«رحلة عبر التاريخ».. يرسم الحضارات بالواقع الافتراضي
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
هزاع أبوالريش (أبوظبي)
يعد المشروع الثقافي «رحلة عبر التاريخ» في متحف اللوفر أبوظبي تجربة واقع افتراضي جماعية من أبرز المبادرات المبتكرة في عرض التاريخ الإنساني، حيث تتيح للزوار السفر عبر الزمن واستكشاف محطات مفصلية من تاريخ الحضارات التي شكّلت مسار العالم ثقافياً وفنياً وفكرياً.
ويمتد المشروع، المتاح لمدة 12 شهراً في الرواق السفلي للمتحف، ليعيد تقديم التاريخ بوصفه تجربة حية تُعاش بكل تفاصيلها، لا مادة معرفية تُقرأ أو تُشاهد فقط.
وتستغرق تجربة الواقع الافتراضي نحو 25 دقيقة، وتعتمد على تقنيات لاسلكية متطورة لتتبع حركة الجسد، ما يتيح لعشرة مشاركين خوض الرحلة في الوقت ذاته، والتحرك بحرية داخل بيئات رقمية حيّة، من دون شاشات أو أجهزة تحكم، في تجربة قائمة على الحضور الكامل والتفاعل الجماعي. ومن خلال سرد سينمائي غامر، تنتقل التجربة بالمشاركين عبر عصور مختلفة لإعادة اكتشاف روائع فنية أيقونية من مجموعة اللوفر أبوظبي الدائمة، أُعيد تصورها رقمياً بعد أبحاث دقيقة. وتشمل الرحلة ثلاث محطات حضارية رئيسة: روما الإمبراطورية في القرن الأول الميلادي، حيث تتجسد رمزية السلطة وقوة الحكم؛ وبغداد في القرن الثالث عشر الميلادي داخل فضاءات بيت الحكمة، مركز النهضة العلمية والفكرية؛ ثم الهند المغولية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وسط أجواء فنية ومعمارية تعكس الفخامة والرقي.
السرد القصصي
تمنح التجربة المشاركين شكلاً جديداً من السرد القصصي يتجاوز حدود المشاهدة، ليقدّم معايشة واقعية يتحركون خلالها بأجسادهم داخل فضاءات تاريخية واسعة، تماماً كما يفعلون في حياتهم اليومية. كما تتميّز التجربة بطابعها الجماعي، حيث يرى المشاركون بعضهم بعضاً ويتفاعلون ويتقدمون معاً في مسار قصصي واحد يجمع بين الاكتشاف والتعلّم ومتعة المغامرة.
مقتنيات وسياقات
ويستند مشروع «رحلة عبر التاريخ» إلى مقتنيات أثرية حقيقية وسياقات ثقافية موثّقة، حيث تدعو كل بيئة افتراضية الزوار إلى استكشاف الماضي عبر تجربة متعددة الحواس، سواء كانوا مهتمين بالعمارة الرومانية، أو بالنهضة الفكرية في بغداد العباسية، أو بالفنون المغولية الراقية.
3 لغات
تم تطوير المشروع بالتعاون مع «سمول كرياتيف ستوديو» في فرنسا، وهو متاح باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، ومناسب للزوار من عمر ثماني سنوات فما فوق. كما صُمّم ليشمل فئات واسعة من الجمهور، من العائلات والطلبة إلى عشاق التكنولوجيا ومستكشفي الثقافات.
بهذا المشروع، يتجاوز اللوفر أبوظبي مفهوم الزيارة التقليدية للمتحف، ليقدّم مساحة مفتوحة للفضول والتواصل، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، وتُعاد صياغة طرق فهم التاريخ ورؤيته بعين معاصرة. أخبار ذات صلة
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: الثقافة متحف اللوفر أبوظبي أبوظبي التاريخ المتاحف اللوفر أبوظبی
إقرأ أيضاً:
«مصر والحروب الصليبية».. إطلالة موسوعية للباحثة لمياء شريف على التاريخ الوسيط
في إطار إثراء المكتبة العربية بالدراسات الأكاديمية الرصينة التي تعيد قراءة الوعي التاريخي والمصدري للمشرق الإسلامي، صدر عن دار «أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع» بالقاهرة، كتاب جديد بعنوان «مصر والحروب الصليبية: دراسة في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي» للباحثة الأكاديمية لمياء شكر محمد شريف، وبتقديم متميز من الأستاذة الدكتورة زاهدة محمد طه المزوري أستاذ التاريخ بجامعة دهوك.
قراءة في منهج «مؤرخ النيل» ابن تغري بردي
تنبع الأهمية الاستثنائية لهذا الكتاب من كونه لا يقف عند حدود الرصد التقليدي للحملات الصليبية، بل يتخذ زاوية تحليلية ومصدرية تقوم على استقراء دور مصر عبر عيون أحد أبرز مؤرخي العصر المملوكي المتأخر، وهو المؤرخ الشهير ابن تغري بردي في موسوعته الخالدة «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة».
يكشف الكتاب بكفاءة منهجية عن كيفية توظيف هذا المؤرخ لمصادره المتنوعة ورؤيته التركيبية التي جمعت بين السرد والتحليل والتفسير لصياغة الوعي التاريخي للدولة في العصر الوسيط.
جاء الكتاب متبوعاً بتمهيد تاريخي وأربعة فصول رئيسة مكثفة وخاتمة، تتناول بالتفصيل دور مصر كقوة سياسية وعسكرية وحضارية مركزية ومحورية شكلت "القلب النابض" وحائط الصد الدفاعي عن العالم الإسلامي بأسره، وذلك عبر الحقب التاريخية المتواصلة للدول الثلاث.
يستعرض الكتاب أوضاع العالم الإسلامي قبيل الحروب، والدوافع الغربية لإطلاق الحملات الصليبية، ويتناول سيرة ابن تغري بردي، معطيات عصره، شيوخه، ومنهجه ودوافع تأليفه لكتاب "النجوم الزاهرة"، كما يناقش موقف مصر من الغزو الصليبي في العصر الفاطمي (حملة بلدوين الأول، وأزمة الوزارة وتداعيات سقوط الدولة).
ويدرس الكتاب دور مصر في مواجهة الصليبيين وتوحيد الجبهة الإسلامية في العصر الأيوبي، بدءاً من معارك الناصر صلاح الدين وحطين، وصولاً للحملتين الخامسة والسابعة وسقوط الدولة الأيوبية، ويبحث جهود السلاطين المماليك (الظاهر بيبرس، المنصور قلاوون، والأشرف خليل) في تقويض الكيانات الصليبية وإنهاء وجودها ببلاد الشام.
التفاتة علمية لـ "حركات القرصنة البحرية"ومما يمنح الكتاب تفرداً بحثياً ملموساً، هو تسليطه الضوء على جانب بالغ الأهمية كثيراً ما يغفل في الكتابات التقليدية؛ وهو دراسة استمرار الخطر الصليبي بعد طردهم من بلاد الشام ولجوء فلولهم المنهزمة إلى جزيرتي قبرص و رودس، حيث تحول نشاطهم إلى أعمال بحرية وعمليات قرصنة هددت الاقتصاد المصري والتجارة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكيف جابهت الأساطيل المصرية في العصر المملوكي تلك التحركات والتصدي لها بحملات السلاطين (مثل برسباي وجقمق).
وتكتسب هذه المرحلة قيمة توثيقية عالية لأن ابن تغري بردي كان شاهداً قريباً على بعض تطوراتها المعاصرة لعصره.