القومى للمرأة: تمكين المرأة في القضاء أحدث نقلة نوعية داخل منظومة العدالة
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
نظم المجلس القومي للمرأة وبالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ملتقى القاضيات تحت عنوان "تجارب مصرية رائدة نحو التمكين والمساواة والقيادة في ضوء منهاج عمل بكين"، بمشاركه قاضيات وقضاه المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف والمحكمة الاقتصادية.
وافتتحت المستشارة أمل عمار رئيسة المجلس القومي للمرأة، والمستشارة سوزان عبد الرحمن مساعد وزير العدل قطاع لحقوق الانسان المرأة والطفل بوزاره العدل ومروة علم الدين القائم بأعمال هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر فعاليات الملتقي الذي استمرّ علي مدار ٣ ايام.
وفي كلمتها خلال الافتتاح أعربت المستشارة أمل عمار عن سعادتها بالمشاركة في هذا المحفل القضائي الرفيع ، الذي يجسد مكانة القضاء المصري، ودوره الأصيل في ترسيخ قيم العدالة والمساواة وسيادة القانون، موضحة أننا نشهد مرحلة فارقة في تاريخ القضاء المصري، مرحلة انتقلت فيها المرأة القاضية من حدود المشاركة الجزئية إلى الحضور الكامل والعمل في جميع فروع القضاء، وفي مختلف درجاته، بدءًا من أول السلم القضائي، وصولًا إلى توليها عددًا متزايدًا من المناصب القيادية، على أساس الكفاءة والجدارة .
وأصبحت المرأة المصرية اليوم قاضية بالمحاكم الابتدائية والاستئنافية، وتؤدي دورها المهني في دوائر التقاضي المختلفة جنبًا إلى جنب مع زملائها من القضاة، في صورة تعكس عدالة التمثيل ونضج التجربة القضائية، كما شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملموسًا في إسناد مواقع قيادية للمرأة داخل المنظومة القضائية، بما يؤكد أن التمكين بات تمكينًا حقيقيًا في مواقع التأثير وصنع القرار.
وأشارت المستشارة أمل عمار إلى أن هذا التحول الجوهري جاء تتويجًا لمسار وطني واعٍ، يستند إلى الدستور المصري، وإلى رؤية تؤمن بأن العدالة لا تُجزّأ، وأن القضاء القوي لا يُبنى إلا بمشاركة كاملة من الرجال والنساء دون تمييز، مؤكدة أن هذا المسار الوطني وجد دعمًا راسخًا من الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، الذي أولى ملف تمكين المرأة في القضاء اهتمامًا خاصًا، وأكد من خلال السياسات والقرارات أن المساواة في تولي الوظائف القضائية والمناصب القيادية حق دستوري، ومعيارها الوحيد هو الكفاءة.
وأضافت أن هذا الدعم قد أسهم في إحداث نقلة نوعية داخل منظومة العدالة، وترسيخ الثقة في قدرات المرأة القاضية، وفتح آفاق جديدة أمام مشاركتها الكاملة، موضحة أنه بالتوازي مع هذا التمكين للمرأة القاضية، اضطلعت وزارة العدل بقيادة معالي وزير العدل عدنان فنجري بدور محوري في تهيئة بيئة قضائية داعمة، والعمل على تيسير وصول المرأة إلى العدالة، فقد تضمنت البيانات الرسمية للوزارة تنفيذ إجراءات نوعية، من بينها إنشاء مناطق صديقة للمرأة داخل عدد من المحاكم، لا سيما في القضايا المتعلقة بالعنف، بما يوفر بيئة آمنة تحفظ كرامة المرأة، وتدعم قدرتها على الإدلاء بأقوالها .
كما عملت الوزارة على تطوير مكاتب تسوية المنازعات الأسرية، وتوسيع نطاق المساعدة القانونية، بالتعاون مع شركاء وطنيين ودوليين، بهدف تمكين المرأة من معرفة حقوقها، وتيسير سبل حصولها عليها، وتقليل الأعباء الإجرائية التي قد تعوق وصولها للعدالة.
