صراحة نيوز – بقلم الدكتور محمد عقاب الجوابرة

مع صدور تعليمات صرف الدواء ونقله عن بُعد، يبدو للوهلة الأولى أن مهنة الصيدلة تدخل مرحلة تنظيمية جديدة، وأن الجدل محصور في آليات التوصيل، وضبط الوصفات، وحدود الصلاحيات. غير أن القراءة الأعمق تكشف أن ما يجري ليس مجرد تحديث إجرائي، بل اهتزاز في تعريف المهنة نفسها.

نحن أمام لحظة مفصلية، لا تتعلق بكيفية صرف الدواء، بل بسؤال أكبر: من هو الصيدلاني في النظام الصحي الحديث؟

هذه التعليمات لا يمكن فصلها عن السياق العالمي الذي تعيشه الأنظمة الصحية اليوم. أنظمة مثقلة بالكلف، تعاني من ضغط الطلب، ومن أزمات استدامة مالية، ومن تحوّلات ديموغرافية ووبائية متسارعة. في هذا السياق، تصبح الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الصحية أدوات سياسية واقتصادية بقدر ما هي أدوات تقنية. وهي تعيد توزيع الأدوار داخل النظام الصحي، أحيانًا بصمت، وأحيانًا بقوة القانون.

لفهم هذا التحوّل، لا بد من الاعتراف بأن مهنة الصيدلة لم تكن يومًا هوية واحدة ثابتة، بل عاشت تاريخيًا ثلاث هويات متمايزة، لكل منها منطقها وسلطتها وحدودها.

الهوية الأولى هي الهوية التاريخية القديمة، هوية الصيدلاني الحكيم والخبير، قبل الثورة الصناعية. في تلك المرحلة، لم يكن الصيدلاني مجرد مزاول مهنة، بل كان حامل معرفة، وصانع دواء، ومرجعًا علاجيًا. كان جزءًا من النخبة العلمية في المجتمع، يمتلك سلطة معرفية وأخلاقية، و يتخذ فعليًا القرار الصحي. لم تكن الصيدلة وظيفة، بل رسالة علمية ذات بعد إنساني واضح.

ثم جاءت الهوية الثانية مع القرن العشرين، ومع التصنيع الدوائي الضخم، وظهور الشركات متعددة الجنسيات، وتحويل الدواء إلى سلعة استراتيجية داخل الاقتصاد العالمي. هنا بدأ التآكل البطيء للهوية. لم يعد الصيدلاني صانع الدواء، لكنه أيضًا لم يُمنح دورًا قياديًا جديدًا داخل النظام الصحي. نشأت منطقة رمادية: هل هو خبير دوائي مستقل؟ أم منفّذ لوصفة الطبيب؟ أم جزء من سلسلة توريد دوائية تحكمها السوق و التعليمات؟ هذا الغموض لم يكن بريئًا؛ بل خدم منطقًا اقتصاديًا حوّل المهنة تدريجيًا إلى وظيفة تشغيلية، وأفرغها من بعدها المعرفي، حتى بات الصيدلاني في كثير من السياقات يُختزل في صورة “من يصرف الوصفة”.

هذه الهوية الثانية لم تكن هوية مكتملة، بل هوية مأزومة، قامت على ما أُزيل من دور الصيدلاني أكثر مما أُعيد بناؤه. والأنظمة الرقابية ساهمت في تثبيت هذا الاختزال عبر التعامل مع الصيدلاني كعنصر ضبط، لا كفاعل اساسي.

اليوم، تقف مهنة الصيدلة أمام الهوية الثالثة، وهي الهوية التي تمرّ في مخاض عنيف وعميق: هوية الصيدلاني في عصر التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي. هذه الهوية ليست امتدادًا ميكانيكيًا لما سبقها، بل قطيعة معرفية حقيقية. ففي عصر البيانات الضخمة، والوصفات الإلكترونية، والخوارزميات القادرة على تحليل ملايين التداخلات الدوائية، لم يعد القرار الدوائي قرارًا بسيطًا أو خطيًا.

هنا، يصبح الصيدلاني فاعلًا مركزيًا لا غنى عنه. فالذكاء الاصطناعي و ما يصحبه من تحولات، لا يحمل المسؤولية الأخلاقية، ولا يفهم السياق الإنساني، ولا يوازن بين المعايير الاقتصادية والصحية والاجتماعية. إذا من هو الصيدلاني في هذه الهوية الجديدة ؟ هل هو منفّذًا، او هو مُفسّرًا للبيانات، او صاحب سلطة معرفية مدعومة بالتكنولوجيا ؟

سياسيًا واقتصاديًا، هذه الهوية الثالثة مزعجة. فهي تعيد طرح سؤال السلطة داخل النظام الصحي: هل تُترك القرارات للأنظمة الذكية ومنطق الكلفة، أم يُعاد الاعتبار للصيدلاني كصاحب حكم وخبرة؟ دور الصيدلاني هنا ليس مطلبًا نقابيًا، بل اهمية صحية. فالأنظمة التي تحاول خفض الكلفة عبر تهميش الدور المهني للصيدلاني، غالبًا ما تدفع الثمن لاحقًا في الأخطاء، وسوء الاستخدام، وتآكل الثقة العامة.

