يمانيون:
2026-07-24@07:59:24 GMT

الهوية الإيمانية .. من التصديق إلى الموقف

تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT

الهوية الإيمانية .. من التصديق إلى الموقف

آيات الهوية الإيمانية في القرآن الكريم هي أكثر الآيات القرآنية كثافة في الدلالة، إذ تختزل منظومة الإيمان في بعدها الديني والعملي معًا، وتقدّم تصورًا متكاملاً للهوية الإيمانية، التي أكد الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه ، أنها تشكل الأساس المشترك لمسيرة الأنبياء والمؤمنين عبر التاريخ، وإطارًا ناظمًا للسلوك الفردي والجماعي، ومحددًا للموقف في الواقع، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (البقرة:285-286) .

يمانيون / أعده للنشر / طارق الحمامي

 

الإيمان .. من التعريف إلى التأسيس
يفتتح النص القرآني بتقرير واضح: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ}، وهي صيغة تحمل في طياتها بعدًا معياريًا، وكأنها تضع نموذجًا معتمدًا للإيمان الصحيح، فالإيمان هنا ليس ادعاءً مفتوحًا على التأويل، بل حالة محددة المعالم تبدأ من التسليم للوحي وتنتهي بالالتزام العملي بمقتضياته، هذا الأسلوب الخبري يؤسس لقاعدة مرجعية تُقاس عليها حالات الإيمان المختلفة، وتُفصل من خلالها بين الإيمان الفاعل والإيمان الشكلي الذي لا يترك أثرًا في الواقع، ولخص معالمه الشهيد القائد بقوله : إيمان لا يبدأ من الله وينتهي بالمواجهة مع أعدائه، ليس هو إيمان الرسل والأنبياء والصالحين من عباد الله، لقد جاءت هذه الآية بصيغ إخبارية في التقريرات الإيمانية، لتوحي لنا بأنه هكذا، هكذا يكون الإيمان، الإيمان الذي هو إيمان الأنبياء والرسل والصالحين من عباد الله.

 

النموذج النبوي بوصفه مرجعية عملية
يبرز الرسول محمد صلوات الله عليه وآله وسلم، في هذا السياق باعتباره النموذج الأول لتجسيد الهوية الإيمانية، فالآية لا تفصل بين إيمان الرسول وإيمان المؤمنين، بل تضعهما في سياق واحد، ما يعكس وحدة المنهج ووحدة الطريق، ويكشف هذا التلازم أن الإيمان الحقيقي بالرسول لا يتحقق بمجرد الاعتراف برسالته، وإنما بالسير على النهج العملي الذي جسّده، نهج الحركة، وتحمل المسؤولية، والمواجهة لأعداء الله، لا الاكتفاء بالوعظ أو الانكفاء على الذات.

 

الإيمان كمنظومة متكاملة لا كعناصر متفرقة
تقدّم الآيتان تعريفًا شاملًا للإيمان عبر تعداد أركانه، الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، دون تفريق أو انتقاء، وهو ما شدد عليه الشهيد القائد في درس ’’الهوية الإيمانية’’ أن هذا التعداد يطرح كل عنصر بوصفه لبنة لها أثر مباشر في تشكيل وعي المؤمن وسلوكه، والإيمان بالله يظهر بوصفه أساس الثقة والاعتماد، لا مجرد الإقرار بوجود الخالق، بل الاطمئنان لوعده وسننه في النصرة والتأييد، فالإيمان بالملائكة يكتسب بعدًا نفسيًا ومعنويًا، حيث يعزز شعور المؤمن بأنه ليس منفردًا في ميدان التحدي، بل جزء من منظومة دعم إلهية أوسع، والإيمان بالكتب يعكس وحدة المشروع الإلهي عبر التاريخ، واستمرارية الهداية، وينفي فكرة القطيعة بين الرسالات، والإيمان بالرسل يرسّخ الانتماء إلى خط تاريخي ممتد من القدوات المصطفاة، ويمنح المؤمن شعور العزة والامتداد الحضاري.

 

وحدة الرسالة وبناء الوعي الجمعي
من أبرز الدلالات التي رسخها الشهيد القائد في آيات الهوية الإيمانية، التأكيد على وحدة الرسالات السماوية، ووحدة المنهج الأخلاقي والإنساني الذي قامت عليه، فالأنبياء، رغم تباعد الأزمنة واختلاف البيئات، يشكّلون في مجموعهم تجربة واحدة متجانسة، ما يعكس قدرة هذا المنهج على بناء إنسان موحد الرؤية والغاية، ويُفهم من هذا الطرح أن الانقسام والتشظي الديني لا يمثلان امتدادًا حقيقيًا للخط الإلهي، بل خروجًا عنه، وهو ما يفسر الحزم القرآني في رفض التفرق الديني.

قصص الأنبياء .. وظيفة التثبيت لا السرد
يتجاوز الخطاب القرآني في عرضه لقصص الأنبياء البعد التاريخي، ليؤدي وظيفة نفسية وتربوية واضحة، تتمثل في تثبيت القلوب وتعزيز الصمود أمام التحديات، ويشير القرآن صراحة إلى أن هذا السرد كان موجهًا حتى للرسول نفسه، في إقرار صريح بأن حمل الرسالة يفرض ضغوطًا إنسانية تستدعي الدعم والتثبيت، غير أن هذه الوظيفة لا تتحقق إلا لدى من يعيش حالة الفعل والمواجهة، أما من يكتفي بالمشاهدة أو القعود، فإن هذه القصص تبقى لديه مجرد حكايات لا تتجاوز حدود المعرفة النظرية. 
وفي ضوء هذا الخطاب، تتحول الهوية الإيمانية إلى معيار موضوعي لتقييم الأفراد والجماعات، فالإيمان يُقاس بمدى تحوله إلى التزام عملي، وموقف أخلاقي، واستعداد لتحمل المسؤولية.

 

ختاماً 
تقدم آيتا الهوية الإيمانية في سورة البقرة تصورًا متقدمًا للإيمان بوصفه مشروعًا متكاملاً لبناء الإنسان والمجتمع، يقوم على وحدة العقيدة، ووحدة الرسالة، ووحدة الموقف، وهي رؤية تتجاوز الزمان والمكان، وتطرح الإيمان كقوة فاعلة في التاريخ، لا كحالة روحية منعزلة، ما يجعلها إطارًا صالحًا للتحليل والقراءة في كل سياق حضاري وإنساني.

المصدر

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: الهویة الإیمانیة الشهید القائد

إقرأ أيضاً:

ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية

صراحة نيوز – نظّمت إدارة مهرجان جرش للثقافة والفنون، بالتعاون مع اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين، ندوة ثقافية بعنوان “السردية الثقافية الرسمية”، في قاعة المؤتمرات بالمركز الثقافي الملكي، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والفكري.

وشارك في الندوة الأمين العام لوزارة الثقافة نضال العياصرة، وعاقل الخوالدة، فيما أدارها وقدّمها عايد أبو فردة، الذي استعرض أهمية موضوع السردية الثقافية وعلاقته بتعزيز الوعي الوطني، وحماية الذاكرة الأردنية، وإبراز المنجز الثقافي والحضاري للمملكة.

وناقشت الندوة عددا من المحاور المرتبطة بمفهوم السردية الثقافية الرسمية، ودورها في توثيق الذاكرة الوطنية، وإبراز التنوع الثقافي الأردني، وتعزيز حضور الثقافة في الحياة العامة، إضافة إلى مسؤولية المؤسسات الرسمية والأهلية في إنتاج خطاب ثقافي متوازن ومنفتح وقادر على مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية.

كما تناول المشاركون، أهمية توثيق الروايات والتجارب المحلية، والمحافظة على التراث المادي وغير المادي، والاستفادة من الأدب والفنون والمسرح والسينما والإعلام الرقمي في تقديم الحكاية الأردنية إلى الجمهور بأساليب معاصرة، تعزز حضورها واستمرارها بين الأجيال وقال العياصرة، إن السردية الثقافية الرسمية تمثل أحد المرتكزات الأساسية في التعبير عن هوية الدولة الأردنية وتاريخها وقيمها، مشيرا إلى أن بناء سردية ثقافية وطنية متماسكة يسهم في تقديم صورة واضحة عن الأردن، تستند إلى إرثه الحضاري وتنوعه الثقافي والاجتماعي، وتعكس مسيرته ومواقفه ومنجزاته.

وأضاف أن الثقافة ليست نشاطًا منفصلًا عن مسيرة الدولة والمجتمع، بل تعد أداة رئيسة في بناء الوعي وتعزيز الانتماء، وترسيخ القيم الوطنية لدى الأجيال، مؤكدًا أهمية توثيق المنجز الثقافي الأردني وإتاحته للجمهور بأساليب حديثة تتناسب مع التطورات المتسارعة في وسائل الاتصال والمنصات الرقمية.

