عربي21:
2026-06-02@21:45:08 GMT

تونس الممكنة.. بين اليأس والرجاء!

تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT

هذا كتاب يفسده التلخيص، وإن كانت الحكمة التي يخلص بها المرء بعد قراءته، هي أن من نظر إلى بلوى غيره هانت عليه بلواه؛ حكمة بالغة فما تُغني النذر!

الكتاب هو "تونس الممكنة"، الذي صدر مؤخرا، والكاتب هو عماد الدائمي؛ مدير ديوان الرئاسة في فترة حكم الدكتور المنصف المرزوقي، والسياسي والبرلماني التونسي المعروف، والذي تقدم للترشيح للانتخابات الرئاسية الأخيرة، منافسا للرئيس قيس سعيد، ولم يمكّن من ذلك، وتم التعامل مع المنافسة منه ومن غيره على أنها عمل إجرامي يعاقب عليه القانون، قانون قيس المذكور، الذي هو في "الراس وليس في الكراس"!

أما أنه يفسده التلخيص، فلأنه يرصد أزمة الدولة التونسية منذ النشأة والتكوين للمرحلة الحالية، وهو يمثل مراجعات لرجل عُرف بها، ويعترف بالأخطاء التي ارتكبت من جانب التيارات السياسية التي تمكنت من الحكم بعد الثورة، وأوردتها مورد التهلكة، ويعترف بنصيبه من هذه الأخطاء.

وهي شجاعة يفتقدها كثيرون، ويشعر بها الذين شاهدوا المآسي على مر التاريخ، مع الهروب من التقييم لها، فكان من الطبيعي أن تتكرر، مع أن مثل هذه المراجعات وتأملها كان يمكن أن يحمي الثورة المصرية مما جرى بعد ذلك!

مراجعات الدائمي

عندما اشتد الوطيس في السنة الأولى للانقلاب في مصر، رأيت من المناسب الهروب قليلا من هذه الدوامة، ولأن الشيخ يوسف القرضاوي كان أهداني مؤلفاته عن سيرة حياته، فقد استبعدت الجزء الأول والثاني لوقت لاحق، وهو ما يتحدث فيهما عن طفولته وشبابه، فإذا بي أجد وكأنني هربت من الهم القائم إليه، فقد كان يعرض محنة 1965 بين الإخوان والحكم العسكري، فإذا بها -يا إلهي- حديثا عن الواقع الذي تكرر أمام ناظرينا مرة أخرى، وقد مر القوم بكل هذه التجربة الأليمة، فكيف بهم يثقون مرة أخرى في العسكر؛ هذه الثقة العمياء؟!

عماد الدائمي أهلٌ لهذه المراجعات، فقد شهدت حياته على المستوى الشخصي مثلها، فغادر حركة النهضة، وفكر الإسلام السياسي، وانتمى للفكر الديمقراطي، وإن لم يغير موقعه السياسي كمعارض. وجاءت الثورة التونسية على قدر، لتتصدر المشهد قوى سياسية كانت مطاردة، وجدت الطريق ممهدا إلى قصر قرطاج، لكن الأمور لم تكن بسيطة كما تصورها هؤلاء البسطاء، فأهدروا ببساطتهم السياسية التجربة، فلم يكن لديهم التصور الكامل للدولة وتعقيداتها، والتجارب لا تنتصر بحسن النية وسلامة الطوية.

لقد كانت مرحلة وصفها الدائمي بقوله: "الانتظارات الكبيرة والنتائج الهزيلة"، إذ انشغل السياسيون بما يخصهم، وتجاهلوا مشاكل الشعب وآماله، وربما تعالوا عليها. فـ"مع سقوط النظام عمت تونس موجة أمل جارفة، كما يحدث في كل ثورة تتطلع إلى العدالة والانعتاق".

ورصد صاحبنا آمال المواطنين: "كل مواطن يتخيل أن الثورة ستغير واقعه جذريا، فتحسن دخله، وتوفر عملا كريما، وتعيد إليه الشعور بالأمان والكرامة، ساد شعور بأن التهميش سينتهي، وأن الدولة الجديدة ستنحاز للفئات الضعيفة وتكافئ التضحيات"، بينما "انغمست النخب السياسية في ترتيب ملفات المرحلة الانتقالية، من كتابة الدستور إلى تنظيم الانتخابات إلى تنزيل العدالة الانتقالية، وهي قضايا تهم النخبة بالأساس، دون أن تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، في المقابل كان الناس في تونس كما في سائر المجتمعات، يبحثون عن شيئين اثنين لا غنى عنهما: رزق مضمون وأمن مستقر".

