متى تصبح السياسة اللبنانية مصدرًا للبرامج الوطنية؟
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
جان يعقوب جبور
في لبنان، لم تكن السياسة يومًا فقيرة بالكلام، لكنها كانت دائمًا شحيحة بالبرامج؛ فمنذ عقود، تدور الحياة السياسية في حلقة مفرغة من الخطابات الطائفية، والتجاذبات الشخصية، والتسويات الظرفية، فيما يغيب السؤال الجوهري: متى تتحول السياسة اللبنانية إلى مساحة لإنتاج برامج وطنية حقيقية تعالج أزمات الناس والدولة؟
الواقع أن السياسة في لبنان لم تُبنَ بوصفها أداة لإدارة الشأن العام، بل كامتداد لتوازنات طائفية ومذهبية، جعلت من الزعيم بديلًا عن المؤسسة، ومن الولاء بديلًا عن الكفاءة.
لا يمكن الحديث عن برامج وطنية في ظل نظام سياسي يجعل الطائفة وحدة العمل السياسي الأساسية. فالبرامج بطبيعتها عابرة للهويات الضيقة، بينما يقوم النظام اللبناني على تكريس هذه الهويات في الانتخابات، والإدارة، وتوزيع النفوذ. والنتيجة أن الأحزاب تُخاطب جمهورها بوصفه جماعة خائفة لا مواطنين أصحاب حقوق.
وغياب المحاسبة وانعدام المنافسة البرامجية تنعكس سلبًا على الانتماء الوطني والسيادة؛ ففي الدول التي تُنتج برامج وطنية، يتنافس السياسيون على الرؤى: كيف يُصلح الاقتصاد؟ كيف تُدار المالية العامة؟ كيف تُحمى السيادة؟ أما في لبنان، فغالبًا ما تُحسم الانتخابات بالانتماء لا بالأداء، وبالخطاب العاطفي لا بالخطط. وحين تغيب المحاسبة، تنتفي الحاجة إلى البرنامج. يضاف إلى ذلك، أن الارتهان للخارج وتشويه الأولويات يمثل عاملًا خطيرًا يتمثل في ارتباط جزء من القرار السياسي اللبناني بمحاور خارجية؛ فالسياسي المرهون لا يُنتِج برنامجًا وطنيًا، بل يُدير مصالح، ويُكيِّف مواقفه وفق حسابات لا علاقة لها بحاجات الدولة والمجتمع.
والدولة الغائبة والمؤسسات المُعطّلة من أهم العوامل التي تؤدي إلى غياب الوطنية والمواطنة؛ لأن البرامج الوطنية تحتاج إلى دولة، لا إلى ساحة مفتوحة للتسويات. وحين تتحول المؤسسات إلى أدوات تعطيل أو مقايضة، يفقد العمل السياسي معناه الإصلاحي، ويصبح مجرد إدارة أزمات متراكمة.
ورغم قتامة المشهد، يبقى الرهان على تحوّل تدريجي في وعي الرأي العام، خصوصًا لدى الأجيال الشابة التي بدأت تطرح أسئلة خارج القوالب التقليدية. فكل ضغط شعبي مُنظَّم، وكل مُطالَبة بالمحاسبة والشفافية، تُجبِر القوى السياسية على الانتقال من منطق التعبئة إلى منطق التخطيط.
وفي الخلاصة.. تصبح السياسة اللبنانية مصدرًا للبرامج الوطنية عندما تُفكّك بنيتها الطائفية، ويُعاد تعريف العمل السياسي بوصفه خدمة عامة لا وسيلة نفوذ. وعندما يدرك اللبنانيون أن مستقبلهم لا يُبنى بالخوف ولا بالولاءات؛ بل برؤية وطنية جامعة تُقاس بالنتائج لا بالشعارات. وحتى ذلك الحين، ستبقى السياسة في لبنان ساحة صراع، لا ورشة إنقاذ.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
صراحة نيوز – قال وزير الشؤون السياسية والبرلمانية عبد المنعم العودات: إن الشباب يشكلون محور مشروع التحديث السياسي وغايته في آن واحد، فهم القوة الأكثر قدرة على تجديد الحياة العامة وإثرائها بالأفكار والمبادرات الخلاقة، مؤكداً أن نجاح مسار التحديث يقاس بمدى انخراط الشباب في العمل الحزبي والسياسي وتحولهم إلى شركاء فاعلين في رسم السياسات العامة وصناعة المستقبل.
جاء ذلك؛ خلال رعايته اليوم الثلاثاء إطلاق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية بعنوان “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”، الذي تنفذه الوزارة لشباب وشابات الأحزاب السياسية في محافظات المملكة كافة، جاء ذلك بحضور عدد من أمناء عامي الأحزاب السياسية وممثلي عن فئة الشباب المنتسبين لها.
وأكد العودات أن مشروع التحديث السياسي الذي أطلقه الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم يمثل مشروعاً وطنياً إصلاحياً متكاملاً، يؤسس لمرحلة جديدة في الحياة السياسية الأردنية تقوم على المشاركة الواسعة، والعمل الحزبي البرامجي، وتعزيز حضور الشباب في مواقع التأثير وصنع القرار.
وأضاف أن التحديث السياسي لا يقتصر على تطوير المنظومة التشريعية والمؤسسية، بل يستهدف ترسيخ ثقافة سياسية جديدة قوامها المشاركة والمسؤولية والالتزام الوطني، وتعزيز الثقة بالعمل العام، وتمكين المواطنين من الإسهام الفاعل في صناعة القرار من خلال الأطر الديمقراطية والحزبية.
وبين الوزير أن المواطنة الفاعلة تمثل أحد أبرز المرتكزات التي يقوم عليها مشروع التحديث السياسي، مشيراً إلى أن المواطنة في مفهومها الحديث تتجسد في المشاركة الإيجابية، وتحمل المسؤولية، والإسهام في خدمة المجتمع والدولة، وترسيخ قيم الحوار والتعددية واحترام الرأي الآخر.
ولفت الوزير أن ترسيخ قيم سيادة القانون وتعزيز المواطنة الفاعلة يعدان من أهم الاهداف الاستراتيجية لمنظومة التحديث السياسي، باعتبارهما الأساس الذي تقوم عليه الدولة المدنية الحديثة، والقادرة على توسيع المشاركة السياسية وتعزيز الاستقرار الوطني وترسيخ نهج الإصلاح والتطوير.
واختتم العودات بالتأكيد أن الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، ماضٍ بثقة في مسيرة التحديث والتطوير، مستنداً إلى وعي أبنائه وإيمانهم بدولتهم ومؤسساتهم، وإلى دور الشباب بوصفهم الشريك الأبرز في بناء المستقبل وصون المنجزات الوطنية وتعزيز مكانة المملكة على مختلف الأصعدة.
ويهدف المشروع إلى تعزيز قيم المواطنة الفاعلة وسيادة القانون لدى الشباب وزيادة المشاركة السياسية الواعية والمسؤولة لديهم، وتعزيز انخراطهم الايجابي في الحياة الحزبية والعامة ضمن إطار ديمقراطي قائم على الحوار واحترام التنوع، وذلك من خلال عدد من الجلسات النقاشية والانشطة التفاعلية المخصصة للشباب من الاحزاب السياسية في محافظات المملكة كافة.
كما تم خلال حفل الاطلاق عرض فيديو بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين.