نموذج للإبقاء على التعددية
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
قلة هم الذين ينكرون التحول الذي طرأ على العالم بعيدا عن التعاون المتعدد الأطراف في السنوات الأخيرة. مع تحول العالم إلى نظام أقرب إلى تعددية الأقطاب تتسبب التوترات الجيوسياسية في عرقلة الجهود الرامية إلى إيجاد حلول مشتركة للمشكلات المشتركة، وتهدد النزعة القومية المتصاعدة والأزمات المالية في كثير من البلدان المانحة التقليدية بقاء المؤسسات التي تعتمد عليها التعددية.
بصفتي واقعيا أدرك أن عالم اليوم أصبح أشد خطورة من العالم الذي كنا نعيش فيه قبل وقت ليس ببعيد. لكنني على يقين أيضا من أن إمكانيات التعاون العالمي الطويل الأمد لا تزال قائمة. لقد رأيت بنفسي أن التعاون المتعدد الأطراف غالبا ما يحقق نتائج ما كانت لتتحقق لولاه.
تنبع ثقتي من تجربتي كرئيس لتحالف اللقاحات (Gavi). مع اقتراب انتهاء فترة ولايتي التي دامت خمس سنوات أجد نفسي أتأمل في العوامل التي دعمت نجاح تحالف اللقاحات على مدى السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، وما الذي يمكننا أن نتعلمه من هذه التجربة عن تكييف التعددية مع عالم سريع التغير.
قد يبدو الدرس الأول بسيطا، لكنه غالبا ما يُنسى: كن دائما مدفوعا بالمهمة. السبب وراء وجود Gavi هو إنقاذ الأرواح وحماية الصحة من خلال توسيع نطاق القدرة على الوصول إلى اللقاحات في البلدان الأدنى دخلا.
كان وضوح الهدف على هذا النحو هو الذي ساعد في خفض معدل الوفيات بين الأطفال إلى النصف في 78 بلدا وحماية كل واحد منا من خطر الأمراض المعدية. ولا يوجد أي سر وراء نجاحنا.
لقد أحرزنا ذلك النجاح من خلال توحيد عدد كبير من أصحاب المصلحة على المستويين العام والخاص -الذين تختلف مصالحهم في كثير من الأحيان- وراء هدف مشترك. كان تحالف اللقاحات Gavi دوما تحالفا للأطراف الراغبة؛ فجمع بين الحكومات الوطنية، ووكالات الأمم المتحدة، والمؤسسات الخيرية، وشركات تصنيع اللقاحات، والمبدعين، وبنوك التنمية، والمؤسسات البحثية، والمجتمع المدني.
وبفضل تنوع مهارات التحالف، وخبراته، ونفوذه السياسي؛ تمكن من حماية أكثر من نصف أطفال العالم من الأمراض التي يمكن الوقاية منها في أي عام، فضلا عن تزويد العالم بالكفاءات الأساسية أثناء الأزمات مثل جائحة COVID-19 عندما تولينا قيادة استجابة اللقاحات على مستوى العالم. في عالم أميل فيه إلى تعددية الأقطاب تنشأ الحاجة إلى مناهج مماثلة لدفع التقدم في مجالات أخرى؛ حيث يكون توفير المنافع العامة (حل النزاعات، والتعليم، والأمن الصحي، والوصول العادل إلى الذكاء الاصطناعي) أكثر أهمية من أن يـترك رهينة لسياسات عدائية ومصالح فئوية.
هذا يقودني إلى الدرس الثاني الرئيسي: كن موجها نحو المهمة، ولكن بقيادة البُلدن. تأسس تحالف اللقاحات Gavi انطلاقا من روح الشراكة، وليس بروح السلطوية الأبوية. كان تعزيز الاعتماد على الذات الوطنية في صميم مهمته دوما.
فالآن تدفع البلدان مقدارا متزايدا من تكاليف برامج اللقاحات مع ارتفاع دخلها القومي إلى أن تصبح قادرة على تحمل تكاليف خدمات التحصين بالكامل. بل إن بعض البلدان انتقلت من كونها متلقية إلى مانحة.
