لوموند: هذه آخر الدول المتشبثة بـفاغنر في القارة السمراء
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
كشفت صحيفة لوموند الفرنسية أن جمهورية أفريقيا الوسطى باتت الدولة الوحيدة في أفريقيا التي تتشبث بطاقم فاغنر لديها برغم التحولات الكبرى التي عرفها التنظيم منذ وفاة زعيمه يفغيني بريغوجين في ظروف غامضة في روسيا.
وأضافت الصحيفة الفرنسية، في تقرير لمبعوثها الخاص إلى أفريقيا الوسطى بونوا فيتكين، أنه بينما نجحت موسكو في تحويل فروع فاغنر في مالي وبوركينا فاسو إلى وصاية وزارة الدفاع الروسية، تبدي أفريقيا الوسطى ممانعة واضحة.
ويقدر خبراء عسكريون عدد جنود فاغنر الموجودين بأفريقيا الوسطى بنحو 1500 عنصر، اندمجوا في النسيج المحلي وتغلغلوا في النظام الأمني، حتى بات قائد المجموعة ديمتري سيتي مستشارا شخصيا للرئيس.
وتابعت لوموند أن العديد من المسؤولين الروس سافروا إلى أفريقيا الوسطى في الفترة الأخيرة لحسم عقد يضفي الطابع الرسمي على "الفيلق الأفريقي" هناك بدلا من "فاغنر"، وسط إشارات إلى أن ذلك سيتم قريبا.
وبحسب الكاتب، تكمن العقدة الرئيسية في الانتقال إلى "فيلق أفريقيا" في الجانب المالي. فنظام فاغنر يعتمد على التمويل الذاتي عبر استخراج الذهب، إضافة إلى الألماس والأخشاب.
بينما تطلب موسكو حاليا ثمنا نقديا لقاء خدمات الفيلق الجديد، بمبالغ تتراوح بين 4 و15 مليون دولار شهريا، وهو عبء لا تطيقه الدولة المنهكة.
ومنذ عام 2018، شكّلت مجموعة فاغنر "العمود الفقري" لاستقرار السلطة في بانغي، حيث منعت سقوط العاصمة عام 2020 واستعادت أجزاء واسعة من البلاد من يد المتمردين.
تكمن العقدة الرئيسية في الانتقال إلى "فيلق أفريقيا" في الجانب المالي
ورغم مقتل مؤسسي المجموعة، يفغيني بريغوجين وديمتري أوتكين، في أغسطس/آب 2023، لا يزال تمثالهما المعدني قائما أمام "البيت الروسي" في بانغي، كرمز لشراكة ترفض السلطات المحلية التخلي عنها بسهولة.
بالنسبة للنظام في بانغي، تمثل فاغنر أهمية شخصية وأمنية، حيث يرى وزير الأشغال الكبرى بأفريقيا الوسطى وأحد مهندسي الحوار مع موسكو، باسكال كويغبيلي، أن الروس "تأقلموا مع الأدغال" وبنوا روابط اجتماعية في البلاد.
إعلانويوضح كويغبيلي، للصحيفة، قائلا: "لا توجد شفافية مطلقة فيما يتعلق بالدفاع"، مضيفا: "إنها مشكلة روسية داخلية، إنها إعادة هيكلة من جانبهم". وكشف دبلوماسي غربي للوموند أن السفير الروسي في بانغي، ألكسندر بيكانتوف، يعترف بنفسه بأنه غير ملم بتفاصيل المسألة.
لكن هذا الاستقرار المحقق بالخوف يواجه انتقادات دولية وحقوقية واسعة، فتقارير الأمم المتحدة توثق إعدامات خارج نطاق القضاء وحالات اغتصاب، وسط حالة من "الإفلات التام من العقاب"، توضح الصحيفة الفرنسية.
ورغم ذلك، تظل السلطات متشبثة بـ"فاغنرها"، بانتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في يناير/كانون الثاني الجاري، والتي قد تشكل نقطة التحول النهائية نحو الهيكل الروسي الجديد، وفقا للكاتب بونوا فيتكين.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات أفریقیا الوسطى فی بانغی
إقرأ أيضاً:
من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
بين أروقة المتحف المصري الكبير، يقف التمثال الضخم للملك سينوسرت الثالث شامخًا كأنه يتحدى الزمن، لا بوصفه مجرد قطعة أثرية نادرة، بل باعتباره شهادة حجرية على واحدة من أعظم الشخصيات التي حكمت مصر القديمة، فبينما اعتادت التماثيل الملكية في الحضارة المصرية أن تُظهر الملوك في صورة مثالية خالية من العيوب، جاء هذا التمثال ليقدم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة إنسان يحمل على وجهه ثقل المسؤولية وأعباء الحكم، لتتحول ملامحه إلى قصة تروي مجد الدولة الوسطى وقوة أحد أبرز فراعنتها.
