أحمد نبيوة يكتب: 6 يناير.. ثمانون عاما من الغرس الطيب
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
تاريخ طويل قاده فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، تجاوز النصف قرن ، في خدمة الدعوة الإسلامية والإنسانية ، فمنذ حصول فضيلته على الليسانس في أصول الدين قسم العقيدة والفلسفة ، وتدرجه في الدرجات العلمية ، وقد انشغل الإمام الطيب بالجانب الفكري والفلسفي لكبار الفلاسفة والمفكرين ، وظهر ذلك في مؤلفاته العديدة التي تجاوزت الحدود الجغرافية ، وتداولها طلاب العلم في جميع البلدان العربية والإسلامية بل والعالمية ، ومنذ ذلك الحين وبزغ شمس الفكر الطيب في خدمة الدين والوطن والإنسانية جمعاء.
وعقب توليه المناصب القيادية بداية من عمادة كلية أصول الدين جامعة الأزهر وكلية الشريعة في قطر ، ومنصب المفتي ثم رئاسة جامعة الأزهر وحاليا مشيخة الأزهر ، وسيطرت العديد من القضايا على اهتمامات شيخ الأزهر ، فسعى بجهود حثيث نحو الشرق والغرب من خلال جولاته الخارجية لدول عديدة يخاطب الضمائر الحية، ويتحسس أصوات العقلاء من أجل إعلاء صوت الحكمة والعقل في العديد من القضايا ، وطالب بإعلاء قيمة التعايش السلمي بين جميع البشر ، ومن هنا كانت فكرة إنشاء بيت العائلة بعد عام واحد من توليه مشيخة الأزهر وبالتحديد في يناير عام 2011، بقرار من رئيس الوزراء، وذلك بعد أن طرح الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الفكرة على البابا شنودة الثالث ، وتم البدء في تنفيذه رسميًا بعد موافقة البابا، بهدف توحيد النسيج الوطني المصري وتعزيز قيم التعايش والسلام بين المصريين من مختلف الأديان، ونبذ التعصب، وتعزيز التعاون بين المسلمين والمسيحيين ، ونجحت تلك التجربة الفريدة وتناقلتها العديد من الدول، وأصبحت مصر بيت واحد يتسع الجميع.
ولم يتوقف الإمام الطيب عند هذا الحد، بل ارتفع مستوى الطموح ليصبح عابرا للقرارت ، فصال فضيلته وجال بين الدول ، وأصبح يشار إليه بالبنان والتقى بالعديد من القادة الدينيين والزعماء والملوك ، حتى أنتج هذا الجهد الكبير فكرة تأسيسي بيت يجمع حكماء المسلمين من شتى الدول والمجالات والتوجهات الفكرية ، فأسس فضيلته مجلس حكماء المسلمين في أبو ظبي، بدولة الإمارات الشقيقة في 21 رمضان 1435 هـ ، الموافق 19 يوليو 2014 ، برئاسة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، بهدف سام آخر يصف في نفس الاتجاهات سالفة الذكر وهي تعزيز السلم والتسامح في العالم الإسلامي وتوحيد جهود العلماء والمفكريت ولكن في مساحة أوسع وإطار مفتوح أمام الجميع.
زاد الشغف وتكثف الجهد لدى الإمام صاحب السبعين عاما في ذلك الوقت التي تأسس فيه مجلس حكماء المسلمين في 2014 ، واتسعت الأهداف من أجل الوصول إلى الغاية التي يسعى إلى الإمام الطيب وهو أن يصبح مصدرا لإلهام القادة وصناع القرار ليغيروا العالم ليصبح عالم بلاصراعات وتتوقف الحروب وتتوقف شلالات الدماء التي تسال هنا وهناك ، وظل لأكثر من 5 سنوات يعمل ويتجول بين الدول شرقا وغربا عابرا للقارات تارة ومسابقا للزمن تارة أخرى حتى جاءت سافر سريعا نحو روما وهناك طرق باب الفاتيكان بعد قطيعة كبيرة بين الشرق والغرب على مستوى القيادات الدينية ، ظلت لسنوات في عهد بابا الفاتيكان السابق، بنديكت السادس عشر، الذي أحدث توتراً مع العالم الإسلامي بتصريحه عام 2006 الذي اقتبس مقولة قديمة تنتقد الإسلام، ما أدى لموجة احتجاجات واسعة، ورغم محاولات لاحقة لتهدئة الأوضاع، ظلت تصريحاته محل جدل.
إلى أن جاء الباب فرنسيس بابا المحبة والسلام لتتقارب الرؤى والأهداف بين الإمام والبابا ، ومنها ولدت وثيقة الأخوة الإنسانية في قلب العاصمة الإماراتية أبو ظبي ، قبل عدة سنوات و تم توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية ، وبالتحديد في 4 فبراير 2019 بين البابا فرنسيس والإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، كإعلان تاريخي لتعزيز السلام العالمي والتعايش بين الأديان والثقافات عبر الدعوة إلى الاحترام المتبادل والحوار وتقدير التنوع كحكمة إلهية، لتصبح أساسًا لمبادرات دولية مثل اليوم العالمي للأخوة الإنسانية وجائزة زايد للأخوة الإنسانية، وبهذا النجاح الكبير الذي سمى سمو الأهداف البيلة للإمام والبابا ، قرر الأمم المتحدة باعتبار يوم توقيع الوثيقة الرابع من فبراير يوما عالميا للأخوة الإنسانية .
هذا التاريخ الطويل الذي تم اختزاله في سطور معدودة ، وكلمات محدودة ، والتي كان يستحق أن يكتب في مؤلفات طويلة ، وضعت الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب ، في مكانة عالية تحظى باحترام وتقدير من جميع قادة دول العالم ليس المسلمين والعرب فحسب ، بل الجميع ، وليس أدل على ذلك من الشهادات الكثيرة التي قيلت في حق شيخ الأزهر الذي أعاد للأزهر عالميته وريادته ، فاستحق محبة الجميع "المؤيد قبل المعارض" للأزهر الشريف ولإمامه الأكبر وعلمائه وللمؤسسة الدينية في مصر.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: أحمد الطيب شيخ الأزهر الأزهر الشريف الإمام الأكبر الدکتور أحمد الطیب الإمام الأکبر شیخ الأزهر
إقرأ أيضاً:
د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.
لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.
إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟
لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!
وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.
إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.
كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».
وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.
ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.