انقسام النخبة

ولعل المشكلة الأكبر التي عانت منها الثورة التونسية هي ما وصفها عماد الدائمي بانقسام النخب وعودة الاستقطاب: "فما إن بدأت المرحلة الانتقالية، حتى دخلت النخبة السياسية في حالة الاستقطاب الأيديولوجي الحاد، تغذيه الحسابات الحزبية الضيقة، وهوس التموضع داخل مشهد سياسي ناشئ دون أرضية مشتركة أو قواعد واضحة للعب الديمقراطي".

إنها ذاتها المشكلة التي عانينا منها في مصر وبمكر مبكر، فقد كان الثوار في ميدان التحرير أمة واحدة، فما أن أعلن مبارك التنحي حتى ترك الرماة مواقعهم، وظنوا أن الثورة انتصرت، وأنه جاء وقت جمع الغنائم. وكنا نعاني مراهقة سياسية، كتلك التي عانت منها الثورة التونسية، ورصدها عماد الدائمي في كتابه "تونس الممكنة"!

ولم يكن الوافدون على قصور الحكم يمتلكون أي خبرة تذكر في التعامل مع الموقف، وهي واحدة من مشكلات الربيع العربي؛ فوطأة الديكتاتوريات لم تترك لأحد حرية الخيال، الذي به يمكن للإنسان الطبيعي أن يفكر في سقوطها، ثم يدفع به خياله في تصور نفسه في التجربة الجديدة.

وقد أنتج الاستبداد على مدى التاريخ ثقافته الدينية الخاصة، والتواضع الصوري، الذي يندمج مع الحالة، مع تجاهل كامل لموقف سيدنا يوسف الذي قال: "اجعلني على خزائن الأرض"، مؤكدا امتلاكه لمقومات الوظيفة: "إني حفيظ عليم". فلما جاءت الفرصة، كان من اقتنصها من يفتقدون للخبرة في إدارة شؤون دولة معقدة بطبيعتها، مع افتقادهم للخيال كذلك، وسيطرة وهْم الانتصار الكامل عليهم، فاندفعوا في معارك جذرية مع الدولة السابقة، من خلال رفع شعارات مقاومة الفساد، واستئصال كل من ينتمي للدولة السابقة دون رحمة، ودون استمالة من لديهم استعداد لذلك، فابتعلتهم الدولة العميقة.

دولة تونس العميقة

ومع أن الدولة المصرية قديمة، إلا أنها ليست بتعقيدات الدولة التونسية كما وقفت عليها من كتاب عماد الدائمي، عندما تحدث عن الدولة العميقة في الخضراء؛ فما عندنا أكثر بساطة من الحالة التونسية.

ومع الشعارات البريئة عن ضرورة استئصال كل من يرتبط بالنظام السابق بصلة، حتى من أبدى مرونة مع الوضع الراهن، فقد كانت هناك اختراقات للمشهد الثوري بالرضا الكامل من أطرافه. فهناك تمويل من جانب رجال الأعمال لحملة حركة النهضة الانتخابية، وفي الوقت ذاته لحركات مناهضة لها، وهو أمر كاشف عن ذكاء خطير لهؤلاء الناس، ربما أنتجه الجبن، ورأس المال جبان بطبيعة الحال!

لقد وجدتني بعد قراءة كتاب "تونس الممكنة"، أمام إشكالية بين حديث الكاتب عن الدولة العميقة، والبراءة الثورية في رفض كل من كانت له صلة بالنظام السابق، فهل ينحاز لفكرة استمالتها، أم رفضها وتفكيكها؟

عموما، فرغم أنه كتاب أزمة، إلا أن الدائمي لا يفقد الأمل في أن الحاصل الآن -على بؤسه- مرحلة عارضة، وأن الكتاب قد يصلح مانيفستو لمرحلة ما بعد قيس سعيد، ولتدارك الأخطاء التي وقعت فيها النخبة التونسية بعد الثورة.

