والعنوان أعلاه، جاء مغتذيا بذات حدود الفرضية الكبرى الخاصة بالكاتب الناقد سامح طارق في مقالته الموسمة بعنوان : ( عن الدين والفن ).. مستضيئا برؤى المفكر الإسلامي البوسني علي عزت بيجوفيتش، الذي عمد وبمنهجه العلمي الصارم النظر بثبات ويقين في مسألته ( الإسلام بين الشـرق والغرب ) كاشفا بوضوح شديد عن متلازمة الفن والدين، مستجليا مدى التناغم القائم بين الاثنين.

الفنّ يعبّر عن الدين، والدين يستوعب الفنّ. الاثنان يتعاملان مع الشِق الأسمى من الكيان البشـري.

فالدين هو تأثيرُ السماء على الإنسان الذي يحتويه الفنّ لينطق به، فكيف ينطق عن الشـيءِ شيءٌ يخالفه؟!

كيف يمكن للفن أن يخرج عن إطار الدين ثم يبقى فنا؟! هل يكون مُمكنًا أن يتزاوج الضدّان؟!

الدين والفن مرتبطان بالإنسان منذ أن وجد على وجه الأرض، أما العلم ( المادي ) فهو حديث. وفشل العلم المادي الذي يدور في إطار نماذج مادية في تفسير الإنسان في التحكم فيه هو دليل علي فشله في إدارك الظاهرة الإنسانية وإدراك أن الحلول التي يأتي بها حلول ناقصة.

ويرى إن الفن ابن الدين، وإن كليهما يصدران عن منبع واحد ( توق الإنسان إلى المعنى وتجاوزه حدودَ المادة. )

وبهذا يؤكد أن الفن في جوهره ليس ترفًا أو تسليةً، بل هو شهادة الروح في عالمٍ ماديٍّ صامت.

فكل لوحة، وكل لحن، وكل بيت شعر جميل، إنما هو إشارة إلى ذلك العالم الغائب الذي لا تدركه الحواس، ولكنه يسكن في القلب منذ خلق الإنسان.

وذلك ما ذهب إليه – منذ زمن بعيد – الفنان التشكيلي السوداني البروفيسور أحمد عبدالعال مؤسس مدرسة ” الواحد ” وهي مدرسة أسسها برؤية كلية للفن ، وفقا للمنظور التوحيدي الشاهد بأنه ” لا إله إلا الله ” إذ لابد للفنان المسلم أن ينظر بظلال ألوانه وأبعاد خطوط رسومه إلى جلال الله الواحد الأحد ، فالفن إبداع للحياة ونشاط المسلم في الحياة هي بالضرورة كلها لله. فقال في إحدى بياناته :

( أجد في عملي التشكيلي كل الذي يتوقعه الإنسان من الفن ، لكني لا أجد فيه تمامًا ما ، قد يقبل الناس عليه باسم ” المتعة ” ، وعلى هذا ، فالمتعة في أعمق حالاتها عندي هي طرف قريب وبداية سرعان ما تتحول إلى مجال يتسع باضطراد ، فيه ما فيه من الإدراك والتساؤلات والمقارنات ، وفيه أيضًا من التحقق الفردي قدر أساسي ).

فمن أوجب واجبات المسلم المؤمن، أن يعرف نفسه أولا، وأن يؤمن بالمعرفة وبالحق في المعرفة، وأن يعرف حدوده. وأن الحكمة ضالته فمتى وأينما وجدها فهو أولى الناس بها. وأن يكون ثابتا على ثوابته، وأن يكون مجددا للمتغيرات.

وبناءا عليه، يكون الفن بالنسبةِ له كما جاء في حديث سامح طارق :

( الفنُّ أكبر من مجرّد تعريفٍ لاصطلاح، وإنما هو سبيلٌ لرؤية الكون، وعيناي التي أُبصـِر بهما الحياة، بينما الدين هو النافذة التي تخرج من خلالها النظرات، وتُطلُّ بهما العينان على الوجود. وعليه : فإن استقامت الرؤية مع حُدود النافذة تمتّع الرائي، وإن طغت رغبتُه على حدودِها شُقَّ الجدارُ بأكملِه وأوشك أن يتهدّم عليه، فأزرى بالشعور أو أخطأ الأداة. فالإبداع عندي ليس التميّز في ذاتِه، وإنما هو المقدرةُ الخاصة على ربط الأشياء غير المتوقعة بخيوطٍ ينسجها الفنّان وفق إطار المُتاح الشـرعي الذي سنّه الإله. فمن عجز عن الموازنةِ فهو عن الإبداعِ أعجز. فالفنّانُ الحق – أيّما كان فنُّه – هو القادر على التعبيرِ عن ذاتِه بما لا يخرج عن إطار خالقها الذي وضعه لها.)

الماديون، أو الملحدون، هم أبعد الناس عن إدراك معنى الفن ووظيفته في الحياة، لأنهم لا يعترفون أصلا بالبعد الروحي في الإنسان، بينما المؤمنين يرون في الفن رسالة من السماء، وصدىً من عالمٍ أوسع من هذه الأرض.

الفن مرتبط بالأخلاق، وللأخلاق معيار، والملحد غير عابئ بالأخلاق ولا ببناءه الربّاني… كيفما ظهر المادّيون – حسب جمال الدين الأفغاني – وفي أي صورة تمثّلوا، وبين أيّ قوم نجموا، كانوا صدمة شديدة على بناء قومهم، وصاعقة مجتاحة لثمار أُممهم، وصدعاً متفاقماً في بِنية جيلهم، يُميتون القلوب الحيّة بأقوالهم، وينفثون السمّ في الأرواح بآرائهم، ويزعزعون راسخ النظام بمساعيهم، فما رُزئت بهم أُمّة، ولا مُني بشرّهم جيل، إلاّ انتكث فتله، وسقط عرشه، وتبدّدت آحاد الأُمة، وفقدت قوام وجودها.

