فاطمة عطفة 

لم تَعدْ السينما في عالم اليوم مجرد وسيلة للترفيه أو عرض حكايات، بل غدت أداة ثقافية شاملة قادرة على احتضان مختلف أشكال الإبداع الإنساني، من الأدب والمسرح، إلى الموسيقى والفنون التشكيلية، في خطاب بصري واحد يصل إلى جمهور واسع وعابر للحدود. وبفضل قدرتها على الجمع بين الصورة والصوت والسرد، تحوّلت السينما إلى سجلٍّ حيٍّ للزمن، يوثّق اللحظة ويجمّدها خارج نهر الوقت المتدفق، مانحاً إياها قابلية الاستعادة والتأويل عبر الأجيال.

وفي السياق الإماراتي، برزت السينما بوصفها فضاءً مهماً لحفظ الذاكرة الثقافية، ونقل تفاصيل الهوية المحلية، وتحويل التجارب الإبداعية إلى صور نابضة بالحياة، قادرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغة إنسانية عالمية. من هنا، يسلّط هذا الاستطلاع الضوء على أهمية السينما الإماراتية في توثيق الإبداع الأدبي والفني، من خلال آراء مجموعة من المخرجين وصنّاع الصورة الذين يرون فيها فعلاً معرفياً وجمالياً يتجاوز التسجيل إلى بناء الوعي وصون الذاكرة.
تمتاز السينما بأنها تحتضن جميع الفنون الأدبية والسمعية والبصرية، كما تتميز بجمهورها الواسع، وذلك بفضل سعة انتشارها عبر العالم، وبخاصة أنها تشتمل على قصة يرويها ممثلون ويجري إخراجها مصوّرة، حيث يمكن نسخها بأعداد لا حدّ لها. كما تتنوع موضوعاتها بين الوثائقي والواقعي والخيالي، والاجتماعي والتاريخي، والحربي والعاطفي، لتُخاطب جميع الأجيال. ولا شك أن اللقطة القادرة على تصوير الحدث في لحظة وقوعه تُعد معجزة علمية، بتجميد اللحظة وانتزاعها من نهر الزمن الجاري بلا توقف.

الصورة والهوية 
وحول أهمية السينما وحضورها في توثيق الإبداع الأدبي والفني تعبيراً وسماعاً وبصراً، تقول المخرجة السينمائية عائشة المري: إن السينما تُعد إحدى الوسائل البصرية القادرة على توثيق الإبداع الثقافي والفني، وقد أسهمت الأفلام الإماراتية، سواء من خلال الأعمال الروائية أو الوثائقية، في نقل ملامح من الهوية المحلية إلى جمهور أوسع، لا سيما عبر مشاركتها في المهرجانات الدولية. وتؤكد أن هذه الأعمال لم تَعُدْ تكتفي بسرد قصة، بل صارت تنقل تفاصيل من الحياة الإماراتية، والعادات، والموروث، واللهجة، وحتى التحولات الاجتماعية، ما جعل السينما أداة توثيق بصري للإبداع الثقافي والفني في المجتمع. وتوضّح المري أن السينما، عندما تقدم القضايا الثقافية أو الأدبية عبر الصورة، تصبح أقرب وأسهل وصولاً للجمهور، وتسهم في تشكيل وعي عام أكثر عمقاً، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي تتفاعل مع الصورة أكثر من النص المكتوب. ويمكن تعريف التوثيق البصري للحالات الإبداعية بأنه تحويل التجربة الثقافية أو الفنية إلى صورة صادقة تعكس روح المجتمع وواقعه، ليس بوصفه مجرد تسجيل، بل قراءة بصرية للحظة إبداعية تحفظها وتمنحها الاستمرارية ضمن الذاكرة الثقافية.