إنه كتاب يفسده التلخيص!

x.com/selimazouz1

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه تونس الثورة المصرية التجربة مصر تونس ثورة تجربة مراجعة مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة رياضة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تونس الممکنة

إقرأ أيضاً:

الحكم بسجن راشد الغنوشي 106 سنة ومدى الحياة في تونس

أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، مساء اليوم الثلاثاء، أحكامها في ما يُعرف إعلاميًا بـ "قضية الجهاز السري لحركة النهضة"، في ملف واسع شمل 35 متهمًا، وتراوحت العقوبات فيه بين السجن لعشر سنوات والسجن مدى الحياة، إضافة إلى أحكام تراكمية بعشرات السنوات.

وقضت المحكمة بالسجن مدى الحياة مع  ثلاثين سنة سجنا ضد رئيس الحركة راشد الغنوشي، و42  عاما ضد نائبه علي العريض ،و96 سنة سجنا لمصطفى خذر والسجن مدى الحياة مع 76 سنة سجنا لرضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي وسبعة متهمين آخرين، بينما أكد مصدر لـ"عربي21" أن إجمالي الأحكام ضد الغنوشي بلغ 106 سنة، بالإضافة حكم بالسجن مدى الحياة.

وحسب مصدر قضائي لوكالة الأنباء الرسمية، فقد قضت المحكمة بـ"ثبوت إدانة المتهمين من أجل جرائم تكوين وفاق إرهابي والإنضمام عمدا بأي عنوان كان داخل تراب الجمهورية إلى وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية ووضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاق إرهابي وعلى ذمة أشخاص لهم علاقة بالجرائم الإرهابية وجرائم ارهابية اخرى منصوص عليها بقانون مكافحة الارهاب".


وقضت المحكمة أيضا بالسجن مدى الحياة مع 50 سنة سجنا لفتحي البلدي والسجن مدى الحياة مع 37 سنة سجن لعبد العزيز الدغسني والسجن مدى الحياة مع 32 سنة سجنا لكمال البدوي والسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجن لسمير الحناشي والسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجنا لراشد الغنوشي.

يشار إلى أن الملف تم فتحه سنة 2022 إثر شكوى قدمتها النيابة العمومية وفريق الدفاع عن السياسيين  شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا تباعا في فبراير  ويوليو من سنة 2013.

خلفية القضية: من اغتيالات 2013 إلى فتح الملف القضائي

يعود أصل هذا الملف إلى مطلع سنة 2022، حين تقدمت النيابة العمومية وشكوى صادرة عن فريق الدفاع عن السياسيين الراحلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا في شباط / فبراير، وتموز / يوليو من عام 2013 على التوالي.

وقد اتهم فريق الدفاع حينها ما يُعرف بـ“الجهاز السري لحركة النهضة” بالضلوع في الاغتيالين، إضافة إلى اتهامات أخرى تتعلق بالتجسس واختراق مؤسسات الدولة.

في المقابل، تنفي حركة النهضة هذه الاتهامات بشكل متواصل، وتعتبرها ذات خلفية سياسية ولا تستند إلى أدلة قضائية حاسمة.

مسار قضائي معقد وتحقيقات متعددة

وكانت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بأريانة قد تعهدت بالملف في بدايته، قبل أن تقرر في سبتمبر/أيلول 2023 التخلي عنه لفائدة القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، الذي تولى لاحقًا استكمال التحقيقات وإحالة الملف على الدائرة الجنائية المختصة.

يأتي هذا الحكم في سياق سياسي وقضائي حساس في تونس، حيث تتقاطع الملفات المرتبطة بالإرهاب مع سياقات سياسية متشابكة تعود إلى ما بعد 2011، وتحديدًا مرحلة ما بعد اغتيالات 2013 التي هزّت المشهد السياسي التونسي وأعادت فتح ملفات تتعلق بالأمن والاستخبارات والتنظيمات السرية.



مقالات مشابهة

  • حكم جديد بالمؤبد مع السجن 30 سنة في حق زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي
  • كل ما تريد معرفته عن المجموعة السادسة في كأس العالم 2026
  • صحيفة الثورة الثلاثاء 17 ذو الحجه 1447- 3 يونيو 2026
  • إقرار الإضراب العام بثلاثة أيام بجميع البنوك التونسية مع تحركات احتجاجية
  • الحكم بسجن راشد الغنوشي 106 سنة ومدى الحياة في تونس
  • تسجيل هزة ارضية في إب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش