صراحة نيوز -الدكتور مخلد البكر

لطالما شكلت أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ أساسية للولايات المتحدة، حيث تمزج واشنطن مصالحها الاقتصادية بالسياسية لتحقيق سيطرة على الموارد الحيوية، وعلى رأسها النفط. فنزويلا، بامتلاكها أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، بلغ حوالي 300 مليار برميل حسب بيانات أوائل العقد الأول من القرن الحالي، أصبحت نموذجًا واضحًا لتداخل القوة الاقتصادية والضغط السياسي.


فالى ما قبل عام 1999، كانت العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا قائمة على شراكة نفطية متينة. ففي العام 1998، مثل النفط نحو 70% من صادرات فنزويلا ويمثل أكثر من 50% من إيرادات الحكومة. وكانت الولايات المتحدة تعتمد على فنزويلا لتغطية نحو 10% من وارداتها النفطية، حيث كان الخام الفنزويلي أحد أهم أنواع النفط الثقيل المخصص لمصافي التكرير الأمريكية. في تلك الفترة، لم تشهد العلاقات السياسية بين واشنطن وكراكاس أي توترات كبيرة، وكانت العلاقة قائمة على مصالح متبادلة واستقرار نسبي.
وعلى مدى العقود مضت، تبنت الولايات المتحدة سياسات واضحة تجاه بعض رؤساء الدول في أمريكا اللاتينية، خصوصًا الذين اعتمدوا سياسات مستقلة أو معارضة للمصالح الأمريكية. شملت هذه السياسات الضغط الاقتصادي والعقوبات المستهدفة، دعم المعارضة السياسية المحلية، والتدخل المباشر أو غير المباشر في شؤون الحكم، وهو نمط يتكرر منذ عقود في عدد من هذه الدول ، مثل نيكاراغوا وكوبا وبوليفيا، حيث تدخلت واشنطن أو دعمت المعارضة للحد من تأثير القادة المعارضين لمصالحها.
لكن صعود هوغو تشافيز إلى السلطة في عام 1999 قلب المعادلة. اعتبر تشافيز النفط أداة سيادة وطنية ورافعة للتأثير السياسي، فأعاد الدولة لقيادة قطاع الطاقة بالكامل، وقلّص نفوذ الشركات الأجنبية، واستثمر العائدات في برامج اجتماعية داخلية وتحالفات خارجية تحدت النفوذ الأمريكي. هذا التحول حول العلاقة من شراكة إلى صدام مستمر، وأصبح النفط محور التوتر السياسي والاقتصادي.
مع وفاة تشافيز في 2013، تولّى نيكولاس مادورو السلطة في ظل ظروف اقتصادية صعبة، مع انخفاض الإنتاج النفطي إلى نحو 2 مليون برميل يوميًا مقارنة بحوالي 3.2 مليون برميل يوميًا في عام 2000، وأزمة أسعار عالمية، ما جعل فنزويلا أكثر هشاشة واعتمادًا على هذا المورد. استغلت الولايات المتحدة الوضع لتصعيد الضغط، ففرضت عقوبات مباشرة على قطاع النفط، الذي كان الشريان المالي الرئيسي لفنزوبلا، مما ساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية. تراجعت شعبية مادورو تدريجيًا نتيجة هذه العقوبات التي استهدفت الاقتصاد الريعي المعتمد بشكل رئيسي على النفط، مما قلص قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين وأثر سلبًا على موقفه الشعبي.
في هذا السياق، ظهر خوان غوايدو عام 2019، رئيس البرلمان الفنزويلي، معلنًا نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد، بدعم من الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية. جاء هذا الإعلان كخطوة للضغط على مادورو وفرض قيود إضافية على النظام السياسي الفنزويلي، في إطار استمرار سياسة واشنطن المعروفة في استهداف قادة تعتبرهم معارضين لمصالحها الاستراتيجية. هذا التطور يوضح كيف انتقل النزاع النفطي والسياسي من مسار اقتصادي ومؤسساتي إلى مواجهة مباشرة مع رأس السلطة، مع استخدام النفوذ الخارجي للضغط على القيادة.
يظهر النفط على انه المفتاح لفهم طبيعة العلاقة بين واشنطن وكراكاس، من تشافيز إلى مادورو، وانه العامل الحاسم الذي يفسر استمرار التوتر وتحول النزاع إلى مواجهة شخصية مع القيادة الفنزويلية من قبل الادارات الامريكية المتتالية خلال الخمسة وعشرين عاما الاخيرة.
الا ان أسباب التوتر بين فنزويلا والولايات المتحدة تتجاوز المسألة النفطية، لتستقر في جوهرها عند الخيار السياسي والفكري الذي تبنّته كاراكاس منذ صعود هوغو تشافيزالى السلطة عام 1999، والذي تم ترسيخه في عهد مادورو، اذ اتجهت الدولة إلى بلورة خطاب اشتراكي صدامي مع المنظومة الليبرالية التي تقودها واشنطن، وسعت إلى ترسيخ تصور بديل للحكم والتنمية داخل أمريكا اللاتينية، الأمر الذي رأت فيه الولايات المتحدة تقويضًا لدورها التقليدي في الإقليم وإخلالًا بالتوازنات السياسية التي لطالما شكّلت أساس نفوذها هناك.
وفي موازاة ذلك، تعمّق الخلاف بفعل إعادة تموضع فنزويلا على الخريطة الدولية، عبر توثيق علاقاتها مع قوى دولية تُصنَّف في خانة الخصوم الاستراتيجيين لواشنطن كالصين وروسيا و ايران، حيث شمل هذا التقارب مجالات اقتصادية وعسكرية وأمنية، ما أضفى على العلاقة بُعدًا يتجاوز الخلاف الدبلوماسي المعتاد، ليُقرأ في الولايات المتحدة باعتباره مساسًا مباشرًا بمقتضيات أمنها القومي، ونقلة تجعل من فنزويلا نقطة ارتكاز لنفوذ منافس داخل نطاقها الجغرافي الأكثر حساسية.

 

المصدر

المصدر: صراحة نيوز

كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام الولایات المتحدة

إقرأ أيضاً:

روبيو: الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية

قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

باحث علاقات دولية: إيران تشكك في مصداقية ترامب وهدنة لبنان "فخ عسكري" لتثبيت الاحتلال

وأضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

مقالات مشابهة

  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • إعلام عبري: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني
  • روبيو: الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية
  • صادرات النفط الأمريكية تسجل مستوى قياسيًا مع ارتفاع الطلب الأوروبي والآسيوي
  • مرموش يطير إلى الولايات المتحدة للانضمام لمعسكر المنتخب
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • ارتفاع قياسي لصادرات النفط الخام الأمريكية في مايو
  • حصري.. اعتقال مسؤول يهز قطاع النفط في العراق (صور)
  • السيسي لـ«وفد مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية»: أهمية التسوية الشاملة والعادلة للقضية الفلسطينية.. وحل الدولتين السبيل الوحيد لضمان تحقيق السلام الدائم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط
  • ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