وفي وقت عجزت فيه مؤسسات الدولة، وتعثرت الاستجابة الدولية، برزت مبادرات أهلية شبابية لسد فراغ إنساني قاتل، كان من أبرزها غرف طوارئ السودان، التي تحولت إلى شريان حياة لملايين المدنيين.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، تطورت غرف الطوارئ من مبادرات عفوية نشأت داخل الأحياء والقرى، إلى شبكة إنسانية واسعة النطاق، أسهمت في تخفيف آثار الكارثة الإنسانية في مختلف أنحاء البلاد.

ويؤكد منسق الاتصال الخارجي لغرف طوارئ السودان، السنوسي آدم، أن الغرف تقوم على مبدأ "التضامن والتضافر"، وليس توحيد المواقف السياسية، مشددا على أن ما يجمع المتطوعين هو وحدة الهدف في مواجهة الفاجعة الإنسانية والحفاظ على النسيج الاجتماعي.

وأوضح السنوسي آدم، خلال حديثه لبرنامج "للقصة بقية"، أن هذا الهدف المشترك مكّن غرف الطوارئ من تجاوز الخلافات والانقسامات، وأسهم في تقديم خدمات أساسية غابت نتيجة انهيار مؤسسات الدولة واستمرار الصراع.

تنظيم مرن

ويعتمد عمل غرف الطوارئ على تنظيم لا مركزي يبدأ من أصغر الوحدات المجتمعية، إذ يوضح السنوسي أن التنسيق "ينطلق من الحي أو القرية، ثم المحليات فالولايات، وصولا إلى مجلس تنسيق عام قاعدي".

ويضم هذا الهيكل متطوعين ومتخصصين في مجالات الطب والهندسة والإدارة والمالية، إلى جانب مجالس تشريعية محلية تشرف على العمل الميداني.

وساعد هذا التنظيم المرن غرف الطوارئ على الاستجابة السريعة للاحتياجات المتغيرة، لا سيما في المناطق التي تحولت إلى خطوط تماس.

ويؤكد السنوسي أن الغرف "تقدم خدمات فُقدت بسبب الحرب، ولم تتمكن منظمات أخرى من توفيرها، وحتى إن بدت بسيطة، فإنها بالنسبة للناس مسألة حياة أو موت".

ومنذ عام 2023 وحتى 2025، أودت الحرب بحياة نحو 150 ألف شخص، وتحول السودان إلى واحدة من كبرى بؤر النزوح في العالم، إذ أجبر أكثر من 11.5 مليون شخص على النزوح داخليا إلى آلاف المواقع في مختلف الولايات، وشكّل الأطفال دون سن 18 أكثر من نصف هذا العدد، وفق بيانات الأمم المتحدة.

مبادرات وإنجازات

وشملت مبادرات غرف الطوارئ دعم المستشفيات والمراكز الصحية بالأدوية والمحاليل والوقود، وتنظيم حملات إسعاف وإجلاء، إلى جانب تشغيل تكايا ومطابخ مجتمعية وفّرت الغذاء للنازحين والأسر المتضررة.

وحسب السنوسي آدم، تمكنت الغرف خلال عام واحد فقط من الوصول إلى نحو 8 ملايين مستفيد داخل السودان، وهو رقم يعكس حجم العمل واتساع رقعته.

كما أسهمت الغرف في سد فجوات كبيرة في مناطق انهار فيها النظام الصحي بالكامل، عبر دعم الكوادر المحلية والمتطوعين، والعمل داخل مرافق طبية مهددة بالقصف أو الإغلاق، من بينها مستشفى "النو" في أم درمان غربي العاصمة الخرطوم.

وفي بداياتها، اعتمدت غرف الطوارئ على تبرعات السودانيين في الداخل والخارج، قبل أن تتوسع دائرة الدعم لتشمل مانحين مؤسسيين.

ويشير السنوسي إلى أن التمويل جاء عبر قنوات متعددة، من بينها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وصندوق السودان الإنساني، إضافة إلى شراكات ثنائية مع منظمات دولية، ضمن تنسيق لا مركزي يمنح الولايات مرونة أكبر في الاستجابة.

من جهته، يرى مروان طاهر، مسؤول الأنشطة في منظمة أطباء بلا حدود بدارفور، أن غرف الطوارئ جاءت لسد فجوة حقيقية خلّفها ضعف التنسيق الإنساني.

ويقول طاهر -في حديثه لبرنامج "للقصة بقية"- إن "هناك قصورا كبيرا ومستمرا في التنسيق بين المنظمات الدولية، وفي متابعة تنفيذ المشاريع، وتقديم الدعم الفني للمستجيبين السودانيين في المناطق الأمامية"، مشددا على ضرورة "تعزيز عاجل لرفع كفاءة الاستجابة الإنسانية".

ويؤكد أن دور المنظمات الدولية "يجب ألا يحل محل المستجيبين المحليين"، بل يتركز على دعمهم بالتمويل ونقل الإمدادات ومنحهم مساحة أوسع لاتخاذ القرار.

تحديات واستهداف

ورغم هذا الدور، تواجه غرف الطوارئ تحديات جسيمة، أبرزها الاستهداف المباشر، إذ يقر السنوسي بأن المتطوعين يتعرضون "للقصف والاعتقال والمضايقات"، في ظل وضع أمني شديد التقلب، لكنه يشدد على أن الحياد بالنسبة للغرف "مبدأ أخلاقي لا سياسي"، هدفه حماية المدنيين وتقديم الخدمات أينما وُجدوا.