ترجمة الأدب 
أما المخرج يوسف علاري، فيرى أن السينما تُعد من أهم أدوات التوثيق الإبداعي للأدب والثقافة، في الإمارات كما في غيرها من الدول، إلا أن حضورها لا يزال دون مستوى المنجز الأدبي والثقافي الإماراتي، ولم يواكب بعد عمق التجارب الإبداعية التي قدّمها مثقفون كان لهم مساهمة فاعل في الحقل الأدبي والفني. ويضيف موضحاً أن السينما أصبحت اليوم أحد أبرز الوجوه الثقافية المعاصرة، فحضورها ليس جمالياً فحسب، بل تفاعلياً أيضاً، إذ تستعير من الأدب عمقه السردي، ومن الفنون التشكيلية حسّها البصري، ومن الموسيقى إيقاعها الداخلي، لتعيد صياغة ذلك في خطاب بصري قادر على الوصول إلى جمهور أوسع. ويشير علاري إلى أن المشهد السينمائي هو ترجمة بصرية للمشهد الأدبي، كما أنه يعزّزه عبر تحويل الأفكار إلى صور محسوسة، ما يسهم في ترسيخها في الوعي الجمعي وتشكيل ذائقة جمالية أكثر عمقاً وانتشاراً، مبيناً أن التوثيق البصري الحقيقي يتطلب حسّاً فنياً ورؤية ثقافية واعية، لأنه لا يسعى إلى حفظ الصورة وحدها، بل إلى صون المعنى ونقل روح التجربة وسياقها الثقافي والإنساني.

ذاكرة مستقبلية 
وفي التجربة الإماراتية، يرى المخرج السوري المهند كلثوم أن السينما لم تَعدْ وسيطاً ناقلاً للإبداع فحسب، بل تحولت إلى مساحة حية لإعادة اكتشافه. فهي تلتقط الأدب في لحظة تحوّله إلى صورة، وتمنح الفنون التشكيلية والمسرح والموسيقى بعداً إنسانياً وزمنياً ممتداً، مؤكداً أن ما يميز هذا الحضور هو وعيه بأن التوثيق البصري ليس أرشفة جامدة، بل بناء ذاكرة ثقافية مستقبلية قادرة على نقل الخصوصية المحلية بلغة عالمية دون التفريط بجذورها. ويؤكد كلثوم أن السينما تشكّل اليوم محوراً جامعاً في الحياة الثقافية، وليست فناً منفصلاً عنها، إذ تتحاور مع النص الأدبي وتتقاطع مع الفنون البصرية، وتُعيد صياغة الأسئلة الفكرية بلغة الصورة، ما يمنحها دوراً يتجاوز العرض إلى المساهمة في تشكيل الخطاب الثقافي، لقدرتها على مخاطبة الوجدان والعقل معاً.

حفظ الذاكرة 

أخبار ذات صلة 5 فيلسوفات.. وإعادة تعريف الإنسان والتاريخ المتاحف الوطنية.. منصات مضيئة للأجيال والباحثين

أكد المخرج السينمائي سعيد سالمين العامري أن السينما تلعب دوراً محورياً في توثيق الإبداع الأدبي والثقافي والفني الإماراتي، لأنها قادرة على تحويل النصوص والأفكار والتجارب المحلية إلى صور حيّة تحفظ الذاكرة الثقافية للمجتمع. فالسينما، في رأيه، لا توثّق العمل الإبداعي فحسب، بل توثّق الزمن والبيئة والهوية، وتُسهم في إبراز خصوصية التجربة الإماراتية ونقلها إلى الأجيال القادمة والجمهور العالمي. ويوضح العامري أن حضور السينما اليوم بات متداخلاً مع مختلف أشكال الإبداع الثقافي، حيث أصبحت مساحة مشتركة للحوار والتجريب، وليست مجرد وسيلة ترفيهية. ويرى أن المشهدية البصرية تؤثّر بعمق في تشكيل الوعي العام، لأنها تخاطب العقل والوجدان في آن واحد، وتُرسّخ الأفكار والقيم، وتثير الأسئلة حول الهوية والواقع الاجتماعي والإنساني. ويختتم العامري قائلاً، إن التوثيق البصري للحالات الإبداعية هو عملية تحويل التجارب والأفكار والتحولات الاجتماعية والثقافية إلى صور ومشاهد فنية تحفظ اللحظة وتعيد قراءتها، ليس بوصفه تسجيلاً جامداً، بل فعلاً إبداعياً يمنح التجربة بُعداً جمالياً وفكرياً، لتصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية الجماعية.

