمام بوضع أسس ومعايير لإنتاجية الموظفين في القطاع الحكومي؛ استحدثت منظومات «إجادة» لقياس الأداء الفردي، وأخرى لقياس وتقييم الأداء المؤسسي أخذًا بالنقاشات المجتمعية والمؤسسية التي صاحبتها، ومحاولات التطوير الدوري التي طرأت عليها.
وفي سبيل تحقيق اتصالٍ حكومي فعالٍ ومتسق، وإشراك دوري للمجتمع لوضعه في صورة السياسات والمتحققات الوطنية استحدث ملتقى معًا نتقدم كـ«آلية حكومية» حاشدة لهذا الاتجاه ومؤسسة له.
وكذا الحال بالنسبة للملف الذي يعتبر أحد موجهات السياسة الداخلية لسلطنة عُمان منذ بداية نهتضها الحديثة، وهو «التنمية المتوازنة بين النطاقات الجغرافية المختلفة»، فوجدت السياقات التشريعية والمؤسسية والمالية الضامنة للاتجاه نحو تنمية المحافظات كـ«آلية حكومية» ضامنة وموجهة مؤسسيًا لضمان عدالة التنمية وتوزعها الجغرافي. إضافة لذلك شهدت المرحلة جملة موسعة من الآليات الحكومية الأخرى التي تتفاوت في مستوياتها بين الآليات الجامعة التي تشترك فيها الدولة بمؤسساتها وقطاعاتها المختلفة، والآليات الحكومية القطاعية التي تعنى بالتركيز على قطاعات بعينها، والآليات الحكومية المؤسسية التي انتهجت على المستوى المؤسسي لتحقيق أهداف مرحلية حكومية.
ما نريد قوله في هذا السياق أنه إلى جانب التقييم المحوكم لخطط وبرامج المرحلة، والوقوف على مؤشراتها، وما حققته من نتائج ـ سواء في مستوى خطة التنمية الخمسية، أو في مستوى مؤشرات ومستهدفات «رؤية عُمان 2040»، أو في مستوى ما وضع من أهداف مرحلية ـ
فمن المهم كذلك تقييم كفاءة ومناسبة (الآليات الحكومية) بوصفها المنهجيات التي أوصلت لتلك النتائج أو تلك الحالة الراهنة للمؤشرات، والتفكير في عملية تجديد تلك الآليات واستحداث ما ينسب منها بما يتوافق مع مقتضى المرحلة القادمة ومتغيراتها؛ ليس فقط في سياقها المحلي، وإنما في ظل ما تمليه كذلك المتغيرات الإقليمية والدولية. ولعلنا نسجل بعض الملاحظات والأفكار في هذا الصدد.
فعلى مستوى البرامج الوطنية فإن المنظور الذي نعتقد أنها يجب أن تنطلق منه هو التكاملية والترابطية مع البرامج الأخرى.
وهذا بدون أدنى شك مرهون بحدود الصلاحيات والأدوات المتاحة لها، فأي برنامج يتجه على سبيل المثال لتعزيز وجذب الاستثمار وترويج البيئة الاستثمارية يجب ألا ينفصل في أهدافه ومؤشراته وآلياته وحوكمته وإجراءاته عن أهداف تكاملية مع البرامج الأخرى، كهدف التشغيل، وهدف مضاعفة المحتوى المحلي، وهدف تحقيق تنويع الإيرادات الداعمة للاستدامة المالية للدولة، وهدف تنويع الاقتصاد، وهدف مضاعفة جودة مهارات ومعارف القوى العاملة البشرية ورفع تنافسيتها، وكل تلك أهداف متقاطعة مع البرامج الأخرى، وتنسحب عليها. وعلى مستوى ملف قياس وتجويد أداء الموظفين والمؤسسات الحكومية من المهم الانتباه إلى عنصر (الأثر) في عمل الموظف أو المؤسسة، وليس فقط إنجاز ما حدد من برامج وإجراءات بحلول فترة زمنية معينة، وتعضيد تلك المنظومات بحيث تكون قابلة لقياس الأثر بطريقة محكمة وفاعلة وملموسة لعموم المجتمع أو الدولة.
وفيما يتعلق بملف «تنمية المحافظات» نعتقد أنه تم الاستثمار في الأسس الجيدة التي تمكن هذه المحافظات من الانطلاق الاقتصادي والاجتماعي خلال الخمسية الفائتة، وأن المرحلة المقبلة تتطلب وجود «الآليات الحكومية» التي تدفعها نحو تحقيق عدم المركزية بمفهومها الاقتصادي التنافسي، والاعتمادية على الخصائص والموارد المتاحة في حيزها الجغرافي والبشري الملموس وغير الملموس لتحقيق اكتفاءها الاقتصادي، وتحسين جودة حياة ساكنيها بالإضافة إل الحاجة الملحة لوجود آليات لـ«تكامل» البرامج وتنسيق الجهود واستحداث المبادرات والمشروعات المشتركة في المحافظات التي تشترك وتقترب في سياق حيزها الجغرافي أو تتماثل في سماتها وخصائصها مع ضرورة انتقال عمليات التشغيل واستحداث فرص العمل كمؤشر اقتصادي يبدأ وضعه للمحافظات ودعمها ومساندتها في العمل على تحقيقه بشكل مرحلي.
في الجزء التالي من هذه المقالة سنتحدث عن ثلاثة عناصر داعمة، وهي: الآليات الحكومية التي يمكن استحداثها لتواكب المرحلة، والسياق العالمي المتغير الذي تجري فيه خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة بالإضافة إلى الكيفية التي يمكن أن تكون بها أهداف المرحلة وأجندتها حيوية ومرنة بالقدر الكافي للتعاطي مع عالم متغير.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: خطة التنمیة الخمسیة الآلیات الحکومیة
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..