موقع النيلين:
2026-06-02@21:44:59 GMT

السفيرة سناء حمد تكتب: على أعتاب الفجر

تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT

إنما تكون المِحن لتمحيص الناس، واختبار أهل الفكرة، وفي ظلها هناك ظواهر طبيعيّة ومتكررة، فلا ينبغي أن يجزع لها الناس، فحتماً سيضعفُ البعض ويغادر السِّرب.. فلا تفتنوهم، وسيدير البعض وجهه فلا تعيبوهم، وسيقلبِ لنا البعض ظهر المِجَنّ فاحفظوهم، البعض ظرفه وتقديره كحاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه، لديه من يخشى عليهم، وبعضهم إنما أتى به الخوف أو الطمع إليكم.

. وعلى ساقي ذات الخوف والطمع سيحلون بدار صاحب السلطة الحديد، أما من ثبت فلا تعجبنّه نفسه، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء.. فمن مضى عنكم فقد خفّف عنكم، ومن صمد بينكم وصبر ولو قلّ، فبركته أكبر.. “إن يكن منكم مائةٌ صابرة يغلبوا مائتين…” فالقوة في الرأي والمواقف ليست بالكثرة.
أن أمر المؤمن كله خير، والمِنحُ تأتي طيّ المِحن، فلا “تحسبوه شراً لكم بل هو خيراً لكم”. دعونا نفهم بوضوح ونتقبل بوعيّ أنه انطوت صفحةٌ في كتاب الإسلاميين السياسي، ومرحلة من مراحلهم السياسيّة، نقطة سطر جديد، ابدأوا صفحةً جديدة فيها اعتبارٌ من الأخطاء، ودروس من المسيرة، ولتكن أول جملتين في الصفحة الجديدة:
إننا تيار إسلامي معتدل صاحب فكرة وتقدير سياسي وقضية نؤمن بها ونبذل في سبيلها الغالي والنفيس، ولا نُلزم بها غيرنا ولا نفرض قناعتنا وتقديراتنا على الآخرين.
الانتماء لهذا الوطن مقدّمٌ عندنا على أي انتماء، وسنعمل مع الآخرين على بنائه والحفاظ عليه آمنًا مستقلاً مستقراً.
هناك حاجة مُلحّة للتسامي فوق التلاؤم والتلاوم، فمن الأهمية بمكان الاعتراف بالأخطاء وجوانب القصور، ليس بغرض تجريم البعض ولا التنصل من المسؤوليات، لكن لنرفع هاديات مضيئة في طريق المستقبل، تبدأ بتجنب مواقع الزلل والإخفاق، ولتعزيز نقاط القوة وتطويرها.
إن الأمم الناجحة ومدارس التفكير الرائدة والقائدة هي التي تتعلم من أخطائها وتحولها أسبابًا وروافع للنجاح، والعاقل المتدبِّر يتجنّب في مسيره المستبصر مواقع الوحل أو الرمال المتحركة، ويمضي في طريقه بعيون مفتوحة وذهن حاضر وعزم صادق.
إنتم من سيحدد دوركم المستقبلي، طبيعته وأهدافه ووسائله، وليس غيركم، وبدون أعباء الدولة ودون زينة السلطة ومعاركها… دوركم أسهل في التركيز على إعادة البناء الداخلي، وفي بناء كيان سياسي راشد يُعبِّر تحت ضوء الشمس عنكم وعن توجهاتكم وأفكاركم…. اجعلوا همّتكم عالية، فالتحديات التي تواجهكم وستواجهكم كبيرة، كونوا كبارًا فلديكم تجربة ناضجة بخيرها وشرها، هي أفضل مما لدى الآخرين، كونوا حزبًا أو اثنين، ليس بالضرورة أن تتحدوا لتكونوا جسماً كبيراً ثقيل الحركة، ولا أن تتجمعوا في فناءٍ واحد، لكن المهم أن تتفقوا على الغايات النبيلة، وأن تكون لكم رؤية أصيلة وواعية حول ثوابت محددة وقيم بعينها كالقضايا العليا الوطنية، وقيمة العدالة والحرية والهوية الدينية والثقافية والتداول السلمي للسلطة، ومن الطبيعي أن تختلف تقديراتكم في التفاصيل، هذا ما بنى الأحزاب في أوروبا ومن بعدها العالم… أن تعملوا سوياً على ما اتفقتم عليه، وأن يعذر بعضكم بعضاً فيما اختلفتم فيه، هذا هو السبيل للنهضة بالأمم والدول والكيانات.
