مركز أبوظبي للغة العربية يشارك في المؤتمر الدولي الثامن للترجمة والدراسات الثقافية في مسقط
تاريخ النشر: 1st, January 2026 GMT
أبوظبي-الوطن:
شارك مركز أبوظبي للغة العربية، في المؤتمر الدولي الثامن لدراسات الترجمة والدراسات الثقافية، الذي أقيم مؤخراً، في العاصمة العمانية مسقط، بتنظيم من جامعة السلطان قابوس، وبالتعاون مع الجمعية الدولية لدراسات الترجمة والدراسات الثقافية، من خلال جلسة ناقشت “دور مؤسسات الترجمة في تعزيز استدامة الهوية والتراث والثقافة”، وأقيمت بالتعاون مع المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية.
استضافت الجلسة كل من موزة جاسم، من مركز أبوظبي للغة العربية- مشروع كلمة- دولة الإمارات. والدكتور مرزوق يوسف الغنيم- أمين عام المركز العربي للتعريب وتأليف العلوم الصحية وترجمتها- دولة الكويت. وخبيرة الترجمة عهود المخيني- سلطنة عمان. وأدارت الجلسة منال الندابي، من مركز عمان للمعلومات الائتمانية والمالية.
وتحدثت الجاسم، عن الدور الجوهري لمؤسسات الترجمة، في ظل التحولات الرقمية والعولمة المتسارعة، ومدى قدرتها على حماية الهوية الثقافية دون الانغلاق عن العالم، بوصفها قناة للتبادل الثقافي بين الحضارات، إذ باتت جزءاً أساسياً من منظومة الدبلوماسية الثقافية، وركناً محورياً في بناء القوة الناعمة للدول، تحرك مسارات الفكر، وتنعش الخيال، وتفتح أمام الأجيال الجديدة آفاق أوسع. حيث تمنح الترجمة؛ الهوية، طاقة على إعادة تعريف ذاتها والتفاعل والتطور، وتعمل على تعزيزها، لأن الهوية لا تصان بالانغلاق، بل بقدرتها على الدخول في علاقة نقدية وإبداعية مقابل حضارة الآخر. مع أهمية ترسيخ الفكر النقدي لدى الأجيال الشابة، ليتمكنوا من التمييز والانتقاء الجيد الهوية، وأن لا يفقدوا هويتهم الثقافية مع التدفق الكبير للمعلومات.
وأشارت الجاسم في الجلسة، إلى جهود مركز أبو ظبي للغة العربية، في مشروع كلمة للترجمة، وكيفية اختيار نوع المحتوى والسياسات اللغوية وقنوات النشر، وارتباطها ببعضها كمنظومة متكاملة. بحيث يتم تقديم الترجمات بشكل جذاب، ومفهوم للجمهور العام، ويحافظ على ثراء اللغة، وأصالتها وجماليتها، مع اعتماد آليات نشر وتوزيع تضمن وصول الكتاب إلى القارئ، إلى جانب تبني المركز الإكثار من الترجمات النوعية، في مجالات التراث والهوية. ولفتت إلى قيام مشروع كلمة بترجمة أكثر من سبعين كتاب، ضمن سلسلة “ثقافات الشعوب”، وترجمة أعمال يعرض محتواها الهوية، والثقافة العربية، من زوايا جديدة، كما في كتاب “الهوية الثقافية في روايات الهجرة العربية”. إلى جانب أحدث إصدارات المشروع، كتابين للمستعرب الفرنسي أنديه ميكايل، هما “مسار مستعرب”، و”عربي عبر القرون”.
وعن كيفية اختيار العناوين التي تتم ترجمتها، أوضحت الجاسم أن اختيار العناوين يشكّل جزءاً من استراتيجية ثقافية، يتابع فيها المركز الإصدارات العالمية في مختلف المجالات، ورصد الأعمال ذات القيمة الفكرية العالية، والكتب الفائزة بجوائز أدبية دولية، كما تقوم لجنة متخصصة بترشيح العناوين وتقيمها ليتم اختيارها، مع الاهتمام بكلاسيكيات الآداب والفكر التي لم تترجم سابقاً، في سبيل إعادة إنتاج المعرفة لتغني الهوية، والثقافة العربية.