وفي إطار تحقيق العدالة الناجزة، تبنّت الوزارة مشروعات التحول الرقمي التي أسهمت في تبسيط الإجراءات وإتاحة عدد من الخدمات الإلكترونية، بما يخدم جميع المواطنين، ويعود بالنفع بشكل خاص على النساء.
وأكدت المستشارة أمل عمار، أن دور المجلس القومي للمرأة في هذا السياق يأتي باعتباره الآلية الوطنية المعنية بتمكين المرأة وحماية حقوقها، حيث يعمل المجلس، بالتنسيق المستمر مع وزارة العدل والجهات المعنية، على دعم السياسات العامة، ورصد التقدم المحرز، وبناء الوعي القانوني، وتعزيز مبدأ المساواة وعدم التمييز، بما يضمن استدامة ما تحقق من إنجازات وترسيخها على أرض الواقع.
وأشارت المستشارة أمل عمار إلى أن هذا اللقاء يكتسب أهمية خاصة، إذ يتزامن مع احتفال المجلس القومي للمرأة بمرور خمسةٍ وعشرين عامًا على نشأته، وهي مسيرة وطنية حافلة بالعمل الدؤوب والشراكة مع مؤسسات الدولة، من أجل تمكين المرأة المصرية وصون حقوقها.
كما يأتي في إطار الاحتفال بمرور ثلاثين عامًا على إعلان ومنهاج عمل بيكين، الذي شكّل علامة فارقة في مسار حقوق المرأة عالميًا، وتُعد التجربة المصرية اليوم إحدى أبرز تجلياته العملية على المستوى الوطني.
كما أشارت المستشارة أمل عمار إلى أن التجربة المصرية في تمكين المرأة في القضاء تمثل اليوم تجسيدًا عمليًا لمبادئ منهاج عمل بيكين، ليس عبر الشعارات، بل من خلال سياسات وتشريعات وإجراءات ملموسة، أعادت صياغة الواقع، وأثبتت أن العدالة تزداد قوة حين تكون شاملة، ومنصفة، ومعبرة عن المجتمع بكل أطيافه.
وفي ختام كلمتها أكدت المستشارة أمل عمار على أن تمكين المرأة القاضية هو ضمانة لتعزيز دولة القانون، وترسيخ الثقة في منظومة العدالة، وبناء مجتمع أكثر توازنًا واستقرارًا، كما قدمت التحية للحاضرين جميعًا على دورهم الوطني الجليل، متحملين رسالة العدالة بكل ما تحمله من شرف ومسؤولية، وأن القضاء المصري الشامخ سيظل دائمًا عنوانًا للإنصاف، وحصنًا للحقوق، وركيزة أساسية للمساواة وعدم التمييز، كما توجهت بالشكر إلى شركاء النجاح وشركاء التنمية وزارة العدل( قطاع حقوق الإنسان والمرأة والطفل - قطاع التفتيش القضائي - المحاكم الاقتصادية- محاكم الاستئناف ) ، كما توجهت بالشكر إلى هيئة الأمم المتحدة للمرأة و قضاة وقاضيات مصر الأجلاء.
فيما نقلت المستشارة سوزان عبد الرحمن تحيات المستشار عدنان الفنجري، وزير العدل، مؤكدة أن هذا المؤتمر يناقش عددًا من التجارب المصرية المتميزة في منظومة القضاء المصري، مشيرة إلى أن الدستور المصري رسّخ مبدأ المساواة أمام القانون، حيث شكّل دستور عام 1956 محطة تاريخية فارقة في مسيرة المرأة المصرية، بإقراره حقها في الترشح، بينما جاء دستور 1971 ليعزّز مشاركة المرأة في الحياة العامة، مع التأكيد على تحقيق التوازن بين دورها الأسري ومسؤولياتها المهنية، وأكدت على أن الدساتير ليست مجرد نصوص جامدة، بل تمثل إطارًا حاكمًا وموجّهًا للسياسات العامة، لافتة إلى أن الدستور كفل للمرأة تولي المناصب العامة، بما في ذلك المناصب القضائية، وهو ما برهنت المرأة المصرية من خلاله على كفاءتها المهنية وقدرتها على تحمّل مختلف المسؤوليات. كما أشارت إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، ودورها في دعم وتعزيز مكانة المرأة على المستويات كافة.
