العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف!

(١)عن الخوف، واليقين، وإغراء القوة

د.ناهد محمد الحسن

 

في إحدى حكايات التاريخ القديم، حين كانت المدن تُحاصر وتضيق بالناس، لم يكن الجنود أول من يُستدعى للحكم، بل الحُرّاس.

كان الحارس يقف على البوابة ليحمي المدينة من الخارج، لا ليحكم من الداخل.

لكن شيئًا ما يتغير دائمًا في لحظة الخطر:

حين يطول الحصار، ويتعب السياسيون، ويتشاجر الحكماء، يبدأ الناس في النظر إلى الحارس لا بوصفه واقفًا على الباب، بل بوصفه الباب نفسه.

ومن هنا تبدأ القصة.

هذه السلسلة ليست هجومًا على الجيش، ولا دفاعًا أعمى عنه.

وليست محاولة لإعادة إنتاج شعار سهل من نوع “الجيش إلى الثكنات”، وكأن المسألة مجرد خطوة إلى الخلف.

هي محاولة لفهم كيف ولماذا خرج الجيش من الثكنة أصلًا، ولماذا يبدو الرجوع أصعب مما نتصور.

 

1. الخوف: المادة الخام للسياسة العسكرية

 

في علم النفس السياسي، يُعدّ الخوف أحد أقوى محرّكات السلوك الجمعي.

الخوف لا يُعطّل التفكير فقط، بل يعيد تشكيله.

حين يشعر المجتمع بالتهديد الوجودي—تفكك، حرب، فوضى، انهيار اقتصادي—يحدث ما يسميه بعض علماء النفس الارتداد نحو اليقين الصلب.

الناس لا تبحث في تلك اللحظات عن نقاشات معقدة، بل عن صوت واحد..قرار سريع..يد قوية..وهنا تظهر المؤسسة العسكرية كإجابة نفسية قبل أن تكون سياسية.

ليس لأنها أذكى، بل لأنها أوضح..ليس لأنها أعدل، بل لأنها أكثر حسمًا.

بينما الجيش في المخيال الجمعي يتحول ليصبح: “آخر ما تبقى من النظام”. وهذه فكرة خطيرة، لا لأنها خاطئة تمامًا، بل لأنها ناقصة.

 

2. المجتمع والسياسة:

حين تفشل السياسة، تُستدعى القوة

 

علم الاجتماع السياسي يخبرنا أن تدخل الجيش في السياسة لا يحدث في فراغ. هو غالبًا عرضٌ لمرضٍ أعمق. فحين تعجز الأحزاب عن: تنظيم الخلاف، و

إنتاج قيادة مقنعة..او لا تنجح في تقديم أفق عملي للناس..يتحول الصراع السياسي إلى ضجيج بلا قرار.

وفي هذه اللحظة، يبدو الجيش—بترتيبه، وانضباطه، وسلسلة أوامره—كبديل “عملي”.

لكن هذا “البديل” يحمل مفارقة كبرى:

الجيش مُصمَّم لإدارة العنف، لا لإدارة التعدد.

مدرب على الحسم، لا على التفاوض.. مصمم على تقديم الأوامر او تلقيها، لا على التسويات.

وحين يُكلَّف بما لم يُصمَّم له، لا يفشل وحده—بل يفشل معه المجتمع كله.

 

3. من الاحتراف إلى التسييس: كيف تتآكل المؤسسة من الداخل؟

 

في الفلسفة السياسية الحديثة، يُفترض أن يكون الجيش: أداة للدولة، وليس شريكًا في الحكم، او حاملًا لأيديولوجيا.

لكن هذا الافتراض ينهار حين: تمتلك المؤسسة العسكرية اقتصادًا خاصًا

أو تُستخدم لحماية نظام أيديولوجي، أو تُزج في صراعات داخلية طويلة.

في هذه الحالة، لا يعود الجيش “محايدًا”، بل يتحول تدريجيًا إلى فاعل سياسي كامل: له مصالح، حلفاء، كما له بالضرورة أعداء. والأخطر:

حين يبدأ في إعادة تعريف “الوطن” على مقاس هذه المصالح.

هنا لا نكون أمام “جيش يحكم”، بل أمام سياسة

مسلّحة.

 

4. السودان: العقدة التي لا تُفهم بالهتاف

 

في السودان، لا يمكن فهم علاقة الجيش بالسياسة دون تسمية الأمور بأسمائها. فالسودان دولة لم تُكمل مشروعها المدني. بها

تعدد في مراكز العنف، مع تاريخ تسييس طويل للمؤسسة العسكرية. غارقة في اقتصاد الحرب، وتعاني من انقسامات اجتماعية عميقة.

في هذا السياق، يصبح الجيش ضحية لتوظيف سياسي، وفاعلًا في آنٍ واحد. وهذه الازدواجية هي لبّ المأساة. فالجيش ليس كتلة واحدة، ولا عقلًا واحدًا، ولا نية واحدة.