وفي السياق ذاته، يحذر طاهر من الاستهداف الممنهج للقطاع الصحي، مشيرا إلى أن منظمة الصحة العالمية سجلت أكثر من 198 هجوما على مرافق صحية منذ بداية الحرب، أودت بحياة نحو 1700 شخص، بينما وثقت منظمة أطباء بلا حدود أكثر من 100 حادثة استهدفت موظفيها ومرافقها.

ورغم الحرب المستمرة، فإن القائمين على غرف طوارئ السودان يرون أن تجربتهم تجاوزت حدود الاستجابة الطارئة، إذ يؤكد السنوسي أن الغرف "سدت فجوة آنية، ويمكن أن تلعب دورا مهما في مرحلة التعافي"، معتبرا أن ما تحقق يمثل "حجر أساس لعمل إنساني قاعدي سريع، لا ينقصه سوى دعم يتناسب مع حجم الكارثة".

Published On 6/1/20266/1/2026|آخر تحديث: 01:46 (توقيت مكة)آخر تحديث: 01:46 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2

شارِكْ

facebooktwitterwhatsappcopylink

حفظ

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات غرف الطوارئ أکثر من

إقرأ أيضاً:

«الهلال الأحمر» بالمدينة المنورة يقدم خدماته الإسعافية لضيوف الرحمن

تقدّم هيئة الهلال الأحمر السعودي بمنطقة المدينة المنورة خدماتها الإسعافية والإنسانية لضيوف الرحمن، تزامنًا مع توافد الحجاج إلى المسجد النبوي، ومواقع الزيارة بالمدينة المنورة.

وأوضح مدير فرع الهيئة بمنطقة المدينة المنورة الدكتور أحمد بن علي الزهراني أن الفرق الإسعافية تواصل أعمالها الميدانية على مدار الساعة، لضمان تقديم الرعاية الإسعافية الطارئة للحجاج والزوار خلال فترة وجودهم بالمدينة المنورة من خلال توزيع الفرق الإسعافية في المسجد النبوي وساحاته، والمواقع ذات الكثافة العالية، بما يسهم في سرعة الوصول للحالات الطارئة، وتقديم الخدمة الإسعافية اللازمة.

وأفاد أن الخطة التشغيلية تشمل تشغيل الفرق الإسعافية ووحدات التدخل السريع والعربات الكهربائية وعربات القولف لخدمة المستفيدين، إضافة إلى الجاهزية التامة للإسعاف الجوي؛ بهدف تعزيز سرعة الاستجابة والتعامل مع الحالات الطارئة، وفق أعلى المعايير الإسعافية، مضيفًا أن مركز "الترحيل الطبي" بالمنطقة يواصل استقبال البلاغات الواردة عبر الرقم (997) وتطبيق "أسعفني"، ومتابعة أداء الفرق الإسعافية ميدانيًا؛ لضمان سرعة الاستجابة وجودة الخدمات المقدمة للحجاج والزوار.

وأكد أن الهيئة تعمل بالتنسيق مع شركاء الاستجابة والجهات ذات العلاقة؛ لتعزيز الجاهزية التشغيلية واستمرار تقديم الخدمات الإسعافية بكفاءة عالية؛ بما يسهم في المحافظة على سلامة ضيوف الرحمن وزوار المدينة المنورة.

المدينة المنورةالهلال الأحمرضيوف الرحمنقد يعجبك أيضاً متحف السيرة النبوية بالمدينة المنورة يستقبل ضيوف الرحمنفريق التحرير25 مايو 2026الهلال الأحمر بالمدينة المنورة تعلن إحصائيات أعمالها الإسعافية والتطوعية خلال موسم الحجفريق التحرير15 مايو 2026مدير «الشؤون الإسلامية» بالمدينة المنورة: سخرنا خدماتنا الدعوية لضيوف الرحمن بجميع المنافذفريق التحرير11 مايو 2026فرق الهلال الأحمر تعيد النبض لحاج إندونيسي في ساحات المسجد النبويفريق التحرير29 أبريل 2026

مقالات مشابهة

  • «الهلال الأحمر» بالمدينة المنورة يقدم خدماته الإسعافية لضيوف الرحمن
  • «الأغذية العالمي»: لبنان يواجه حالة طوارئ إنسانية متفاقمة
  • الموت راحة.. صبري عبد المنعم يكشف عن تفاصيل معاناة سهام جلال
  • مكنتش أتوقع أبدا .. صبري عبد المنعم يكشف عن معاناة سهام جلال
  • تفاصيل الغرف السرية للجولة الرابعة من مفاوضات لبنان وإسرائيل
  • خطة طوارئ موسعة لتعزيز «الاستجابة الطبية» في الجنوب
  • غات.. اجتماع حكومي عاجل لبحث تداعيات «الأمطار الغزيرة»
  • الخنبشي يفتتح خدمات الطوارئ العامة والتوليدية بمركز جامعة حضرموت لطب الأسرة على مدار الساعة
  • «الغرف العربية»: دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة مفتاح التمكين الاقتصادي
  • صابرين النجيلي لـ صدى البلد: الأغنيات الدرامية تجذبني.. ولعبة القلوب عمل إنساني