وأضافت المستشارة سوزان عبد الرحمن أنه تم تعيين أول دفعة من القاضيات في مصر عام 2007، في خطوة محورية نحو ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص داخل السلطة القضائية، حيث فُتحت آفاق العمل أمام المرأة في كل من النيابة العامة ومجلس الدولة، كما استعرضت منهاج عمل بيجين وما أسهم به في دعم قضايا المرأة، مشيرة الى جهود وزارة العدل في تمكين المرأة وحمايتها، ومن بينها إنشاء غرف آمنة لتقديم الدعم والرعاية اللازمة للمرأة المعنفة ومكاتب دعم للمرأه بخلاف مكاتب المساعده القانونيه ومكاتب تسويه المنازعات الاسريه وعيادات الطب الشرعي للسيدات ضحايا العنف
فيما أكدت مروة علم الدين أهمية هذا الملتقى، باعتباره تجسيدًا لمسيرة ممتدة لدور المرأة في دعم منظومة العدالة وترسيخ سيادة القانون، وأشارت إلى أن منهاج عمل بكين يُعد محطة مفصلية في مسار دعم وتمكين المرأة على المستوى الدولي، لافتة إلى أن الدولة المصرية حرصت على ترجمة هذا المنهاج إلى سياسات وجهود عملية ملموسة، عكست المكانة المتنامية للمرأة المصرية وإسهاماتها الفاعلة في مختلف المجالات، مضيفة أن وجود المرأة على منصة القضاء يمثل خطوة كبرى ونقلة نوعية في مسار تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص، مستعرضة التجربة المصرية الرائدة في دعم القاضيات وتمكينهن، بما يعزز من دورهن في تحقيق العدالة وترسيخ الثقة في المنظومة القضائية.
وتضمن الملتقى جلستى عمل حول افضل الممارسات الدوليه في عمل المرأة بالقضاء عرضتها الاستاذه رنا كريم مديرة برامج تمكين المرأة بهيئة الأمم المتحدة للمرأة
واستعرضت المهندسة جيهان توفيق رئيسة الاداره المركزيه لشئون مكتب رئاسة المجلس دور المجلس القومي للمرأة في ظل الاتفاقيات الدولية ، وعرضت اختصاصاته ، ودور لجانه وفروعه بالمحافظات ، مشيرة إلى الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية ٢٠٣٠ التي اعتمدها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي عام ٢٠١٧ والتي تتماشى مع رؤية مصر ٢٠٣٠ وأهداف التنمية المستدامة ، كما عرضت عددا من النماذج المشرفة لوصول المرأة إلى المناصب القيادية، كما استعرضت جهود المجلس وانجازاته في جميع محاور الاستراتيجية ، مشيرة الى فوز مصر بعضوية لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة للفترة. ٢٠٢٣-٢٠٢٦، وهوما يعكس ثقة المجتمع الدولي في الدور المصري بمجال حقوق المرأة.
فيما استعرضت الأستاذة رنا كريم أفضل الممارسات الدولية في ملف المرأة والقضاء في ضوء منهاج عمل بيجين ، كما أبرزت العلاقة بين المساواة بين الجنسين واستقلال القضاء وجودة العدالة، مستعرضة المعايير والممارسات الدولية المتعلقة بالقضاء النسائي، وأشارت إلى أثر مشاركة المرأة في القضاء على جودة العدالة واستقلالها، كما استعرضت العديد من الأمثلة الدولية المستلهمة من منهاج بكين من العديد من الدول منها المملكة المتحدة و السويد وغيرها من الدول.