وبيّن العياصرة أن المؤسسات الثقافية تتحمل مسؤولية كبيرة في صون الذاكرة الوطنية، ودعم المبدعين والكتّاب والفنانين، وإبراز الإنتاج الثقافي الذي يعبر عن خصوصية المجتمع الأردني، إلى جانب فتح مساحات أوسع أمام الشباب للمشاركة في صياغة المشهد الثقافي والمساهمة في نقل الرواية الوطنية إلى المستقبل.

وأشار إلى ضرورة أن تقوم السردية الثقافية على المعرفة والتوثيق والدقة، وأن تقدم التاريخ والهوية والمنجز الوطني بلغة قادرة على مخاطبة مختلف فئات المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، بما يعزز قدرتهم على فهم تاريخ وطنهم والاعتزاز به والتفاعل الإيجابي مع قضاياه.

وأضاف العياصرة، أن السردية الثقافية الأردنية تستند إلى تراكم حضاري وتاريخي عميق، وتستمد قوتها من تنوع الموروث الثقافي في مختلف محافظات المملكة، مشيرا إلى أهمية إبراز الحكايات المحلية والتجارب الإبداعية التي تعبّر عن خصوصية المكان والإنسان الأردني، ودمجها ضمن خطاب ثقافي وطني جامع يحفظ التعدد، ويعزز وحدة الهوية والانتماء.

وأكد، أن وزارة الثقافة تعمل على تطوير برامجها ومشروعاتها بما يوسّع مشاركة الشباب في الحياة الثقافية، ويتيح أمامهم المجال لإنتاج مضامين أدبية وفنية ورقمية تعكس رؤيتهم لوطنهم، لافتا النظر إلى أن استدامة السردية الثقافية تتطلب مواكبة لغة العصر، والاستفادة من التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية في توثيق المنجز الوطني ونشره، والوصول به إلى الجمهور داخل الأردن وخارجه.

من جانبه، قال الخوالدة، إن بناء السردية الثقافية الوطنية لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، وإنما يتطلب شراكة متكاملة بين وزارة الثقافة والمؤسسات التعليمية والجامعات ووسائل الإعلام والكتّاب والأدباء والفنانين ومؤسسات المجتمع المدني.

وأوضح أن السردية الثقافية الفاعلة هي التي تستوعب تعدد التجارب والرؤى داخل المجتمع، وتقدم صورة شاملة عن الإنسان الأردني وتاريخه وموروثه وقيمه.

وشهدت الندوة نقاشا بين المشاركين والحضور حول آليات تطوير الخطاب الثقافي الوطني، وأهمية تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، وتوسيع مشاركة المثقفين والشباب في صياغة المبادرات والبرامج التي تخدم الثقافة الأردنية، وتدعم حضورها داخل المملكة وخارجها.

وتأتي الندوة ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لمهرجان جرش للثقافة والفنون، والهادفة إلى إثراء المشهد الثقافي الأردني، وتوسيع فضاءات الحوار الفكري، وتعزيز دور الأدباء والمثقفين في مناقشة القضايا الوطنية، وترسيخ الثقافة بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الهوية والانتماء الوطني.

مقالات مشابهة

  • ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية
  • ولادي طبعًا | شمس البارودي تبكي على الهواء بسبب هذا الموقف
  • مزيج فرعوني وإسلامي وأفريقي.. عماد الساعي يرسم ملامح الهوية المصرية
  • خبير أممي يكشف تأثير السوشيال ميديا على الهوية الثقافية للشباب
  • الساعي : مصر تمتلك مقومات قوية لبناء الهوية الوطنية وتعزيز قوتها الناعمة
  • برعاية عميد كلية الآداب .. إطلاق الهوية الصوتية والبصرية وشخصيات كرتونية ثلاثية الأبعاد بوحدة التدريب بإعلام العاصمة
  • من الحصار إلى الردع… حين يصنع الإيمان معادلات القوة
  • إيران تعلن استهداف وحدة أميركية وبرج مراقبة في الكويت
  • سمير التقي: تصريحات روبيو تعكس يأس ترامب من التوصل لاتفاق مع إيران
  • وحدة عدن يتأهل إلى ثمن نهائي كأس الجمهورية بثلاثية في شباك سمعون