أوكرانيا تُشعل النفط وتُربك صفقة ترامب
تاريخ النشر: 4th, January 2026 GMT
عندما تتحوّل "ضربات الطاقة" إلى رقم قياسي خلال شهر واحد، فتلك لم تعد عمليات عسكرية في هامش الحرب، بل قرار سياسي بامتياز، قرار يضع مبادرة السلام التي يروّج لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في "مهبّ الريح".
خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر الفائت وحده، أحصت وكالة "بلومبرغ" ما لا يقل عن 24 هجوما أوكرانيا على أصول الطاقة الروسية.
الخطر لا يكمن في الأرقام فحسب، بل بما تعنيه سياسيا، إذ تأتي تلك الضربات في لحظة يُقال فيها إنّ مسار الصفقة قد بلغ مراحل متقدمة، لتأتي الضربات الأوكرانية كي تقول للعالم إنّ الحرب ستبقى على السكّة نفسها، بل وبإيقاع أسرع.
وكالة "رويترز" بدورها نقلت عن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في خطاب رأس السنة، أنّ اتفاق السلام بات "مكتملا بنسبة 90 في المئة"، وأن العقدة المتبقية هي 10 في المئة فقط وتتعلق بالأرض والسيطرة، في ظل واقع أنّ روسيا تسيطر على نحو 19 في المئة من الأراضي الأوكرانية. وفي الوقت نفسه، أشارت "رويترز" إلى لقاءٍ بين ترامب وزيلينسكي في فلوريدا تخلّله حديث عن "تقدم" نحو اتفاق. وهذا يعني أن كييف أمام مرحلة حساسة: عندما يصبح الخلاف على الكيلومترات، يصبح أيّ تصعيد على الطاقة "وقودا" لإفشال ما بقي من الثقة.
أنصار هذه الضربات يقدّمونها كأداة ضغط، تحاول تقليص إيرادات روسيا النفطية، وإرباك الإمداد العسكري بالوقود، وكذلك رفع تكلفة الشحن والتأمين. لكنّ السياسة لا تُقاس بالنوايا وإنما بالنتائج، والأرقام نفسها تكشف المفارقة. "رويترز" أوضحت في تقرير مفصلي أنّ روسيا، وبرغم موجة الضربات الأوكرانية التي طالت ما لا يقل عن 17 مصفاة كبرى، وبالرغم من أنّ الأضرار والصيانة المخطط لها دفعت نحو 20 في المئة من طاقة التكرير إلى التوقف بين أشهر آب/ أغسطس وتشرين الأول/ أكتوبر، فإنّ موسكو عوّضت جانبا كبيرا من ذلك عبر استخدام طاقات احتياطية، مما يعني في المحصلة أن نسبة الهبوط في التكرير الروسي لم تتجاوز 3 في المئة فقط، مع بقاء الإنتاج يدور حول 5.2 مليون برميل يوميا.
عمليا، فإنّ "حرب الطاقة" الأوكرانية ليست ذات جدوى، وإنما مكلفة سياسيا ومحدودة الحسم اقتصاديا. بل أكثر من ذلك، فإنّ استهداف المصافي قد يدفع روسيا إلى تعديل مساراتها بدل أن تنهار: في آب/ أغسطس 2025، ذكرت "رويترز" كذلك أنّ موسكو رفعت خطة صادرات النفط الخام بمقدار 200 ألف برميل يوميا خلال الشهر نفسه، وذلك بسبب تعطل المصافي (أي تصدير خام أكثر بدل تكريره داخليا). وفي السياق نفسه، أشارت إلى أنّ ميناء أوست-لوغا كان يعمل بنحو نصف طاقته بعد ضرر طال خط أنابيب
هذا يعني أنّ النتيجة الواقعية هنا، لم تؤدِ إلى "شلَلِ روسيا" مثلما يحاول الإعلام الأوكراني تصوير الأمر، بل تبديل في اتجاهات التدفق. ومع كل تبديل ترتفع الضوضاء في الأسواق، وتتزايد قابلية الملف للاستثمار السياسي ضد مسار السلام، أي ضد كييف نفسها.
مبادرة ترامب، أيا كانت تفاصيلها النهائية، تقوم على فكرة واحدة: وقف إطلاق نار أو تهدئة قابلة للتثبيت. لكن استهداف الطاقة هو بالضبط النوع من الملفات الذي ينسف "التهدئة القابلة للتثبيت"، لأنّه بات يمسّ حياة الناس مباشرة، ويستدعي ردا سريعا، ويترك أثرا نفسيا أكبر من خسارة موقع على الجبهة.
أما على مستوى واشنطن، فإن استهداف الطاقة يجرّ الملف إلى نقطة حساسة لدى أيّ إدارة أمريكية: سوق النفط، وكلفة المعيشة، ومزاج الداخل. ترامب لا يحتاج إلى تصعيد يرفع المخاطر على الإمدادات كي يبرر استعجال "صفقة" سريعة، بل العكس، فكلما اشتعلت جبهة الطاقة، يصبح من الأسهل سياسيا في واشنطن الدفع باتفاقٍ "كيفما اتفق" لتسكين السوق والرأي العام، وحتى لو كان الاتفاق هشا أو ناقص الضمانات. وهنا تحديدا تصبح الضربات ضد مصلحة أوكرانيا نفسها، لأنّها قد ستتحوّل إلى ضغط أمريكي على كييف لتقديم تنازلات أكبر وأسرع.
من زاوية أبسط، يمكن القول إنّ ضربات الطاقة الأوكرانية سوف تعطي صورة للرأي العام العالمي مفادها أنّ الحرب خرجت من الميدان لتطال الاقتصاد العالمي، وهذا وحده كافٍ لتقليص هامش المناورة في أي مبادرة سلام. حينما تذكر "بلومبرغ" أن شهر كانون الأول/ ديسمبر الفائت وحده قد شهد نحو 24 هجوما على الأقل، وهي "أعلى حصيلة شهرية"، فإن طرفا ما قرّر رفع السقف خلال الشهر الذي تُطبخ فيه الصفقات خلف الأبواب.
وعليه، إذا كانت مبادرة ترامب تقف فعلا عند عتبة الـ10 في المئة التي ذكرها زيلينسكي نفسه، فليس من الحكمة أن تُفتح معركة جديدة على النفط في هذا التوقيت الحرج؛ لأنّ النفط لا يضيف كيلومترا واحدا إلى خط وقف النار، لكنّه يضيف عشرات الذرائع لتأجيله، ويضيف ضغطا دوليا على الطرف الأضعف في لحظة الحسم.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات الطاقة الحرب ترامب روسيا روسيا اوكرانيا الطاقة حرب ترامب قضايا وآراء قضايا وآراء مدونات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة رياضة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی المئة
إقرأ أيضاً:
"نيويورك تايمز": مقتل أكثر من 200 شخص منذ بدء الضربات الأمريكية ضد قوارب تهريب المخدرات
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية بأن أكثر من 200 شخص لقوا مصرعهم منذ أن أطلقت وزراة الحرب الأمريكية حملة تستهدف قوارب يزعم أنها تابعة لعصابات المخدرات في أمريكا الجنوبية.
وأعلن الجيش الأمريكي يوم السبت عن مقتل ثلاثة رجال في شرق المحيط الهادئ في غارة جوية أمر بها الجنرال فرانسيس إل. دونوفان قائد القيادة الجنوبية، ضد قارب كان "متورطا في عمليات تهريب مخدرات".
وبذلك يرتفع إجمالي عدد القتلى إلى 202 على الأقل في أكثر من 60 غارة جوية.
وذكرت الصحيفة الأمريكية أن هذه الضربات أحيطت بالسرية، ولم يتم انتشال سوى عدد قليل من جثث القتلى، ولا يوجد سوى بعض الأدلة المادية على وجود حطام أو مخدرات تدعي إدارة ترامب أن القوارب كانت تنقلها.
ويؤكد عدد كبير من الخبراء القانونيين أن هذه الضربات غير قانونية، إذ يُحظر على الجيش استهداف المدنيين عمدا، حتى لو كان يعتقد أنهم ارتكبوا جريمة، ما لم يشكلوا تهديدا مباشرا.
كما يؤكد الخبراء أيضا أنه لا يوجد دليل على أن هذه الضربات قد أثرت على كمية الكوكايين التي تصل إلى الولايات المتحدة من أمريكا الجنوبية.
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن عدد القتلى لا يمثل سوى بُعدا واحدا من عواقب الحملة القاتلة.
وتقول الصحيفة إن المجتمعات الساحلية في كولومبيا والإكوادور حيث يُعتقد أن معظم القوارب تنطلق من هناك، لا تحصي الخسائر فقط في الأقارب الذين لم يعودوا أبدا، ولكن أيضا في كيفية تأثير الهجمات على حياة أولئك الذين يكسبون رزقهم من المحيط بينما يخشونه الآن.
ووصف السكان مجتمعات بأكملها وهي تتخلى عن الصيد لأن "اللانشات" الصغيرة، أو الزوارق السريعة، التي يستخدمها المتاجرون بالبشر والصيادون غالبا ما تكون متشابهة.
وفي الإكوادور وكولومبيا، وصف السكان أنفسهم بأنهم عالقون بين قوى خارجة عن سيطرتهم: إدارة ترامب الجريئة التي رفضت اتهامات ارتكاب مخالفات مع تقديم القليل من الأدلة لدعم مزاعمها، وتجار المخدرات الذين غالبا ما يفترسون الصيادين، ويستولون على قواربهم لاستخدامها لأغراض التهريب.
وقال البعض إن الخطوط الفاصلة بين الصيادين والمتاجرين بالبشر قد تتداخل أيضا، ففي المواسم المنخفضة أو ببساطة كوسيلة لزيادة المكسب عن دخل الصيد الضئيل، يلجأ بعض الصيادين إلى أعمال الاتجار بالبشر بشكل متقطع لتأمين قوت عائلاتهم.
وعلى عكس حكومة الإكوادور اليمينية، انتقد الرئيس الكولومبي اليساري غوستافو بيترو، بشدة الضربات واصفا إياها بـ"القتل".
وذكر غوستافو بيترو أنه في إحدى الضربات التي وقعت في أكتوبر الماضي، قتل صياد كولومبي.
وعقب تلك الضربة، علق بيترو تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الجيش الأمريكي فيما يتعلق بأهداف تلك الضربات.
وبلغت الضربات ذروتها في ديسمبر 2025، حيث بلغ عددها 14 في ذلك الشهر، لكن وتيرتها بدأت تتسارع مؤخرا وشهدت الفترة بين 11 أبريل و8 مايو ضربات كل ثلاثة أيام تقريبا.