فيما أكدت القاضية رشا محفوظ خلال جلسة "مجالات التركيز " ، على أهمية تبادل الخبرات بين الأجيال في مجال القضاء، وناقشت القيادة القضائية وبرامج التوجيه وسياسات وصول المرأة إلى العدالة، فضلا عن مناقشة الاستراتيجيات العملية ؛ والتي تشمل التدريب المراعي لتمكين المرأة والمساواة لموظفي الدعم القضائي، واستخدام التكنولوجيا لتحسين وصول المتقاضيات للمعلومات.
وفي بدايه فعاليات الملتقي استعرض المستشار وديع حنا وكيل المكتب الفني لوزير العدل رؤية الوزارة في تمكين المرأة ودعمها بما وفقاً لاستراتيجية تمكين المرأة و يحقق رؤية مصر ٢٠٣٠، حيث أشار إلى قانون العمل الجديد رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ ، وما تضمنه من مد اجازة الوضع إلى ٤ أشهر ، كما أشار إلى تعيين العديد من النساء في النيابة العامة ، ما يعكس رؤية الدولة المصرية لتمكين المرأة القاضية المصرية .
وأشار إلى جهود وزارة العدل، في دعم المرأه من خلال منظومة الغرف المؤمنة المخصصة لسماع شهادة المجنى عليهن من النساء المعنفات، بالتعاون مع UNODC، الى جانب إطلاق منظومة تقنية قائمة على استخدام الذكاء الاصطناعي، تعمل على طباعة محررات وزارة العدل بطريقة برايل، على نحو يعمل على دمج المرأة من ذوات الإعاقة.
كما شهد الملتقى أيضًا مناقشة عدد من التوصيات منها ضرورة نشر الثقافة القانونية وتغليظ العقوبة في قضايا العنف ضد المرأة و تغيير نظرة المجتمع للقاضيات إلى جانب توفير الدورات التدريبية للقاضيات ، و ادخال المنظومة الرقمية في مختلف فروع القانون. وخلال مده الملتقي تم عرض خبرات وتجارب القاضيات في مجال القضاء.
جدير بالذكر أنه مع بداية اليوم الثالث للملتقي طلبت المستشارة امل عمار رئيسة المجلس القومي للمرأة من الحضور الوقوف حدادا للروح المستشاره سهام الأنصاري شهيده الواجب الوطنى التي نعتها ايضا المستشاره سوزان فهمي مساعد وزير العدل، والتي وافتها المنية إثر حادث أليم، عقب انتهائها من أداء واجبها الوطني في الإشراف على جولة الإعادة بالدوائر الـ19 الملغاة بقرار من الهيئة الوطنية للانتخابات في المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب ٢٠٢٥بالأمس.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: المرأة القاضيات تمكين المرأة العنف ضد المرأة القومى للمرأة المجلس القومی للمرأة الأمم المتحدة للمرأة المستشارة أمل عمار المرأة فی القضاء منظومة العدالة المرأة المصریة تمکین المرأة القضاء المصری وزارة العدل وزیر العدل منهاج عمل ضد المرأة القضاء ا من خلال تمکین ا وصول ا إلى أن أن هذا فی دعم
إقرأ أيضاً:
سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
{فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ومَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً، وما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}.
هذه الآية القرآنية تدل على أن الأمة الإسلامية مكلفة بتحقيق العدالة في الأرض وحماية المستضعفين، وأنه يجب على المسلمين أن يكافحوا الظلم حيثما كان ويزيلوا أسبابه؛ فكل قتال لأجل الدين والدفاع عنه هو في سبيل الله، وكل قتال لدفع الظلم ومعاونة المظلومين ضد الظالمين ونصرة الحق هو من القتال في سبيل الله، وكل طريق للوصول إلى الحق أو حمايته أو الدفاع عنه هو في سبيل الله.
