إلى الراجين الري في الجزيرة … عندما تصبح المواسير مواسير
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
من اللزمات الاسلوبية الشائعة التي تستخدم في التعبئة لإنجاز بعض المشاريع القائمة التي أصابها البوار أو تراجعت في مخرجاتها، عبارة “سنعيدها سيرتها الأولى”، يبدو لي أن هذا قصور في الهمة وزهد في التطور، إذ يجب أن يكون الطموح في السعى نحو الأحسن والأجود ، فتلك السيرة الأولى الحسنة أنجزها قوم سلفوا فينبغي أن يكون سعيك أنت نحو الأحسن، كما أن الحقيقة تقتضي أن نضع في البال أن تكرار التاريخ بإيجاد نسخة طبق الأصل من الذي مضى أمر مستحيل، فالماء لايجري في ذات مجرى النهر مرتين …فلابد أن يكون هناك تغيير بفعل عامل الزمن حتى ولو كان ذلك الزمن ثانية واحدة.
أريد التوسل بهذة الرمية للحديث عن سيرة مشروع الجزيرة الأولى التي ينادي بإعادتها البعض، فهذا المشروع قد تكون له شيء من الفترات المربحة بالنسبة للانجليز الذين أنشأوه، وكذا حكومات السودان المبكرة التي ورثت الحكومة الانجليزية، وكذلك للموظفين الأوائل الذي عملوا فيه، أما بالنسبة للشريك الرئيسي وهو المزارع فسيرته الأولى سيرة مؤسفة كلها ظلم واستغلال واستحمار والحساب ولد، و(المكضبنا وما مصدقنا) يقرأ منشورنا القادم إن شاء الله ..
دا كله كوم أما الكوم الآخر وهو الأهم أن هذا المشروع وبموارده الضخمة الحالية من مساحة واسعة، و أرض سهلية طينية منحدرة، نسبة التبخر والتسرب فيها منخفضة، وشمس مدارية ساطعة، ومياه سطحية ومنسابة، وأمطار موسمية متفاوتة، وموقع جغرافي قاري ليس بعيداً من البحر ، وكثافة سكانية مرتفعة، ونظام ري من خزانات (سنار الرصيرص) وقنوات وكباري، وخبرة تراكمية، وعروتين صيفية وشوية، تتيحان إنتاج محاصيل غذائية ونقدية، و خضروات، وفواكه، ومنتجات غابية ومنتجات حيوانية وسمكية، (لندع باطن الأرض وما فيها من مياه جوفية وبترول ومعادن جانباً لأن ذلك سوف يدخلنا في الاقتصاد الريعي)، وإن كانت المياه الجوفية يمكن أن تقوم بدور تكميلي لما تقوم به المياه السطحية إذا دعت الحاجة، هذا المشروع بهذه الامكانيات لم يعط أكثر من عشرة في المية من طاقته المتاحة … بعبارة أخرى تسعين في المية من طاقة المشروع غير مستغلة أو مهدرة… (الفقر كعب) خاصة ذلك النوع من الفقر الذي يفضي للمزيد من الفقر (أها دا ياهو فقرنا ذاتو )…
رغم كل الذي تقدم أسمحوا لي بأن أناقض نفسي وأتمنى أن تعود قنوات الري الرئيسية والفرعية في المشروع، إلى شكلها الأول من حيث العمق والحواف وإن شئت قل الضفاف، في الجزيرة يقال (قيفة الترعة) ياربي المهندسين بسموها شنو ؟ …ماعدا الشكل كل نظام الرى قابل للتطوير إلى أن يصل الري بالتنقيط والرشاشات … حتى شكل القنوات قد يقتضي التطور المدروس تغييره ..ولكننا الآن في اليوم العلينا دا والحالة النحن فيها دي ، محتاجين وبصورة عاجلة للقنوات بصورتها القديمة …محتاجين لمعالجة الخراب الذي أصابها في مطلع تسعينات القرن الماضي …
القنوات الرئيسية في مشروع الجزيرة كانت أبقاراً مقدسة، ممنوع منعاً باتاً الاقتراب منها إلا لمهندسي الري وكراكاتهم، أما القنوات الفرعية فكان يقوم عليها غفراء أشداء يلبسون عمامة صفراء، المزارع ينتظر الماء في أبوعشرين، أي اقتراب للمزارع ناهيك عن المواطن العادي من مأسورة الترعة أي القناة يعتبر جناية توجب المساءلة ..