إن الوعي مهم للغاية بأنّ لهذه البلاد منذ استقلالها تحدّيات كبيرة، ظلت وما زالت تحتاج لتعزيز بنيانها وتعظيم دورها وتقوية تماسكها الهش، ولذلك وفي هذا الإطار علينا أن نعلم يقيناً أن دور المعارضة البناءة لا يقل عن دور الحكومة، وعلينا أن نميّز بوضوح بين معارضة الحكومة والسلطة ومعارضة الدولة الوطن، وأن لا نُكرّر سلوكاً لم نكن نرضاه من المعارضة السودانية المستمر منذ ما قبل استقلال السودان، والتي كانت دوماً تضرب في جسد الوطن وأهله لإضعاف الحكومة.
علينا أن نعمل على تقوية الأحزاب جميعها بلا استثناء، وأن نحثها على التماسك في كيانات كبيرة، فإنّ ما قد أضعف الإنقاذ والممارسة السياسية فيها هو إضعافها للأحزاب المعارضة وبعثرتها، وكان هذا خطأً فادحاً رعاه البعض بقصر نظر كبير!! ومن البديهيّات المعلومة أن ضعف الحياة الحزبية يؤدي مباشرة إلى تقوية نفوذ القبلية، علينا تعزيز ثقة الأحزاب في نفسها، فالحزب هو أرقى شكل من أشكال الدولة المدنية، فالدول حين تقوم تعتمد على العشائر، ثم تتقدم فتستند على القبائل، ثم تتطور حين تظهر الطوائف، ولكن حينما تظهر الأفكار وتتكّون التيارات الفكرية والسياسية، حينها تولد الأحزاب… حيث يجتمع الناس فيها على فكرة أو مصلحة بغض النظر عن قبائلهم ومناطقهم، وعندها تستقر الدولة، إن الأحزاب السياسية القوية عنصر قوة للمجتمع وللدولة… فلا تضعفوا الأحزاب.
علينا أن نحافظ مع الآخرين على مؤسسات الدولة، حتى لو أُخرج منها من ينتمون لنا، فمؤسسات الدولة عنصر استقرار، وإضعافها ضرره بالغ، فهو بداية لتفكك الدولة، وهذه المؤسسات على ضعفها والملاحظات التي عليها قديمة وعريقة وتصلح لتأسيس أي بناء مستقبلي عليها، وإقصاء المنتمين للتيار الإسلامي منها ليس مسوغاً لإضعافها، فالمؤسسة أهم من الفرد.
أن الذين شاركوا في الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام الحكم وأنهت مرحلة الإنقاذ كانوا من كل فئات الشعب السوداني، وفيهم نسبة كبيرة من أبناء الإسلاميين وأهاليهم، وبينهم شباب وطني غير منتمٍ سياسياً، أغضبته أخطاء الحكومة السابقة، وأنضجته في ذات الوقت، لم يخرج ضد الإسلام ولا الأفكار المستمدة من الدين، ولكنه خرج ضد فساد سياسيّ ومهنيّ وإداري، وأخطاء قاتلة في إدارة الدولة، أتت من طول أمد الحكم وسقوط البعض في فتنة السلطة. هؤلاء الشباب يستحقون الاحترام وأن يُفسح لهم، وهم يملكون من القدرات والحماس ما سيجعلهم ينظِّمون أنفسهم في كيانات، ولن يكونوا أقل منّا حرصاً على الإسلام والوطن… ورغم ما يظهر الآن فإن الزبد سيذهب، وهؤلاء الشباب الواعي سيبقى ويظهر.
أن كل تغييرٍ في بداياته يصحبه عنف وله ضحايا، ولكل نظام في بداياته حماس طاغٍ لتأمين نفسه ومكتسباته، ستكونون النسبة الغالبة من هؤلاء الضحايا، أنا لا أبحث عن أعذار لما تم أو سيتم، ولكن بالنظر إلى التجارب البشرية وإلى تجربة الإسلاميين أنفسهم، أتفهم ما حدث وسيحدث، وأن تتفهم أمراً لا يعني أن تتقبله!!.
التحدي الحقيقي أن يكون للإسلاميين دور إيجابي في عبور الوطن لهذه المرحلة الحرجة من تاريخه، والإسهام مع الآخرين على ألا تنزلق البلد إلى مرحلة الفوضى.