وفيما يخص الترجمة المعاكسة، أشارت الجاسم إلى أن المركز يستثمر بشكل كبير في تقدير التراث العربي، والعمل على إبراز هذا الإرث العربي وترجمته للعالم. وأن ترجماته المهمة في هذا المجال تكشف التحولات الحديثة في الخطاب الثقافي العربي من كتاب مغتربين، كما في كتاب “الهويات الثقافية البدوية والعباسية”، وكتاب “ألف ليلة وليلة”، وغيرهما.
وأشارت إلى أنه خلال معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، تمّ إطلاق مشروع “كلمة إلى العالم”، الذي يهدف إلى ترجمة بعض أهم إصدارات المركز في الأدب العربي والإماراتي، إلى لغات العالم الكبرى لتعريف القارئ العالمي بثراء تراثنا الكلاسيكي والمعاصر، والسعي إلى تأمين ناشرين دوليين، وإن تطلب الأمر مزيداً من الوقت والجهد والعمل الممنهج على تطوير الشراكات، وتقديم ملفات الحقوق، لتقدم الثقافة العربية سرديتها بثقة إلى العالم”.
المصدر
المصدر: جريدة الوطن
إقرأ أيضاً:
وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
منطقة الخليج العربي ليست وليدة النفط، وليست وليدة العقد الثاني من القرن العشرين. أتعجب من بعض إخواننا العرب من تصوير سكان المنطقة وكأنهم كانوا حفاة لا قيمة لهم إلا في العقود المتأخرة. فهذه المنطقة عموما ارتبطت بحضارات قديمة وعريقة في القدم، وتدافعت معها، وأثرت وتأثرت بها مع حضارة بلاد السند، وبلاد الرافدين، وحتى حضارة النيل والصين، وارتبطت بالأديان والثقافات الأولى، وكانت ولا زالت من أهم المعابر البحرية والبرية، قبل أن تكون من المعابر المهمة جويا لتوسطها العالم القديم، وموقعها المميز في العالم الحديث.
إذا كانت هذه المنطقة ليست بذات الأهمية فلماذا قصدها المستعمرون الأوربيون منذ القرن السادس عشر الميلادي حتى اليوم؟ ولماذا تنافس عليها الأمويون والعباسيون وحتى العثمانيون قديما؟ لا يمكن قراءتها بهذه السذاجة التي يصورها بعضهم، وللأسف منهم كتاب، وبعضهم يعيش أو عاش في الخليج، وكان قريبا من ثقافتها وقراءة تأريخها.
فإذا أصابها التقسيم وفق المشيخات أو الأسر الحاكمة أو حضور اسم بعضها قديما وحديثا فقد سبقتها بلاد الشام والعراق واليمن والمغرب الأقصى منذ بدايات معاهدة سايكس بيكو 1916م، وهذا لم يلغِ وجود هذه الدول وأهميتها قبل وبعد التقسيم؛ فلا معنى للتقليل من الخليج العربي ودوله وعراقته قبل وبعد أيضا.
كتبت أكثر من مرة عن هذه المنطقة، وعن تأريخها ووحدتها، بيد يحزنني ما أراه من «مهاترات صبيانية» في «أكس» وكأنهم في حرب داحس والغبراء من مثقفين وأكاديميين ينظر إليهم أنهم قدوة في احتواء مثل هذه الأزمات، والحفاظ على وحدة الخليج وأمنه وترابه، وتوفير بيئة آمنة لأجياله القادمة، وهذا حد لا مساس له. للأسف أن نرى غثائية تظهر بين حين وآخر بدلا من قراءات جادة يتقدمها العقلاء، ويستفيد منها الساسة.
ثم للأسف أن الخليج بذاته من خلال مجلسه لم يستطع صناعة قراءة ثقافية وعلمية لها مراكزها المستقلة والصانعة للقرار. اكتفى عند صناعة جاميات مذهبية مختلفة تستخدمها السلطة بين حين وآخر، وبين صناعة مثقفي السلطة ذاتها المتحدثين بمدى الانتفاع المادي، وليس باسم الوطن ومبادئه وقيمته، وهذا ما نرى نتيجته اليوم بعد الأحداث الأخيرة من عدمية القراءات الجادة، ورغبة العديد من القدرات الثقافية إلى السكوت والانزواء، لتسود الغثائية في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «أكس».
