فنزويلا بعد مادورو.. صدمة داخلية وانتقال غامض تحت ضغط خارجي
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
تعيش فنزويلا مرحلة غير مسبوقة من الارتباك السياسي والمؤسسي، عقب التطورات التي أفضت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وتكليف نائبة الرئيس السابقة ديلسي رودريغيز بتولي الرئاسة مؤقتا.
وبين صدمة الشارع، وهدوء حذر في المؤسسات، وتصاعد الدور الأميركي، تتزايد الأسئلة حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود السيادة، وإمكانية الانتقال الديمقراطي.
فرصة للتحول
يرى الخبير الاقتصادي والباحث في دراسات التنمية الفنزويلي مانويل سوذرلاند، "فرصة ذهبية حقيقية" لإنجاز انتقال ديمقراطي فعلي، يقود البلاد إلى ديمقراطية حقيقية، بحيث يتمكن 80 إلى 90% من السكان، الذين يعارضون الحكومة حاليا، من التعبير السياسي المشروع والعادل مع القدرة على الحكم والإدارة.
ويقول سوذرلاند للجزيرة نت، إن فنزويلا بإمكانها استعادة المسار السياسي الذي كان قائما قبل "الانزلاق الأوتوقراطي" (الحكم الفردي المطلق)، الذي بدأ أو انفجر فعليا منذ عام 2015، حين فازت المعارضة بالجمعية الوطنية، وبدأت الحكومة تدريجيا بتعطيلها وتفكيكها، وكسر المسار الدستوري وقواعد اللعبة الديمقراطية.
وبحسب سوذرلاند، فإن النظام المادوري، رغم قطع رأسه سياسيا، لا يزال يحتفظ بهياكله الأساسية: رئاسة مؤقتة بيد ديلسي رودريغيز، وسيطرة على مؤسسات كالمحكمة العليا، والنيابة العامة، والجمعية الوطنية، إضافة إلى خطاب المقاومة المناهضة للإمبريالية "الذي يبدو متناقضا ومفصولا عن الواقع، لكنه لا يزال حاضرا في تصريحات المسؤولين".
وحول كيفية تعاطي القوات المسلحة مع التطورات المتسارعة يضيف سوذرلاند، أن القوات المسلحة في كاراكاس وغيرها تبدو هادئة نسبيا ومتزنة إلى حد كبير، حيث كانت هناك بعض التحركات الصغيرة جدا من موظفين حكوميين وعناصر من الحزب الاشتراكي الموحد دعما للحكومة، لكنها بقيت محدودة.
إعلانوتبدو تلك القوات -بحسب المتحدث- بحالة صدمة وضعف، ولم تكن تتصور أن يحدث لها ما حدث، وهي تؤدي حاليا دورا محدودا إلى حد كبير.
من جهته يرى الباحث في علم الاجتماع، مويسيس دوران، أن العملية العسكرية، التي اتخذت من كاراكاس مركز ثقلها الأساسي، وامتدت إلى مطارات ومقار عسكرية، خلّفت أجواء كثيفة من عدم اليقين.
ويقول دوران للجزيرة نت، إن تقارير تشير لاحتفالات محدودة في أحياء معارضة مثل ألتاميرا وتشاكاؤو، في حين يسود الصمت والمراقبة مما تعرف بمجموعات الكوليكتيفوس (مسلحون يدعمون مادورو) في مناطق هي تقليديا محسوبة على التيار التشافيزي (نسبة للرئيس السابق هوغو تشافيز)، مثل حي 23 دي إينيرو.
كما أن المدينة تعمل بنصف طاقتها؛ فبعض الخدمات العامة مستمرة ولكنْ مع انقطاعات، فيما يتجنب الناس الخروج إلا للضرورة خشية ما قد يحدث في الشوارع.
وتقول أستاذة الاقتصاد في جامعة فنزويلا المركزية، ووزيرة الاقتصاد الشعبي السابقة أولي ميلان للجزيرة نت "يسود الآن هدوء حذر، ولا سيما في ظل غياب الوضوح بشأن ما قد يحدث في المستقبل القريب، ولا يزال الفنزويليون يحاولون استيعاب ما جرى، وفهم التداعيات التي ستترتب على ذلك بالنسبة للبلاد".
سيناريوهاتويرى الخبير سوذرلاند، أن السيناريو الأكثر ترجيحا هو ممارسة ضغوط قوية من الولايات المتحدة، مصحوبة بتهديدات شديدة، لدفع عملية انتقال وتغيير مؤسسي، على أن يقوم التيار التشافيزي بانعطافة كاملة بزاوية 180 درجة.
ويتابع أنه لا يتوقع انهيارا وشيكا، مرجحا استمرار الدولة إداريا، "ولا أظن أن هناك قطيعة كاملة في أسلوب الإدارة الحكومية، لكنْ ما حدث يمثل صدمة سياسية ومؤسساتية كبرى".
وعلى التيار التشافيزي -يضيف سوذرلاند- إعادة التفكير بمسألة جوهرية: هل يريد الاستمرار في التشافيزية أو المادورية دون مادورو، وبالنهج ذاته القائم على المواجهة والصراع والمقاومة؟ أم يسعى لاتفاق عقلاني ومتزن، يأخذ في الحسبان ضعف القدرات العسكرية والداخلية، وقلة الدعم الشعبي؟
فيما تعتقد الأكاديمية ميلان، أن السيناريو الأكثر ترجيحا أن ما تبقى من الحكومة سيسعى لإعادة تنظيم نفسه، بدافع البقاء، حول نائبة الرئيس التي تتولى اعتبارا من يوم 5 مايو/أيار القادم رئاسة الجمهورية، وذلك تحت وصاية مؤسفة ومهينة من الحكومة الأميركية.
وهو ما يشكل دليلا -برأيها- على فشل الطبقة السياسية الفنزويلية، والمسار البوليفاري أيضا، بما في ذلك حكومة مادورو، التي أوصلتنا إلى هذا المأزق، في ظل آفاق شديدة الضبابية على صعيد سيادة البلاد وديمقراطيتها.
وتخلص ميلان إلى أن لهذه التطورات تداعيات سلبية على أميركا اللاتينية وعلى الجغرافيا السياسية العالمية عموما، إذ تُمثّل جوهر الإمبريالية الأميركية وهي تتحرك بلا أي قيود، وتؤسس لسابقة شديدة الخطورة.
ويقول الباحث دوران، إن كاراكاس والمدن الكبرى تشهد حضورا عسكريا واضحا لكنه غير منتظم، فلا يوجد انتشار كثيف على نمط حالة الطوارئ، بل تمركز تكتيكي في نقاط إستراتيجية كالمؤسسات الحكومية، والبنى التحتية الحساسة، وفي مقار دبلوماسية، إضافة لنقاط تفتيش موجودة لكنها متفاوتة، بعضها يُدار بإجراءات روتينية، وأخرى تبدو أقرب إلى عمليات استطلاع للوضع.
إعلانويضيف دوران، أن اللافت والمقلق هو انتشار مجموعات مسلحة غير نظامية، تُعرف بـ"المجموعات التشافيزية"، في أحياء شعبية وحتى في مناطق حضرية داخلية، وقد تتحول إلى عوامل ترهيب وزعزعة إذا شعرت بتهديد نفوذها المحلي.
ووفقا للمتحدث، فإن حركة السكان تعكس ما يمكن وصفه بحياة طبيعية حذرة ومتوترة، فالناس يذهبون إلى أعمالهم، ويؤمّنون احتياجاتهم الأساسية، لكنْ يسود شعور عام بهشاشة الوضع، ويُلاحظ ما يلي:
عدد محدود من المتاجر المفتوحة، وهذا يتصادف مع إغلاقات نهاية العام. تخزين احترازي للغذاء والنقد. اعتماد مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي لتبادل المعلومات ومتابعة المناطق الآمنة. تركّز النشاط خلال ساعات النهار، مقابل فراغ شبه تام ليلا. تجنُّب التجمعات السياسية الكبرى بدافع الحذر.ويتابع دوران: في المناطق الشعبية، التي كانت تقليديا قاعدة للتشافيزيين، تبدو الأوضاع أكثر توترا، مع خوف متزايد من الانتقام، يقابله أمل لدى كثيرين ممن صوّتوا للتغيير في يوليو/تموز 2024.
كما يبرز رفض متزايد بين أوساط واسعة من السكان، وحتى داخل صفوف معارضة صوّتت لإدموندو غونزاليس، لمحاولة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض سيطرة مباشرة على البلاد بما يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، في تجاهل كامل لسيادة فنزويلا ومصالح شعبها.
وينقل الخبير الاقتصادي سوذرلاند مشاهداته عن الحضور الأمني في الشارع، حيث يمكن الشعور بانتشار أجهزة الرقابة، والاستخبارات، ومكافحة التجسس، في بعض المتاجر الكبرى والصيدليات والأماكن العامة.
ويضيف أنه لم يلحظ وجودا عسكريا ثقيلا، وإنما بعض الشاحنات العسكرية، لكنها كانت قليلة جدا، ومتفرقة، ودون أي انتشار واسع، "لم أرَ أسلحة ثقيلة، ولا مدفعية متمركزة، ولا دفاعات، ولا صواريخ، ولا أي مظاهر استعداد عسكري كبير".
وبحسب سوذرلاند، يسود جو من الصمت، مع وجود مجموعات مدنية موالية للتشافيزية (كوليكتيفوس) على دراجات نارية، وبعضهم يحمل أسلحة طويلة، وقد لاحظت ذلك بنفسي. "ويبدو أن دورهم يتركز على ترهيب الناس ومنعهم من الخروج للاحتفال باعتقال مادورو، في إطار محاولة فرض سيطرة اجتماعية مشددة ومنع أي تحركات معارضة للحكومة، مع وجود نقاط تفتيش قليلة ومتباعدة نسبيا".
وتختم الأكاديمية ميلان مؤكدة أن نقاط التفتيش لا تزال قائمة في الشوارع، إلا أن ذلك ليس أمرا جديدا، بل كان جزءا من أسلوب إدارة حكومة مادورو، وهو ما كان يحدث منذ فترة من الزمن.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
صدمة لعشاقها.. لكزس تودع سيارة LF-ZC قبل ولادتها
شهد قطاع تكنولوجيا السيارات صدمة استثمارية كبرى بعد أن أعلنت شركة "تويوتا موتور كورب" رسميًا من العاصمة اليابانية طوكيو عن إلغاء مشروع سيارتها الاختبارية الرائدة “لكزس LF-ZC”، وتصفية خطط إنتاج هذا الجيل الجديد كليًا من المركبات الكهربائية، والذي كان من المفترض هندسيًا وتسويقيًا أن يقود مسيرة الصانع الياباني للوصول إلى مبيعات مستهدفة تبلغ مليون سيارة كهربائية، بجانب استعراض أحدث الأساليب التصنيعية المستقبلية مثل تقنية “الصب العملاق” والمصانع فائقة الأتمتة.
ويأتي هذا القرار الحاسم ليعكس التراجع الجماعي والمنظم لشركات السيارات اليابانية عن خطط التوسع الكهربائي الكامل بنسبة 100%، والتركيز مجددًا على حلول الطاقة الهجينة والاعتمادية التقليدية.
كانت سيارة لكزس LF-ZC تمثل حجر الزاوية البرمجي والهيكلي في استراتيجية تويوتا لمنافسة عمالقة السيارات الكهربائية مثل تسلا والشركات الصينية الناشئة؛ إذ رُوج للمركبة كمنصة تكنولوجية متكاملة تستعرض بطاريات الجيل الجديد ذات المدى الممتد والأبعاد الهندسية فائقة الانسيابية التي ترفع من كفاءة الديناميكية الهوائية للشاسيه.
وبإلغاء هذا المشروع ماديًا، تواجه تويوتا تحديًا كبيرًا في إعادة صياغة خريطة طريق علامتها الفاخرة لكزس، مما يضع استثمارات برمجية وتطويرية ضخمة استمرت لسنوات في مهب الريح ويؤجل طموحات التحول الكهربائي الشامل لأجل غير مسمى.
تراجع التصنيع الهيكلي وإلغاء تقنيات الصب العملاق والأتمتة الفائقةلا يتوقف الأثر السلبي لهذا الإلغاء عند حدود غياب السيارة عن صالات العرض، بل يمتد ميكانيكيًا ليضرب خطط تويوتا الرامية لتطوير ثورة مادية في خطوط الإنتاج والميكنة؛ حيث كان من المقرر أن تقود LF-ZC تدشين تقنية “الصب العملاق” التي تعتمد على صب أجزاء ضخمة من هيكل السيارة السفلي في قطعة معدنية واحدة لتقليل عدد المكونات واللحامات وخفض الوزن الإجمالي للمركبة بوضوح.
ومع إلغاء الطراز الرائد، تم تجميد التوسع في خطوط الإنتاج فائقة الأتمتة التي كانت تدار برميًا وخوارزميًا بالكامل لتقليل التدخل البشري، مما يعيد تويوتا خطوات إلى الوراء في تطوير كفاءة التصنيع الكمي للمركبات الكهربائية.
الفلسفة اليابانية الجديدة والهروب نحو المحركات الهجينة والوقود البديليؤكد مهندسو ومحللو أسواق النقل أن تراجع تويوتا والشركات اليابانية بصفة عامة عن الاستثمار الكثيف في فئة الكهرباء الصافية (BEV) يعود إلى قراءة واقعية لتغيرات السوق العالمية وتراجع معدلات الطلب المادي من المستهلكين، بالإضافة إلى معوقات البنية التحتية للشحن وصعوبات سلاسل الإمداد الخاصة ببطاريات الليثيوم.
وتفضل الإدارة اليابانية حاليًا توجيه الميزانيات المرصودة لتطوير المحركات الهجينة التي تحقق مبيعات قياسية وأرباحًا مادية مضمونة، إلى جانب استكشاف حلول الهيدروجين والوقود الحيوي، لتبقي احتمالية اعتمادها بالكامل على الكهرباء قريبة من 0% في المدى المنظور.