بقلم: السفيرة سناء حمد

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/05 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة الخرطوم تتعافى.. هذه بشارة عززتها وتعززها عودة الوزارات الاتحادية إلى العاصمة2026/01/05 ماذا تريد اثيوبيا من السودان ؟..2026/01/05 العام 2026م: الخرطوم العاصمة المستقبلية.. من هنا يبدأ البناء ..!!2026/01/04 ارتدادات حرب اليمن على السودان2026/01/04 ما هي أكبر الاقتصادات العربية؟2026/01/04 شفافية تر مب: القوة الغاشمة مقابل خطاب إنسانيات حقوق الإنسان2026/01/04شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات تزوير التاريخ من أجل الكسب السياسي في قضية فصل جنوب السودان 2026/01/03

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: علینا أن

إقرأ أيضاً:

نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة

في قلب حواري المطرية، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتثقل الوجوه بملامح الاحتياج، تظهر أحيانًا شخصيات تفرض حضورها بقوة داخل مجتمعات مهمشة تبحث عن طوق نجاة. ومن بين هذه النماذج، برز اسم "أم صلاح" كحالة استثنائية، جمعت بين العطاء الواسع، والغموض العميق.

في ظاهرها، تبدو سيدة بسيطة، بملابس عادية، تقيم في منطقة الخارجة بالمطرية، لا توحي بأي مظهر من مظاهر النفوذ أو الثراء. لكن ما يحدث خارج هذا الإطار البسيط، يطرح تساؤلات أكبر من الصورة الظاهرة.

ففي منطقة أخرى، وتحديدًا داخل حارة ضيقة بكورنيش مسطرد، وعلى مسافة بعيدة نسبيًا من محل سكنها، استأجرت "أم صلاح" شقة تحولت مع الوقت إلى مقر دائم لنشاط واسع النطاق. هذه الشقة، التي تقع أمام سور تابع لمعسكر قوات مسلحة، وعلى مقربة من إحدى بواباته، لم تعد مجرد وحدة سكنية، بل أصبحت مركزًا لإدارة شبكة توزيع منظمة.

داخل هذا المكان، تتكدس المواد الغذائية بكميات كبيرة، وتتحرك منظومة توزيع تبدو أقرب إلى العمل المؤسسي، رغم غياب أي كيان رسمي أو تسجيل قانوني.

تشير التقديرات داخل الحي إلى أن ما يقرب من 200 أسرة تستفيد من هذا النشاط، حيث تحصل كل أسرة على نحو 1000 جنيه، إلى جانب السلع الغذائية. كما تقوم "أم صلاح" بدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز لبعض الأسر، وهو ما يعكس حجم إنفاق شهري ضخم، يتجاوز بكثير قدرات أي عمل فردي بسيط.

لكن التحول الأهم لم يكن في حجم العطاء… بل في طبيعته.

فمع مرور الوقت، لم يعد الدعم مقتصرًا على الأكثر احتياجًا، بل امتد في بعض الحالات إلى أشخاص لا تنطبق عليهم معايير الفقر، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل الهدف هو الإغاثة فقط… أم بناء قاعدة نفوذ أوسع؟

ومع اقتراب المواسم الكبرى، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية و البرلمانية ، بدأت ملامح هذا النفوذ تظهر بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد العطاء منفصلًا عن التوجيه، بل أصبح – وفق ما يتردد – مرتبطًا بإشارات غير مباشرة، وأحيانًا واضحة، لتوجيه الناس نحو مواقف انتخابية معينة.

وهنا يتحول الفقر من حالة إنسانية… إلى أداة تأثير.

