التوجيه السامي.. وحماية القيم في زمن الفضاء المفتوح
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
عباس المسكري
جاءَ التوجيه السامي من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- خلال ترؤس جلالته اجتماع مجلس الوزراء، بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع العُماني، ووضع سياسات وآليات عمل واضحة لتعزيز القيم المجتمعية والسلوكيات الإيجابية؛ ليُجسِّد مرةً أخرى عمق الرُّؤية السامية وحرص القيادة الحكيمة على صون المجتمع العُماني، وتعزيز تماسكه، وحماية جميع شرائحه في ظل ما تفرضه التحولات التقنية المتسارعة من تحديات اجتماعية وثقافية.
هذا التوجيه يعكس وعيًا دقيقًا بطبيعة المرحلة، حيث لم تعد التأثيرات السلوكية محصورة في الواقع الملموس؛ بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، الذي بات يشكّل جزءًا من الحياة اليومية، خاصة لدى فئة الشباب، وقد كشفت هذه التحولات عن بعض الظواهر السلبية، مثل ضعف العلاقات المجتمعية، وتراجع تأثير القدوات الإيجابية، وغياب التواصل البنّاء بين الأجيال، وهي مؤشرات تستدعي الوقوف عندها بجدية ومسؤولية.
ومع ذلك، فإنَّ من الإنصاف التأكيد على أن المجتمع العُماني على أرض الواقع لا يزال ولله الحمد مُجتمعًا مُتماسكًا، مُحافظًا على قيمه، مُترابطًا في علاقاته، ومُعتزًا بهويته، وما يظهر من سلوكيات غير طيبة، إنما يبرز بصورة أوضح في العالم الافتراضي، الذي أتاح مساحة واسعة للتعبير غير المنضبط، وأصبح في بعض الأحيان منفذًا لتعويض فراغ نفسي أو اجتماعي أو اقتصادي.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذه الظواهر عن بعض الظروف التي يعيشها عدد من الشباب، الباحثين عن عمل والمُسرَّحين من وظائفهم، فقد وجد بعضهم في منصات التواصل الاجتماعي مُتنفسًا لملء الوقت، أو وسيلة لتحقيق دخل سريع عبر الألعاب الإلكترونية، والتحديات، والمحتوى العابر، الأمر الذي أسهم في بروز ممارسات لا تنسجم مع القيم المجتمعية ولا تعكس الصورة الحقيقية للمجتمع العُماني.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تُؤخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار عند وضع السياسات المعالجة للمتغيرات السلوكية، وأن يُنظر إلى ملف التوظيف بوصفه أحد أهم مفاتيح الحل، وليس مجرد مسار اقتصادي منفصل؛ فالتوظيف هو في جوهره عامل استقرار اجتماعي وسلوكي، وأداة فاعلة لحماية الشباب من الانجراف خلف السلوكيات السلبية في الفضاء الرقمي؛ فالشاب الذي ينخرط في عمل كريم ومستقر، يجد نفسه مشغولًا ببناء مستقبله، وتطوير ذاته، وتحقيق طموحاته المشروعة، ويشعر بقيمته ودوره في المجتمع ، وهذا الانشغال الإيجابي يقلل من مساحة الفراغ، ويحد من الارتهان للعالم الافتراضي بوصفه بديلًا عن الواقع، ويحوّل طاقات الشباب من الاستهلاك والجدل إلى الإنتاج والمشاركة الفاعلة.
وعليه.. فإن أي جهود تُبذل لتعزيز القيم المجتمعية أو الحد من التأثيرات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، ستظل محدودة الأثر ما لم يُجعل التوظيف في صدارة الأولويات؛ باعتباره الطريق الأقرب لمعالجة جذور المشكلة لا مظاهرها فقط، فإشغال الشباب بعمل منتج يضمن لهم قوت عيشهم وكرامتهم، هو استثمار حقيقي في السلوك الإيجابي، وفي استقرار المجتمع، وفي مستقبل الوطن.
إنَّ التوجيه السامي لجلالة السلطان المعظم- حفظه الله وأبقاه- يفتح المجال أمام عمل مؤسسي متكامل، تتكامل فيه الجهود بين الجهات المعنية، والأسرة، والإعلام، ومؤسسات المجتمع، لبناء وعي رقمي رشيد، وتعزيز القيم العُمانية الأصيلة، وتمكين الشباب من القيام بدورهم الطبيعي في مسيرة التنمية؛ بما يحفظ للمجتمع قوته، ويصون هويته، ويواكب متطلبات العصر دون التفريط في ثوابته.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
بلو أوريجين تتعهد بعودة صاروخ New Glenn إلى الفضاء قبل نهاية 2026
في وقت تتصاعد فيه المنافسة داخل قطاع الفضاء التجاري، أكدت شركة بلو أوريجين أنها تعتزم إعادة إطلاق صاروخها الثقيل New Glenn قبل نهاية عام 2026، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بمنصة الإطلاق التابعة لها في ولاية فلوريدا إثر انفجار وقع خلال اختبارات فنية أواخر مايو الماضي.