وإذا كان التاريخ الإنساني والبشري قد شهد مآسي عديدة، فإن مأساة الشعب الفلسطيني تظل الجرح الأكثر نزفاً للضمير العالمي؛ فمنذ عقود يرزح الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يزال يعيش أبشع صوره من تشريد وقتل واحتلال القدس الشريف، والتدمير للبنية التحتية بغرض طمس الهوية العربية والإسلامية في فلسطين وعلى رأسها المسجد الأقصى، ورغم صدور عشرات القرارات من مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تطالب بإنهاء الاحتلال والانسحاب إلى حدود 1967م، إلا أن الكيان الصهيوني يضرب بها عرض الحائط، مدعوماً بغطاء دبلوماسي وعسكري أمريكي يصادم القانون الدولي ويخدم الصلف الصهيوني، وبما يدل على العجز الذي يبديه المجتمع الدولي -بما في ذلك المنظومة العربية والإسلامية- عن رفع هذا الظلم التاريخي، وإنهاء الحصار الجائر والشامل على قطاع غزة، وإجبار الاحتلال على الانسحاب الكامل من غزة والقدس والضفة الغربية. إنها مظلومية لم تعد مجرد قضية سياسية، وإنما هي اختبار ساقط للعدالة الدولية المدعاة.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: ما هي مصلحة الشعب الأمريكي في استمرار الدعم الأعمى للصهيونية؟ في الواقع لا شيء يستفيده الشعب الأمريكي، وإنما يترتب على ذلك هو توسيع رقعة الصراع ومحاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران، والذي لا يخدم المواطن الأمريكي البتة. إن الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي -والتي تصل إلى نحو 66%- تعارض الدخول في مغامرات عسكرية أو حروب ضد إيران، إذن فالسياسة التي ينتهجها الرئيس ترامب تمثل خطأً استراتيجياً فادحاً يضر بالشعب الأمريكي أولاً قبل غيره، وتلويح ترامب باستخدام القوة العسكرية ضد إيران يمثل تجاوزاً صارخاً للدستور الأمريكي الذي منح الصلاحية للكونجرس، ويشكل إعلان حرب يضرب أسس الديمقراطية الأمريكية ويكشف هشاشتها؛ لأنه يستنزف قدرة الأمريكيين في حروب لا ناقة لأمريكا فيها ولا جمل، ويضعف مكانتها السياسية والعسكرية بشكل مباشر، وإن خدم الصهيونية فإنه يواجه المواطن الأمريكي بأزمة اقتصادية، منها ارتفاع أسعار الوقود والنفط، ويشكل سبباً رئيساً في تعطيل الخطوط التجارية والملاحية؛ مما يثقل كاهل المواطن الغربي بصفة عامة والأمريكي بصفة خاصة؛ لأن الاقتصاد الأمريكي يصاب بالتضخم والركود.
إن الضعف الأمريكي اليوم لم يعد عسكرياً فحسب بالمنظور العلمي وبالمعنى التقليدي، وإنما هو ضعف يسبب عجزاً عن التحمل؛ فحصار إيران لعقود لم يثمر -رغم مرور عقود من الزمن- شيئاً، وإشعال أمريكا للحرب ضد إيران أظهر ضعفها للعالم، وأكبر دليل على ذلك طلبها للمصالحة والتوقيع والتماسها لذلك، مما يشعر المتابعين في العالم بعدم تحقيقها لأي نصر وأن ذلك مستبعد. وفي هذا السياق تكون الصهيونية قد جنت على نفسها وعلى اليهود في فلسطين؛ لأن المراهنة على مظلة الحماية الأمريكية ستتراجع فهي تتآكل، وهذا ما سيتسبب في زوال الهيمنة الأمريكية، واعتمادها على الدعم من الحلفاء العرب لن يدوم ولن يكتب له النصر أبداً.