ولتعزيز هذا الدور، لم يقتصر النشاط على الدعم المادي فقط، بل امتد إلى المجال الديني، من خلال تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن داخل نفس الشقة، وجذب الأطفال والشباب بشكل مستمر. كما تم استقطاب بعض الأشخاص من خارج المنطقة، للإقامة داخل المقر بحجة التحفيظ، ما يجعل المكان نقطة تجمع دائمة، ليس فقط لتلقي المساعدات، بل لتلقي التوجيه أيضًا.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

فقد بدأت "أم صلاح" في جمع نسخ من بطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، ووثائق الزواج والطلاق، وشهادات الوفاة، بالإضافة إلى فواتير الخدمات الخاصة بالأسر التي تتلقى الدعم. هذا الكم من البيانات الشخصية، الذي يتم جمعه خارج أي إطار رسمي أو رقابي، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة استخدامه، والهدف الحقيقي من تجميعه، خاصة و أن ظهور ام صلاح كان قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة .

ورغم كل هذا النشاط، لا توجد أي جهة معلنة تقف خلف "أم صلاح". لا جمعية مسجلة، ولا كيان خيري معروف، ولا مصدر تمويل واضح. كل ما هو موجود، هو شبكة توزيع واسعة، وتأثير متزايد، وغموض يحيط بكل التفاصيل.

ومع تكرار المشهد، تحولت "أم صلاح" في نظر البعض إلى ما يشبه "الشخصية المقدسة"، التي لا يجوز انتقادها أو التشكيك فيها، وهو ما يعكس مدى تغلغل هذا النموذج داخل المجتمع.

القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان، خاصة في المجتمعات المهمشة، حيث يصبح الاحتياج مدخلًا سهلًا للتأثير، في ظل غياب البدائل والرقابة.

إن أخطر ما في هذا النموذج، ليس في حجم ما يُقدم من مساعدات، بل في غياب الشفافية، وتحول العطاء إلى أداة نفوذ ناعم، يصعب ملاحظته، لكنه شديد التأثير.

وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:
هل نحن أمام عمل خيري خالص؟
أم أمام منظومة غير معلنة تستخدم العطاء كوسيلة للسيطرة والتوجيه؟
الإجابة قد تكون معقدة…
لكن تجاهل السؤال، هو الخطر الحقيقي.

من الناحية الاجتماعية، تكشف هذه النماذج عن طبيعة العلاقات داخل المجتمعات الهشة، حيث يتحول مقدم المساعدة إلى مركز ثقل اجتماعي، يعاد حوله تشكيل شبكات من الولاء والاعتماد. ومع الوقت، قد تتراجع مؤسسات الدولة أو تغيب في الوعي الجمعي لصالح هذا النوع من "الفاعل المحلي"، مما يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع، تقوم على الحاجة بدل الحقوق، وعلى الامتنان بدل المواطنة.


أما من الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النوع من الأنشطة خارج الأطر الرسمية يفتح الباب أمام توظيف غير مباشر للنفوذ الاجتماعي في التأثير على السلوك العام، خصوصًا في لحظات مثل الانتخابات أو الأزمات. وهنا يصبح العطاء أداة ناعمة لتشكيل الاتجاهات، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، وهو ما يجعل رصده أو قياس تأثيره أكثر صعوبة، رغم فعاليته العالية على أرض الواقع.

طباعة شارك المطرية العطاء الثراء

مقالات مشابهة

  • موعد أذان الظهر.. مواقيت الصلاة اليوم الأربعاء 3 يونيو بالقاهرة والمحافظات
  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • ريال مدريد يتحرك بقوة لإعادة البناء.. وكوناتي على أعتاب "سانتياجو برنابيو" بدعم من مبابي
  • 5% من الأرباح إلى الخزانة .. كيف تراهن الحكومة على شركات الدولة لزيادة الموارد؟
  • موعد أذان الفجر.. مواقيت الصلاة غدا الأربعاء بالقاهرة والمحافظات
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول في "ورد على فل وياسمين"
  • «ورد على فل وياسمين» الحلقة الرابعة.. صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول
  • صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول في ورد على فل وياسمين