وجاءت تصريحات الشركة لتخفف من المخاوف التي أثيرت عقب الحادث، خاصة بعد تقديرات أشارت إلى أن إعادة تأهيل منشآت الإطلاق قد تستغرق سنوات. وأكد ديف ليمب، الرئيس التنفيذي لبلو أوريجين، أن الشركة قادرة على استعادة جاهزية المنصة خلال فترة أقصر بكثير مما يتوقعه بعض المسؤولين، مشددًا على أن عمليات الإصلاح بدأت بالفعل عقب استعادة الفرق الفنية إمكانية الوصول إلى الموقع المتضرر.
وكانت منصة الإطلاق التابعة للشركة في كيب كانافيرال قد تعرضت لانفجار مفاجئ أثناء إجراء اختبار إشعال ثابت لصاروخ New Glenn، وهو اختبار يُجرى عادة للتحقق من جاهزية المحركات والأنظمة قبل تنفيذ المهمة الفضائية التالية. وأسفر الحادث عن أضرار واضحة في البنية التحتية للموقع، ما أثار تساؤلات بشأن مستقبل البرنامج الفضائي للشركة وخططها القريبة.
في المقابل، أبدى جاريد إيزاكمان، مدير وكالة ناسا، رؤية أكثر تحفظًا بشأن الجدول الزمني للإصلاحات. وأشار إلى أن حجم الأضرار قد يتطلب وقتًا طويلًا لمعالجتها، معتبرًا أن عودة المنصة إلى كامل طاقتها التشغيلية قد تمتد حتى عام 2028، وهو ما قد يؤثر على عدد من المهام الفضائية المخطط لها خلال السنوات المقبلة.
ورغم هذا التباين في التقديرات، تؤكد بلو أوريجين أن الفحوصات الأولية أظهرت أن خزانات الوقود الرئيسية للصاروخ لم تتعرض لأضرار جسيمة، كما أن برج الدعم الخاص بمنصة الإطلاق يمكن إصلاحه في موقعه الحالي دون الحاجة إلى تفكيكه وإعادة بنائه بالكامل، وهو ما قد يسرّع عملية إعادة التشغيل.
ويحظى برنامج New Glenn بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للشركة، إذ يمثل حجر الأساس في خططها للتوسع داخل سوق إطلاق الأقمار الصناعية والبعثات الفضائية التجارية. كما تعتمد عليه عدة مشروعات مرتبطة ببرامج الاستكشاف القمري الأمريكية، إلى جانب دوره المتوقع في دعم مهام مستقبلية مرتبطة ببناء قواعد ومرافق على سطح القمر.
ولا تقتصر أهمية الصاروخ على مهام ناسا فقط، بل تمتد إلى مشروعات تجارية أخرى، من بينها خطط نشر أقمار صناعية خاصة بخدمات الإنترنت الفضائي. وكانت المهمة الرابعة لصاروخ New Glenn تستهدف نقل عشرات الأقمار الصناعية إلى المدار، قبل أن يؤدي الحادث إلى تأجيل هذه الخطط مؤقتًا.
وفي محاولة لتوسيع قدراتها التشغيلية، تعمل بلو أوريجين أيضًا على تطوير موقع إطلاق جديد داخل قاعدة فاندنبرج الفضائية بولاية كاليفورنيا. إلا أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى، وتشير التقديرات إلى أن تجهيز الموقع بالكامل قد يستغرق نحو عامين، ما يعني أنه لن يكون جاهزًا قبل عام 2028.
وتواجه الشركة الآن تحديًا مزدوجًا يتمثل في إصلاح الأضرار الحالية واستعادة ثقة العملاء والشركاء، مع الحفاظ على جدولها الزمني الطموح للمهمات الفضائية المقبلة. وبينما ترى ناسا أن الطريق لا يزال طويلًا أمام عودة المنصة إلى العمل، تصر بلو أوريجين على أن صاروخ New Glenn سيعود إلى التحليق مجددًا قبل نهاية العام الجاري، لتبقى الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد مدى قدرة الشركة على الوفاء بهذا الوعد.