ملامح غير مألوفة في الفن الملكيمن النظرة الأولى، يلفت التمثال الانتباه بواقعيته المدهشة. فالعينان الغائرتان، والخدان النحيلان، والتجاعيد الواضحة أسفل العينين، والخطوط المحفورة على الجبهة، جميعها تفاصيل لم تكن مألوفة في تصوير الملوك المصريين الذين غالبًا ما ظهروا في هيئة الشباب الأبدي والقوة المطلقة.
ويعتقد علماء المصريات أن هذه الملامح لم تكن انعكاسًا لعمر الملك فحسب، بل رسالة سياسية وفكرية أراد الفنان المصري القديم إيصالها؛ فسنوسرت الثالث لم يُرِد أن يظهر كحاكم مثالي بعيد عن الواقع، بل كقائد يحمل هموم دولته ويكرّس حياته لحماية شعبه وتأمين حدود بلاده.
القائد الذي أعاد رسم حدود مصرلم يكن سينوسرت الثالث مجرد ملك يجلس على العرش، بل كان قائدًا عسكريًا بارعًا ومصلحًا إداريًا من الطراز الأول. وخلال حكمه في الأسرة الثانية عشرة، قاد حملات عسكرية عميقة داخل النوبة، ونجح في توسيع النفوذ المصري جنوبًا، كما أنشأ سلسلة من الحصون على ضفاف النيل، من أشهرها حصونا سمنة وأورونارتي.
ولم تقتصر أهمية هذه المنشآت على الجانب العسكري فقط، بل تحولت إلى مراكز للتجارة والإدارة، ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من مصر قوة إقليمية مؤثرة خلال عصر الدولة الوسطى.
ثورة في الإدارة وترسيخ لهيبة الدولةإلى جانب إنجازاته العسكرية، لعب سنوسرت الثالث دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الدولة المصرية، فقد عمل على تقليص نفوذ حكام الأقاليم الذين ازدادت قوتهم خلال الفترات السابقة، واستعاض عن كثير منهم بمسؤولين تابعين مباشرة للسلطة المركزية.
هذا التحول أسهم في تعزيز وحدة الدولة وترسيخ سلطة الفرعون، وأرسى قواعد إدارية استمرت آثارها في عهد خلفائه. ولذلك ينظر المؤرخون إليه باعتباره أحد أبرز الملوك الذين نجحوا في بناء دولة مركزية قوية قادرة على إدارة مواردها وحدودها بكفاءة عالية.
تمثال يروي عبء المُلك وخلود الذكرىيُجسد التمثال الضخم جميع رموز السلطة الملكية المعروفة؛ فالملك يرتدي النقبة الملكية، وتظهر على صدره القلادة العريضة، فيما تعكس كتفاه العريضتان القوة العسكرية التي عُرف بها، لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في قدرته على الجمع بين الرمزية التقليدية والواقعية الإنسانية في آن واحد.
ولعل هذا ما جعل سينوسرت الثالث يحظى بمكانة استثنائية حتى بعد وفاته، إذ جرى تأليهه في بعض مناطق مصر القديمة، وخاصة في أبيدوس، واستمر تقديسه لقرون طويلة، كما اتخذ ملوك لاحقون من سيرته نموذجًا يُحتذى به في الحكم والقيادة.
واليوم، يقف تمثاله بالمتحف المصري الكبير ليس فقط بوصفه تحفة فنية من روائع النحت المصري القديم، بل باعتباره وثيقة تاريخية نادرة تكشف لحظة فارقة في تطور الفن المصري؛ لحظة التقت فيها عظمة الملك بواقعية الإنسان، لتُخلد على الحجر قصة قائد حمل أعباء الإمبراطورية فوق كتفيه، فبقيت ملامحه شاهدة على القوة والحكمة وخلود الحضارة المصرية.
الملك سينوسرت الثالث