الإمارات.. موقف واضح في مشهد معقد
تاريخ النشر: 1st, January 2026 GMT
كتب/ عيسى الكعبي
يقال إن «المواقف تكتب التاريخ، والولاء يحفظه»، وفي العلاقة بين الإمارات واليمن الشقيق، التاريخ ليس مجرد كلمات مكتوبة، بل هو عهد عميق مكتوب بالدم، مختوم بالكرم ومتجذر في قناعة القيادة والشعب بأن أمن «اليمن السعيد» لا ينفصل عن أمن «البيت المتوحد».
نهج الإمارات في قضية اليمن متجذر في المبادئ الأخلاقية للراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله)، الذي رأى استقرار اليمن ذا أهمية استراتيجية وروحية لجميع العرب.
ومن منطلق هذا الإرث، لم تتردد الإمارات عندما جاء النداء، ولم تبق صامتة عندما هددت رياح الفوضى استقرار بلد شقيق.
بل كانت في الصفوف الأمامية، مستخدمة نفوذها السياسي والعسكري والإنساني لتحريك الميزان لصالح العدالة والعروبة.
أي شخص يفكر في تضحيات قواتنا الشجاعة في اليمن سيدرك أن الإمارات لم تذهب هناك من أجل المتعة أو البحث عن مكاسب.
الدم الذي روى تراب مأرب وعدن ومكلا هو أعلى تعبير عن الولاء، هذه التضحيات هي “صك الأمان” الذي قدمته الإمارات لليمن، وهي الإجابة العملية والحاسمة لكل من يشكك في نزاهة دور الإمارات.
من يضحي بأبنائه الأحباء للدفاع عن وطن أخيه لا يمكنه إلا أن يكون شريكا حقيقيا في المصير.
إلى جانب خنادق الدفاع، جفّفت “يد البناء” في الإمارات دموع الأيتام واعتنت بالجرحى. أرقام المساعدات التي تجاوزت 6 مليارات دولار ليست مجرد إحصاءات؛ بل تمثل مستشفيات تم إعادة بنائها، ومدارس أعيد افتتاحها بعد إغلاق طويل، وموانئ أعيد تفعيلها، وقوافل مساعدات وصلت حتى أكثر الجبال والوديان بعدًا.
لم تقم الإمارات ببناء جدران، بل زرعت الأمل في قلوب ملايين اليمنيين الذين رأوا في الهلال الأحمر الإماراتي بصيص نور في أحلك ليالي الأزمة.
لذلك نحن مندهشون من تلك الأصوات التي تحاول مرارًا وتكرارًا تشويه الواقع أو تجاهل الحقائق المؤكدة. محاولات شيطنة دور الإمارات أو تصويرها كتهديد ليست سوى جحود، لا يضر الإمارات بقدر ما يضر أولئك الذين يطلقون مثل هذه الادعاءات، ويخدم أجندات لا تتمنى الخير لليمن أو للعالم العربي.
كانت الإمارات وستظل صمام أمان وحصنًا منيعا ضد التوسع المدمر.
اليوم، إنها ثابتة، دون انتظار مكافأة أو شكر، بل من أجل يمن مستقر يعيد للبلد مكانه الشرعي.
رسالَتُنا اليوم واضحة ولا لبس فيها: نحن في الإمارات نبقى أوفياء لحلفائنا ولن نتخلى عنهم، شراكتنا مع اليمن هي شراكة دائمة قائمة على الاحترام المتبادل والهدف المشترك.
ومن ينظر إلى الوضع بموضوعية يدرك أن الإمارات قد خلقت مثالاً فريداً لـ”أخلاقيات التحالف”، حيث تتراجع الاعتبارات التافهة أمام أهمية المبادئ.
في الختام، يمكن القول إن ولاء الإمارات لليمن سيظل علامة بارزة على العمل العربي المشترك. ستتلاشى الصعوبات، وستتحسن الأزمات، ولن يذكر إلا من وقف إلى جانب اليمن في محنته، وسيخسر الانتهازيون أوهامهم، بينما سيبقى ما ينفع البشرية.
ستكون تضحياتنا منارة تضيء الطريق نحو يمن مستقر وآمن ومزدهر.
المصدر
المصدر: جريدة الوطن
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.