في هذا الإطار، تعكس تعليمات صرف الدواء ونقله عن بُعد هذا التوتر بوضوح. فهي من جهة تعترف بأن الصيدلاني هو نقطة التحكم الأساسية في الصرف عن بُعد، لكنها من جهة أخرى تحصر هذا الدور في الإطار الرقابي الاحترازي، لا في الإطار المعرفي القيادي. تنظّم الممارسة، لكنها لا تحسم سؤال: هل الصيدلاني مجرد “بوابة أمان”، أم عقل مهني يرسم هندسة النظام الصحي الرقمي؟

إن اختزال الهوية الثالثة للصيدلاني في مجرد الموافقة أو الرفض هو تهميش واضح . فالصيدلاني اليوم قادر أكثر من أي وقت مضى على أن يكون صانع سياسة صحية ، يوازن بين الأدلة العلمية، والتكنولوجيا، والواقع الاقتصادي، واحتياجات المريض.

في النهاية، نحن لا نناقش تعليمات فقط، بل نناقش مستقبل مهنة بأكملها.
إما أن نعيد بناء هوية المهنة الثالثة بوصفها مهنة معرفية قيادية في عصر الذكاء الاصطناعي، أو نسمح بأن تُستكمل عملية الاختزال والتهميش ، ويُعاد تعريف الصيدلاني كعنصر تشغيل داخل نظام رقمي لا يرحم.

السؤال لم يعد مؤجّلًا، ولا نظريًا:
هل يقود الصيدلاني هذا التحوّل او يدار إجحافا بالنيابة عنه

المصدر

المصدر: صراحة نيوز

كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام الصیدلانی فی النظام الصحی صرف الدواء هذه الهویة

إقرأ أيضاً:

«متحدث الأوقاف»: إحياء القاهرة التاريخية يجسد تكامل مؤسسات الدولة للحفاظ على الهوية المصرية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال الدكتور أسامة رسلان المتحدث باسم وزارة الأوقاف، إنّ خطة إحياء القاهرة التاريخية والإسلامية، بتكامل أطرافها ومن خلال التشبيك المؤسسي الذي يعد أحد أبرز منجزات الجمهورية الجديدة، ستقود إلى تحقيق الهدف المنشود وربما أكثر من ذلك.

وأوضح أن المشروع لا يقتصر على إحياء منطقة أثرية فحسب، بل يستهدف استعادة حالة التكامل بين مكونات الهوية المصرية التي تشكلت عبر حضارات وأديان وأفكار متنوعة استوعبتها مصر وأعادت تقديمها للعالم.

وأضاف في مداخلة هاتفية مع الإعلاميين شادي شاش وندى رضا، مقدمي برنامج «ستوديو إكسترا»، عبر قناة إكسترا نيوز أن الدولة اتخذت خطوات حاسمة بإكرام الإنسان من خلال نقله إلى مناطق ومدن جديدة ومساكن لائقة، بالتوازي مع الاهتمام بالمناطق التاريخية وتخضير القاهرة وتوسيع المساحات الخضراء داخل العاصمة.

وأشار رسلان إلى أن أعمال التطوير التي شهدتها القاهرة القديمة، ومنها منطقة بحيرة عين الصيرة ومحيط المتحف القومي للحضارات، تؤكد التزام الدولة بالحفاظ على الهوية التاريخية للمنطقة.

وشدد على أن ما يثار بشأن هدم مناطق أثرية لا يعدو كونه تشويشًا مغرضًا، مؤكدًا أن الاجتماعات والزيارات الميدانية والتنسيق بين الوزارات ومحافظة القاهرة تستهدف الحفاظ على جميع الآثار القائمة، وإضفاء لمسات جمالية وخضراء على المنطقة، وإحياء التنوع الذي تميزت به القاهرة عبر العصور من خلال مشروعات مثل «شارع الفن» وتطوير البيئة العمرانية بما يليق بالعاصمة التاريخية للمصريين والعالم.

وأوضح رسلان أن التاريخ نفسه حقق الربط بين المساجد والأضرحة والمواقع التراثية المختلفة، مشيرًا إلى أن القاهرة تضم حقبًا تاريخية متعددة تمتد من العصور الأيوبية إلى المملوكية وغيرها.

وأكد أن الدولة تولي اهتمامًا ملموسًا بجميع المواقع الأثرية، وأن ما يحتاج إلى ترميم سيتم ترميمه، لافتًا إلى أن وزير الأوقاف عرض على رئيس مجلس الوزراء مقترحات للاهتمام بما تبقى من الآثار الإسلامية من قباب وأضرحة.

وواصل أن هذه المواقع تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية والخطاب الديني المستنير الذي يقدر العلماء وأصحاب المقامات ويحافظ على تراثهم، مؤكدًا استمرار الجهود للحفاظ عليها بالشكل الجمالي الذي يليق بمصر.

مقالات مشابهة

  • لملوم: “بطاقة مفوضية اللاجئين” ليست وثيقة هوية ولا تمنح وضعًا قانونيًا في ليبيا
  • «متحدث الأوقاف»: إحياء القاهرة التاريخية يجسد تكامل مؤسسات الدولة للحفاظ على الهوية المصرية
  • الثانوية العامة 2026.. تجهيز اللجان واستكمال الاستعدادات النهائية
  • نتنياهو: النظام الإيراني لن يعود لتهديد وجود إسرائيل
  • المفاوضات تسير بشكلٍ جيّد.. إليكم ما كشفته هيئة البثّ الإسرائيليّة عن تعليمات ترامب بشأن لبنان
  • سلامة من طرابلس: حماية التراث مسؤولية لا تتوقف رغم الأزمات
  • وزارة الصحة: مضادات الأكسدة تساعد على حماية الجسم من التلف
  • عبدالغني والشرقاوي يجتمعان برؤساء لجان الثانوية الأزهرية لاستعراض تعليمات الامتحانات
  • عبر «أبشر أعمال».. خطوات وشروط إصدار هوية مقيم
  • «المخزون يكفي 6 أشهر».. نقابة الصيادلة: لا نقص في أدوية الكلى داخل الصيدليات