المتأمل في «أكس» أن هناك فئات متقلبة حسب الحدث ترى الخليج بأكمله في سياسات دولها القطرية أحسنت أم أساءت، وكأن استقرار الخليج برؤية سياسة دولها المتقلبة؛ فأمن الخليج هو أمن للجميع، كما أن أمن أي دولة فيه هو أمن للكل، وكما لكل دولة سيادتها وخصوصيتها الثقافية ورؤيتها السياسية، إلا أن أي خلل أمني فيها المتضرر هو الجميع، كما نراه اليوم مثلا في العراق واليمن، وهما أكثر الدول قربا من الخليج؛ فبعض التقارير تشير إلى أن العديد من الضربات التي لحقت بالخليج في الحرب الأخيرة انطلقت من العراق، كما أن الفراغ السياسي في اليمن أدى إلى نمو جماعات أصبحت مصدر تهديد لأمن الخليج، والسبب أن الخليج طيلة نصف قرن لم يستطع احتواء هذين القطرين بمعنى الإحياء، وبناء الدولة المدنية غير المؤدلجة - خصوصا اليمن - حيث كانت أكثر قابلية أن تكون ضمن المنظومة الخليجية؛ فنمت في هذين القطرين تنظيمات نتيجة الفراغ السياسي، والتدخلات الأيديولوجية الخارجية.
ثم أتعجب ممن يبرر الضربات الحربية على الخليج بدعوى وجود قواعد عسكرية خارجية فيها في انتهاك صارخ لأمن وسيادة الخليج ذاته، كما أتعجب ممن يشجع مليشيات خارجية لها رؤى أيديولوجية مغلقة في ضرب المنطقة تحت مبررات لا علاقة لها لا بالقضية الفلسطينية، ولا بالحرب الأخيرة.
فانتهاك سياسة أي دولة في الخليج هو انتهاك لسياسة الجميع أيا كان مصدر هذا الانتهاك لا يبرر بحال من الأحوال، إلا إذا كان في الخفاء استخدمت هذه القواعد والتحالفات لا لأغراض أمنية دفاعية، بل استخدمت لأغراض حربية تضر بالآخر، فهنا كما يقال «جنت على نفسها براقش».
إن اتجاه الخليج اليوم في توسعة خلق الولاءات الخارجية عسكريا وسياسيا وثقافيا إذا هذا الخلق ليس منطلقه الوحدة الخليجية ذاتها، بل باعتبار الدولة القطرية الواحدة، هذا بلا شك سيمدد من حالة الفرقة بين دول الخليج، وتلاشي فكرة الوحدة الخليجية، وقد يجر كما حدث في لبنان - ولو على المستوى القطري - إلى تعددية الولاءات الخارجية في منطقة الخليج، وبالتالي حدوث الفوضى فيه على المدى البعيد.
عندما تنطلق هذه الولاءات من وحدة خليجية واحدة للحفاظ على أمنه وإحيائه كمنطقة جيوسياسية واحدة فهذا له ضرورياته المرحلية، لكن لما تنطلق من اعتبارات تجزيئية فيعني هذا أن الخليج يتجه نحو الانقسامات وخراب بيته بيده.
وهذا ما نراه اليوم في «أكس»؛ فالذي يحدث فيه إما له علاقة بجهات معروفة داخل الخليج ذاته، وهي من تسعى إلى خلقه، وإما لا علاقة لها به من حيث الابتداء، وإما أن العديد منها معرفات خارجية من غير أبنائها غايتها خلق الفوضى في هذه المنطقة، ودول الخليج باستخباراتها مدركة أنه لا تأثير لها إلا إلهاء الشعوب بصراعات وهمية آنية تشغل بها. جميع هذا - أدرك أم لم يدرك - سوف يؤدي إلى صناعة أزمة أمنية في المنطقة، وصناعة أجيال غير متشربة بالوحدة الخليجية، ولها انتماءات أيديولوجية خارجية على المدى البعيد ترى فيها الخلاص لأزمتها ومشكلاتها، مما يضعف الولاءات الداخلية التي تنمو بشكل طبيعي من الداخل، ولو اختلفت ثقافاتها، لكن غايتها إحيائية صادقة، وليست متلبسة بها لغايات مصلحية فردية أو خارجية أو نتيجة انتماءات أيديولوجية.