وفي الوقت ذاته، ليس بريئًا من التسييس، ولا من التحالفات غير الوطنية. كما انه مشغول بحماية شبكات مصالح ضيقة. وبالتالي الهروب من أحد الجانبين هو تبسيط مريح لكنه مدمّر.

 

5. لماذا لا يكفي الغضب؟

 

الغضب مفهوم. بل أحيانًا ضروري. لكن علم النفس يخبرنا أن الغضب حين لا يُؤطَّر، يتحول إلى إسقاط، تخوين، تبسيط أخلاقي. فنقع في ثنائية قاتلة: “إما معنا أو ضدنا”

وهذه بالضبط اللغة التي تُغذّي عسكرة السياسة.

فمقاومة التسييس لا تكون بتسييس مضاد، ولا باستبدال وصاية بوصاية، بل بإعادة السياسة إلى معناها الأصلي: إدارة الخلاف دون إلغاء الخصم.

 

6. أفق مختلف: كيف نفكر في الحل؟

أي حديث جاد عن مستقبل الجيش في السودان يجب أن يبدأ من ثلاث مسلّمات: لا دولة بلا مؤسسة عسكرية مهنية. ولا ديمقراطية مع جيش مسيّس. ولا إصلاح بلا سياسة مدنية قادرة على التنظيم لا فقط الاحتجاج

الحل ليس إذلال الجيش،

ولا تقديسه، بل فكّ الاشتباك بين السلاح والسياسة. وهذا مسار

طويل، تدريجي، ومليء بالتناقضات.

لكنه الطريق الوحيد الذي لا ينتهي بحرب جديدة.

نواصل

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

إقرأ أيضاً:

نائب الشيوخ : إحياء القاهرة التاريخية يعيد رسم خريطة القوة الناعمة لمصر

أكد النائب أحمد سمير، عضو مجلس الشيوخ، أن مشروع إعادة إحياء معالم القاهرة الإسلامية والتاريخية لا يقتصر على كونه تطويرًا عمرانيًا أو سياحيًا، بل يمثل خطوة استراتيجية لإعادة توظيف التاريخ المصري كأداة فاعلة في تعزيز القوة الناعمة للدولة وترسيخ حضورها الإقليمي والدولي.

وقال سمير في تصريح خاص لـ"صدى البلد"، إن الاهتمام بإحياء قلب القاهرة وتحويله إلى مزار مفتوح يعكس رؤية دولة تدرك قيمة التراث كعنصر تأثير حضاري وثقافي، وليس مجرد موروث تاريخي، موضحًا أن هذا التوجه يسهم في تعزيز صورة مصر كدولة قادرة على المزج بين الحداثة والأصالة.

رئيس مجلس الشيوخ الباكستاني يجدد تأكيد التزام إسلام أباد بتعزيز علاقاتها مع واشنطنأمريكا.. تقديم مشروع قانون لحظر الاحتجاجات أمام المعابد اليهودية لمجلس شيوخوكيل مجلس الشيوخ يهنئ الرئيس السيسي بمناسبة حلول عيد الأضحى المباركعضو بمجلس الشيوخ الباكستاني: المؤشرات بين واشنطن وطهران تعكس حالة من التفاؤلتعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية العالمية

وأضاف أن تطوير القاهرة التاريخية وإبراز طابعها المعماري الفريد يساهم في تعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية العالمية، ويدعم قدرتها على تقديم نموذج حضاري متفرد يميزها عن غيرها من الدول.

وأشار عضو مجلس الشيوخ إلى أن هذا المشروع يعزز أيضًا من الدبلوماسية الثقافية المصرية، من خلال خلق مساحات تفاعلية تربط بين التاريخ والفنون والأنشطة الثقافية، بما يرسخ حضور مصر في الوعي العالمي.

واختتم النائب أحمد سمير تصريحه بالتأكيد على أن الاستثمار في التراث هو استثمار في مكانة الدولة وهيبتها الناعمة، وأن ما تشهده القاهرة من تطوير يعكس تحولًا نوعيًا في طريقة إدارة الموارد التاريخية والثقافية لمصر.

طباعة شارك الإقليمية إحياء القاهرة التاريخية الشيوخ القوة الناعمة إعادة إحياء معالم القاهرة الإسلامية مجلس الشيوخ النائب أحمد سمير

مقالات مشابهة

  • شاهد .. رولز رويس سبيكتر 2027 بمدى أطول وأداء أقوى
  • غوتيريش يعرض 3 خيارات لقوات اليونيفيل في لبنان
  • نشأت الديهي: الدولة المصرية قوية والقانون سيواجه كل من يتطاول على مؤسساتها
  • نائب الشيوخ : إحياء القاهرة التاريخية يعيد رسم خريطة القوة الناعمة لمصر
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق
  • «مسافة بين ثورتين».. كمال القاضي يوثق معركة الوعي في مصر
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح
  • انطلاق القمة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز.. أبي المنى: لن ننقل السياسة إلى الطاولة