فالواجب الأخلاقي والسياسي يتطلب من الحزب الديمقراطي السعي لرفع ظلم واضطهاد الشعب الفلسطيني المظلوم ودعم حقوقه المشروعة، وإنهاء سياسة الحصار والعقوبات المفروضة على الشعب الإيراني منذ عقود، وهي السياسات التي ثبت فشلها؛ فإذا كان في أمريكا أهل عقول راجحة وسياسة ناجحة، فعليهم أن يعيدوا ترامب والتوجه الصهيوني عن هذه السياسات التصادمية قبل أن تتحول أمريكا إلى أضحوكة سياسية على مسرح السياسات الدولية، وقبل أن تكتشف الشعوب والشعب الأمريكي نفسه أن شعاراته البراقة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في أمريكا، ليست سوى أوهام وشكوك تخفي وراءها هشاشتها؛ فالعودة إلى صوت العقل والقانون الدولي وإعطاء الشعوب حقوقها هو المخرج الوحيد قبل أن يصير هناك انهيار استراتيجي شامل. وعلى الدول الغربية والإسلامية أن يتدبروا قول الحق سبحانه وتعالى: {وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}.
الشعب الفلسطيني يعيش تحت واحد من أطول وأقسى أشكال الاحتلال للأرض الإسلامية، ولم يكتفِ ذلك الاحتلال بحصار الأرض، وإنما تجاوز ذلك إلى محاولة اقتلاع الإنسان الفلسطيني من تاريخه وهويته ووجوده، تحت صمت عربي وإسلامي مؤلم، وتواطؤ سياسي من قوى كبرى جعلت من حقوق الإنسان شعاراً يرفع حيث تقتضي المصالح ويدفن حيث تكون الضحية فلسطينياً.
فعلى العرب والمسلمين كافة أن يرفعوا راية الجهاد وأن يعلنوا ذلك في عرفات في هذا العام كما رفع النبي البراءة من المشركين. وتفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية الشاملة، قطع العلاقات الدبلوماسية والتطبيعية، واستخدام أوراق القوة الاقتصادية (كالنفط والممرات المائية) التي تمتلكها المنظومة العربية والإسلامية للضغط على الغرب.
يا رافعاً رايةَ الإسلامِ مُحْتَسِبَا
جَاهِدْ فَمَا ضَاعَ حَقٌّ بَعْدَمَا طُلِبَا
تَمْسِي وَتُصْبِحُ فِي هَمٍّ وَفِي نَصَبٍ
لٰكِنَّ رَبَّكَ لَمْ يَتْرُكْكَ مُغْتَرِبَا
شَرِيعَةُ اللهِ نُورٌ فِي بَصَائِرِنَا
نَفِيءُ لِلْحَقِّ لا شَكّاً وَلا رِيَبَا
أَمَادَ جَيْشُ العِدَا أَرْضاً بِمَظْلَمَةٍ
وَأَشْعَلَ البَغْيُ فِي سَاحَاتِهَا لَهَبَا؟
فِي غَزَّةَ الجُرْحُ أَقْلَامٌ مُعَبِّرَةٌ
تَخُطُّ مَجْداً، وَتَسْقِي عِزَّةً شُهَبَا
ظَنَّ الطُّغَاةُ بِأَنَّ الأَرْضَ مِلْكُهُمُ
وَأَنَّ سُلْطَانَهُمْ قَدْ طَاوَلَ السُّحُبَا
يَقُولُ زُوراً كَذُوبُ القَوْمِ فِي عَلَنٍ
وَالفِعْلُ يَفْضَحُ مَا صَاغُوا وَمَا كَتَبَا
لٰكِنَّ أَسْدَ الشَّرَى هَبُّوا لِنُصْرَتِهَا
بِعَزْمِ مَنْ لَا يَرَى فِي دِينِهِ تَعَبَا
تَخَالُهُمْ مِنْ ثَبَاتِ الأَرْضِ جَلْمَدَةً
بَلْ رَاسِيَاتٍ تَهُدُّ المَارِقَ العَرِبَا
فَاصْبِرْ فَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ خَالِقِنَا
يُعِيدُ حَقّاً لِمَنْ عَانَى وَمَنْ غُلِبَا
لقد تحوَّلت فلسطين، ولا سيَّما غزَّة، إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للمجازرِ والحصارِ والتجويعِ والتدمير، حتى باتت صورُ الأطفالِ تحتَ الأنقاض، والأمَّهاتِ الثكالى، والمستشفياتِ المدمَّرة، مشاهدَ يوميَّةً تهزُّ ضميرَ كلِّ حرٍّ في العالم. عشراتُ الآلافِ من القتلى والجرحى والمعاقين، وملايينُ المشردين الذين حُرموا من أبسطِ حقوقِ الحياة، في ظلِّ حصارٍ خانقٍ يخالفُ كلَّ القوانينِ والمواثيقِ الدوليَّةِ.