وبناء على ذلك كله، يمكن القول ، أن الفنان هو الذي يستطيع واقتدار أن يجمع في عمق أعماقه ، أنغام الإنسانية في علويتها، حتى يصبح مثالا جميلا للتناغم بين الحلم والكائن في الطبيعة، واستقامته كما شرع له الله.

وجوهر قولنا هو ما ابدعه وصفا الكاتب سامح طارق في قوله الماتع :

( أن الفن شعور وأداء، وقد تشعر بما لا عيب فيه لذاته وتسيئ التعبير عنه، أو تسلك مسلكًا محمودًا لتعبيرٍ خائن فتبتذل الأداة. على كُلٍّ، وفي الحالين: فإن ما ستقدّمه سيخلع عليه البعضُ صفةَ الفن، والبعضُ الآخرُ سيخلعها عنه.

أمّا أن تُحسِنُ الأمرين فيتّزن معك كل شيء، فهذا أمرٌ آخر.

أن تسمو في الشعور فتسمو بالأداة فهذا سِحرٌ وإعجازٌ من نوعٍ مُختلِف.

الخالق الذي يخطّ لك المساحات لتتحرك فيها أكثرُ إحاطةً من نفسِك التي تفتح لك أمتارًا قد تودي بك. فهو عندما يحدُّك يخرج بك من ضيقِ نفسِك إلى سعةِ الدارين. ).

الدكتور فضل الله أحمد عبدالله

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2025/12/30 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة الناعم الي دقريس… تصفية حسابات داخل مليشيا دقلو2025/12/29 الفاشر … مدينة أُطفئت عمداً2025/12/29 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (هل نكرر نفس الخطأ)2025/12/29 تركيا والسعودية ومصر ستقدم للسودان الغالي والمرتخص في حربه ضد الجنجويد2025/12/29 انعاش المبادرة البكماء: آراء و مقترحات2025/12/29 الصادق الرزيقي: البرهان وحديث انقرة2025/12/29شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات نماذج من سلوك مليشيا آل دقلو الهمجي 2025/12/29

الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

جمعية بيئة بلا حدود: استزراع المانجروف بالبحر الأحمر ركيزة أساسية لمواجهة التغيرات المناخية

أكد الدكتور عادل عبدالله سليمان، رئيس جمعية بيئة بلا حدود والخبير في التنوع البيولوجي، أن مشروع استزراع أشجار المانجروف في منطقة البحر الأحمر يمثل أحد أهم المشروعات البيئية الرائدة في مصر، لما له من دور محوري في حماية النظم البيئية الساحلية وتعزيز جهود الدولة في مواجهة التغيرات المناخية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

نقيب الزراعيين: استزراع المانجروف أحد أهم مشروعات الاقتصاد الأزرق في مصر إطلاق برنامج بالبحر الأحمر للتوعية بحماية المانجروف والحلول القائمة على الطبيعة

وأوضح سليمان أن أشجار المانجروف تعد من أكثر النظم البيئية قدرة على تخزين ما يعرف بـ"الكربون الأزرق"، حيث تسهم بشكل فعال في امتصاص غازات الاحتباس الحراري والحد من آثار التغير المناخي، إلى جانب دورها الحيوي في حماية السواحل من التآكل والعوامل الطبيعية المختلفة.

وأشار إلى أن غابات المانجروف تمثل موئلًا طبيعيًا للعديد من الكائنات البحرية، وتوفر بيئة آمنة لتكاثر ونمو الأسماك، بما يدعم الثروة السمكية والتنوع البيولوجي في البحر الأحمر، فضلاً عن مساهمتها في تحسين جودة المياه والحفاظ على التوازن البيئي للمناطق الساحلية.

وأضاف أن المشروع الذي تنفذه الجمعية داخل محمية وادي الجمال بالبحر الأحمر يُعد نموذجًا عمليًا لتطبيق مفهوم الاقتصاد الأزرق، من خلال الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية بما يحقق التوازن بين حماية البيئة ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية.

ولفت رئيس جمعية بيئة بلا حدود إلى أن المشروع نجح في تحقيق نتائج إيجابية ملموسة من خلال زراعة آلاف الشتلات وتأهيل مواقع جديدة للاستزراع، مع إشراك أبناء المجتمعات المحلية في تنفيذ الأنشطة البيئية، بما يسهم في توفير فرص عمل خضراء ورفع الوعي البيئي وتعزيز المشاركة المجتمعية في جهود الحفاظ على الموارد الطبيعية.

وشدد سليمان على أن التوسع في استزراع المانجروف يمثل استثمارًا طويل الأجل في مستقبل البيئة المصرية، مؤكداً أن هذه الأشجار ليست مجرد غطاء نباتي، بل منظومة بيئية متكاملة تدعم التنوع البيولوجي، وتعزز قدرة السواحل على التكيف مع التغيرات المناخية، وتسهم في تحقيق رؤية مصر نحو الاقتصاد الأخضر والأزرق المستدام.

مقالات مشابهة

  • خارج حدود المادة 140.. القيمة الجديدة للأرض المتنازع عليها
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • خصم 25% .. الحق اتصالح على مخالفات البناء بالتقسيط
  • 30 ألف شتلة.. جمعية بيئة بلا حدود تقود مشروعًا لاستعادة غابات المانجروف بالبحر الأحمر
  • جمعية بيئة بلا حدود: استزراع المانجروف بالبحر الأحمر ركيزة أساسية لمواجهة التغيرات المناخية
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • عصائب أهل الحق تباشر فك ارتباطها بالحشد الشعبي وتُشكل لجنة لحصر السلاح
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