هذا الاستجابة لاحتياجات البلدان جعلتنا نركز بلا هوادة على الإبداع. في عام 2024 احتضن تحالف اللقاحات Gavi الإدخال التاريخي للقاحات الملاريا؛ لأننا أدركنا حجم الظلم المتمثل في اضطرار بلدان عديدة، خاصة في أفريقيا إلى الانتظار طويلا لتحقق مثل هذا الإنجاز. في العام نفسه أطلق التحالف أيضا ابتكارا ماليا، وهو صندوق الاستجابة الأولية؛ لتوفير تمويل طارئ لشراء لقاحات جدري القِرَدة، وبالتالي توفير وقت ثمين كان ليضيع في جمع تمويل إضافي.
اليوم، يعمل تحالف اللقاحات Gavi على توجيه ذات الحماسة المبدعة نحو طرح لقاحات ضد السل، وهو المرض المعدي الأكثر فتكا في العالم.
كما يعمل على تطوير مبادرة جديدة، وهي مسرّع تصنيع اللقاحات الإفريقي بدعم قوي من الاتحاد الأوروبي ومانحين آخرين؛ لدعم طموحات الاتحاد الإفريقي في مجال التصنيع الإقليمي العالي القيمة. وأتوقع أن نرى دورا أكبر كثيرا للتكتلات الاقتصادية والسياسية الإقليمية والتعاون فيما بينها باعتبارها المحركات الرئيسية للتعددية في السنوات المقبلة. كل تحالف يحتاج إلى حوكمة قوية وقيادة صارمة.
لهذا السبب اُختير نيلسون مانديلا كأول رئيس لتحالف اللقاحات Gavi. لكن ضمان استمرار توافق مصالح جميع الأطراف المعنية ليس بالمهمة السهلة، ولم تغب هذه الحقيقة عن بالي عندما عرض عليّ هذا المنصب في عام 2020. شعرت بالفخر، ولم أستطع إلا أن ألاحظ أن مجلس إدارة Gavi يضم 28 مقعدا، وهو العدد ذاته للبلدان الأعضاء التي سعيت إلى مواءمة مصالحها عندما كنت رئيسا للمفوضية الأوروبية. طوال فترة عملي في Gavi، استرشدت بالحكمة الخالدة التي جاءت على لسان جان مونيه أحد أبرز دعاة الوحدة الأوروبية بعد الحرب: «لا شيء ممكن بدون الناس، ولكن لا شيء يدوم بدون المؤسسات».
إن تحالف اللقاحات مؤسسة فريدة حقا؛ فهو ليس فقط تحالفا عريضا وشاملا لكيانات وطنية ودولية، وكذا كيانات عامة وخاصة، بل هو أيضا منظمة دولية تمكنت من تجنب الشلل والجمود على عكس بعض الهيئات الحكومية الدولية الكبرى. وقد حققت ذلك من خلال التركيز الشديد على حماية الأطفال حتى في مناطق الحرب حيث كان التوقف الوحيد عن القتال يتأتى من الحاجة إلى تطعيم السكان. سوف يكون لدى البلدان دوما أسباب للاختلاف، ولكن إذا كان لأي شيء أن ينهض بقضية السلام فوق المصالح الوطنية أو الأيديولوجيات المتطرفة، فهو حماية الأطفال. طوال حياتي كنت في قلب عدد كبير من التغيرات الجذرية من ثورة القرنفل في بلدي الأم البرتغال في سبعينيات القرن العشرين إلى الجهود الرامية إلى تعزيز السلام والمصالحة والديمقراطية في أوروبا (والتي بفضلها كان لي شرف الحصول على جائزة نوبل للسلام نيابة عن الاتحاد الأوروبي).
في كل حالة كانت التغيرات التاريخية في احتياج إلى محفز، وهو على وجه التحديد الدور الذي اضطلع به تحالف اللقاحات Gavi في تعزيز الصحة العامة. مع دخولنا إلى عالم أقرب إلى تعددية الأقطاب أحث الجميع على إدراك الحاجة إلى مزيد من الشراكات بين القطاعين العام والخاص التي تحركها المهام مثل Gavi. ببساطة لا توجد طريقة أفضل منها للتصدي لتحديات عصرنا.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
يمن مونيتور/ رصد خاص
كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.
ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.
وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.
وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.
ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.
كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.
ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.
وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