وما يزيدُ المأساةَ فداحةً أنَّ الاحتلالَ الصهيونيَّ لم يكتفِ بقتلِ الأبرياءِ وتدميرِ البيوت، بل استمرَّ في تدنيسِ المقدَّسات، وعلى رأسِها المسجد الأقصى، الذي يتعرَّضُ لاقتحاماتٍ متكرِّرةٍ ومحاولاتِ تهويدٍ ممنهجة، في انتهاكٍ صارخٍ لكلِّ القوانينِ الدوليَّةِ والإنسانيَّةِ.
يفوزُ بالعِزِّ والإحسانِ مَن نَهَضا
للهِ يحملُ سيفَ الحقِّ محتسبا
لا يبتغي غيرَ وجهِ اللهِ منزلةً
ولا يُريدُ منَ الدُّنيا بها رُتَبا
قد أيقنَ الأمرَ حقًّا لا التواءَ بهِ
وأنَّ شرعَ الهدى يؤازر النجبا
وأنَّ خيرَ الورى الهادي محمّدَ قد
أرسى منَ العدلِ نهجًا يَصدَعُ الحُجُبا
وأمرَ الأمةَ الغرّاءَ أن تقفَ الـ
وقفةَ العُظمى إذا باغٍ بنا غضبا
كمنْ بغى في فلسطينَ الجريحةِ إذ
أضحى يريقُ دمَ الأطفالِ مُغتصبا
كم هدَّ دورًا وكم أفنى منازلَها
وكمْ أثارَ منَ الآلامِ والكُرُبا
حتى غدتْ ألسنُ التاريخِ شاهدةً
بأنَّهُ جاوزَ الطغيانَ والحقَبا
فأطلقَ الظلمَ في الآفاقِ منتفشًا
كأنَّهُ لم يخفْ يومًا ولا حِسَبا
وينفثُ الزورَ والتضليلَ في صلفٍ
ويزرعُ الإفكَ في الأذهانِ مُنتشبا
والناسُ بينَ مُضلٍّ قد أطاعَ هوىً
وبينَ حرٍّ رأى في الحقِّ ما وجبا
لكنَّ أنصارَ دينِ اللهِ قد نهضوا
كالسيلِ لمّا رأى الطوفانَ مُقتربا
قومٌ إذا ذُكرَ الإقدامُ كدتَ ترى
في حدِّ عزمِهِمُ التاريخَ قد كُتِبا
هيهاتَ يَذهبُ المعروفُ مُندثرًا
أو يتركُ اللهُ سعيَ المخلصينَ هَبى
فالنصر بإذن الله قادم، والتلويح بالحرب باستخدام القوة العسكرية ضد إيران لن يجدي الصهيونية نفعاً، وإنما سيصيب أسس الديمقراطية الأمريكية ليرمي بها في مقتل، وسيكون عاقبة أمرهم خسراً {لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}، {وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
عضو رابطة علماء اليمن