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: الموسيقى السينما الإماراتية الثقافة السينما الإمارات المسرح الفن التشكيلي الذاکرة الثقافیة أن السینما قادرة على السینما ت إلى صور

إقرأ أيضاً:

«رأس الخيمة لأصحاب الهمم» يعتمد مشاركة 14 لاعباً في «الألعاب الإماراتية»


رأس الخيمة (وام)
اعتمد نادي رأس الخيمة لأصحاب الهمم مشاركة 14 لاعباً ولاعبة في النسخة الثانية من «الألعاب الإماراتية 2026»، خلال الفترة من 6 إلى 10 يونيو الجاري بأبوظبي، وأوضح النادي في بيان له أن لاعبيه سيشاركون في منافسات البوتشي والبولينج والقوي البدنية، بالإضافة إلى عدد من الفعاليات المصاحبة ضمن النسخة الثانية، لما تنطوي عليه من أهمية محورية لتحقيق الدمج الشمولي.
وقالت سمية السويدي، عضو المجلس الوطني الاتحادي مدير عام نادي رأس الخيمة لأصحاب الهمم، إن الحدث يحظى بأهمية نوعية في ظل مشاركة كبيرة للاعبين أصحاب الهمم من داخل الدولة، إضافة إلى الحضور الدولي المتوقع، وتكريم أسر اللاعبين، وبرنامج الكشف الصحي المصاحب، والورش التدريبية، وبرنامج اللياقة البدنية، وغيرها من الفعاليات.
وأشارت إلى حرص النادي على توثيق أواصر التعاون وتفعيل الشراكات الاستراتيجية مع مختلف القطاعات، والمؤسسات، والاتحادات الرياضية، إيماناً بمبدأ التكامل المؤسسي، وأعلنت إطلاق حزمة إضافية من المبادرات والبرامج التأهيلية والرياضية خلال الفترة المقبلة، لترسيخ مكانة النادي صرحا رياضيا واجتماعيا رائدا يواكب التوجهات الوطنية لفئة أصحاب الهمم.

أخبار ذات صلة 42 لاعباً يكتبون شهادة نجاح بطولة «الباراكاراتيه» 1000 لاعب ولاعبة يشاركون في النسخة الثانية من «الألعاب الإماراتية»

مقالات مشابهة

  • "نغم.. العمارة والمكان في ذاكرة الأغنية المصرية".. بمتحف نجيب محفوظ
  • ذكرى رحيلها الأولى.. سميحة أيوب لعبت دوراً مؤثرًا لإدارة المؤسسات الثقافية والمسرحية 
  • السبت.. ندوة "نغم.. العمارة والمكان في ذاكرة الأغنية المصرية" بمتحف نجيب محفوظ
  • خبير أثري: تطوير القاهرة التاريخية والخديوية يعيد رسم خريطة السياحة الثقافية في مصر
  • كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني
  • سحر السنباطي تبحث مع وزيرة الثقافة إطلاق مبادرات لتنمية الوعي الثقافي للأطفال
  • في ذكرى رحيل سيدة المسرح العربي سميحة أيوب.. مسيرة فنية خالدة صنعت تاريخًا من الإبداع
  • بين الذاكرة واللوحة.. أورهان باموق يعود بـ الكلمات والصور
  • «رأس الخيمة لأصحاب الهمم» يعتمد مشاركة 14 لاعباً في «الألعاب الإماراتية»
  • سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى المدينة الجديدة واللجان.. الذاكرة لا تنسى