صيانة القناة تقوم على ثلاثة أركان المحافظة على حافتيها ومستوى ارتفاعهما ثم إزالة الطمي وإزالة الحشائش وبهذا يظل المنسوب في المستوى المطلوب، لم يكن هناك حفراً سنويا .. الكراكة (أم دلو) كنا نراها كل أربع سنوات في القناة الفرعية، هذة الكراكة رغم قبحها كان يعشقها أبو الري الحديث في السودان المهندس صغيرون الزين صغيرون ..فلُقب بـ”عاشق الكراكة” لأنه كان يرى فيها الزراعة المفرهدة…و البهائم الراتعة ..كان يراها مدخلا للخير والخصب والنماء …كان يراها وجهاً حسناً لأنها تجلب الخضرة، من يطلب من الدكتورة انتصار الزين أن تكتب كتاباً عن والدها العظيم كما فعلت خالتها البروف فدوى عبد الرحمن علي طه لوالدها العظيم لكي يعرف السوادنة من الذي بنى السودان الحديث ؟ ..فيما يليني فإن شاء الله شرعت في هذا لكي أثبت أن ذلك المزارع في مشروع الجزيرة هو عظيم وصانع تاريخ ولايقل إسهاماً في بناء هذا السودان المنكوب ببنيه السياسيين ..
عودة إلى موضوعنا بعد هذا التداعي، كان الطمي المستخرج في العام في كل الجزيرة حوالي ستة عشر مليار متر مكعب .. يوضع على جانب القناة …تمشي عليه الحيوانات السارحة …ثم تحمله الريح إلى الحواشات فيزيدها خصوبة …كانت عمليات الحفر يقف عليها مهندسو الري وعماله بأدواتهم العملية والعلمية ليأتي مستوى المياه ومنسوبها في القناه بالوضع المطلوب بالشوكة والشنكار كما يقولون ….. وبالدراجي يسمون ذلك (ميزانية الترعة)، فيندر أن تسمع شكوى من العطش ، لا في أول الترعة ولا في آخرها …لا في أول بيت ولا آخر بيت (معذرة التفصيل لأهل الجزيرة أما للأهل من خارجها فالمقصود هو كل الأرض المزروعة تروى بالصورة المطلوبة )..
ثم مر على السودان زمن أهملت الزراعة واضطربت الإدارة في الجزيرة للبوار العالمي الذي إصاب محصول القطن، عماد الدورة الزراعية وداعم الخزينة العامة الأول، وتم تهميش مهندسي الري من قبل الإدارة الزراعية …. وظهرت الشركات المسنودة سياسياً.. التي امتلكت البوكلينات الخفيفة بدل الكراكات الثقيلة … وأعطيت عطاءات الحفر في الجزيرة دون مناقصة معلنة …ورفعت عنها الرقابة… وحوسبت بالكم وليس بالكيف… فأخرجت في عام واحد قرابة المائة مليار متر مكعب من الطمي… فاضطربت ميزانية القنوات فأصبحت المياه فيها دون مستوى مأسورة أبوعشرين … وأصبحت ضفافها عبارة عن جبال لا تطلعها بقرة أو عنزة أو نعجة .. ولا تحمل الريح منها إلا النذر اليسير … من أراد دقة الأرقام عن الطمي عليه الرجوع لتقرير لجنة الدكتور عبد الله عبد السلام …لقد قرأته ساعة صدوره… وضاع الآن مني ضمن ما ضاع من المكتبة التي أوقد الدعامة بها النار تحت سرير السكسبندة لشواء لحم بهائمي … فكتبت ما كتبت عنه من الذاكرة التي لم يقصر الدعامة معها هي الأخرى ..
مناسبة هذا الموضوع هي أنني شاهدت فيديو مرسل لي من بلدياتي وصديقي الاستاذ عبد الله جاد الله أحمد نمر مدير وكالة سونا للانباء السابق .. والمزارع الآن .. يظهر فيه أهلنا المزارعين من قرية الهبيكة وهم يخوضون في قناة الري لتنظيفها من الحشايش يدوياً لتلافي العروة الشتوية .. المنظر يكشف التدهور الذي وصل إليه الري في المشروع …في نفس الوقت وصفه عبد الله بأنه برضو كويس …اتفق معه في أنه برضو كويس ولكن مع زيادة في الحيثيات وإن شاء الله هذا هو موضوع مقالنا القادم.
دكتور عبد اللطيف البوني
إنضم لقناة النيلين على واتسابPromotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2025/12/27 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة إسحق أحمد فضل الله يكتب: (والحكومة العالمية تعمل)2025/12/27 الخرطوم وأنقرة .. من ذاكرة التاريخ إلى الأمن والتنمية2025/12/27 مساء الخير.. (بيعُ القصائِد.. وشراء الحريّة والكرامة)2025/12/27 دقريس: كارثة انسانية وامتحان للأدعياء2025/12/26 أنا بلا تهويل بالنسبة لي القحاتة أعظم خطرًا مِنْ الجنجويد2025/12/26 يا الجمعة الجامعة2025/12/26شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات حليف يعلم أدق تفاصيل المخطط الجهنمي الذي يستهدف السودان 2025/12/26الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: فی الجزیرة
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026