في ضوء التحولات الإدارية والتنظيمية المتسارعة التي يشهدها القطاع الحكومي، وسعيه المتزايد نحو تحسين الأداء المؤسسي ورفع جودة الخدمات العامة بما يتوافق مع متطلبات التنمية المستدامة و"رؤية عُمان 2040"، فقد انطلقت دراسة بحثية من فرضية أساسية مفادها أن تبني مبادئ الحوكمة الرشيدة يسهم بشكل مباشر في تعزيز كفاءة التنمية الإدارية وتحسين فعالية الأداء المؤسسي.

وأشار سعيد بن جمعة الغطريفي إلى أن الحوكمة في المؤسسات الحكومية تمثل إطارًا متكاملًا لتنظيم العلاقات الموجودة بين القيادة الإدارية وأصحاب المصلحة، ويكون هذا بغرض تحسين الأداء المؤسسي وضمان تحقيق الأهداف الاستراتيجية بكفاءة وشفافية.

وتعتبر الحوكمة أكثر من مجرد تطبيق القوانين؛ فهي تشمل تحديد المسؤوليات، وضمان الشفافية في الإجراءات، وتفعيل نظم المساءلة، وإشراك أصحاب المصلحة في صنع القرار.

وبرز مفهوم الحوكمة وفق تعريف لجُنية بنت سيف الخروصية، الذي أفاد بأن الحوكمة تعد أداة محورية لتحقيق هذه الأهداف، إذ تمثل إطارًا تنظيميًا يحدد العلاقات بين القيادة الإدارية وأصحاب المصلحة، ويوفر آليات لضمان الشفافية والمساءلة والكفاءة في اتخاذ القرار. وتعد الحوكمة ليست مجرد مبادئ نظرية، بل أداة عملية يمكن من خلالها تحسين جودة الأداء المؤسسي، وضمان الالتزام بالقوانين واللوائح، وتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات الحكومية.

كما أشارت رقية بنت خلفان العبدلية إلى أنه مع دخول التقنية الرقمية في إدارة المؤسسات الحكومية، أصبح للحكومة الإلكترونية وحوكمة البيانات دور بارز في تحسين فعالية الأداء الإداري، حيث توفر البيانات الدقيقة والمؤشرات المؤسسية أساسًا علميًا لاتخاذ القرارات وتحسين التخطيط الاستراتيجي. وبناءً على آراء كل من ماجدة بنت ناصر الجابرية، فقد أظهرت الدراسات التطبيقية في سلطنة عُمان أن المؤسسات التي اعتمدت نظم الحوكمة الإلكترونية وحوكمة البيانات سجلت مستويات أعلى من الكفاءة المؤسسية مقارنة بالمؤسسات التي لم تطبق هذه المبادئ بفعالية.

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال مراجعة وتحليل الأدبيات النظرية والدراسات التطبيقية العربية والأجنبية، مع التركيز على الدراسات العُمانية الحديثة التي تناولت الحوكمة الإدارية، والحوكمة الإلكترونية، وحوكمة البيانات. كما تم ربط نتائج هذه الدراسات بالسياق المؤسسي للمؤسسات الحكومية، بهدف تقديم قراءة تحليلية ناقدة لواقع تطبيق الحوكمة، وتحديد أوجه القوة والقصور في ممارساتها الإدارية.

وتبين أن الحوكمة تمثل إطارًا مؤسسيًا متكاملًا يسهم في تنظيم العلاقات بين القيادة الإدارية وأصحاب المصلحة، من خلال تعزيز الشفافية، وتفعيل المساءلة، وتوسيع نطاق المشاركة في صنع القرار، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد. وقد تبين أن تطبيق مبادئ الحوكمة لا يقتصر على الامتثال الشكلي للقوانين واللوائح، بل يتطلب تبني ممارسات إدارية عملية تؤدي إلى تحسين جودة الأداء المؤسسي وتعزيز الثقة بين المؤسسات الحكومية والمواطنين.

وأكدت النتائج أن مبادئ الحوكمة الأساسية، وعلى رأسها الشفافية والمساءلة والمشاركة والكفاءة وسيادة القانون، تسهم بصورة مباشرة في رفع كفاءة التنمية الإدارية. فالشفافية تعزز وضوح الإجراءات والقرارات الإدارية، وتحد من الممارسات غير الرشيدة، بينما تمثل المساءلة عنصرًا جوهريًا في ضمان تحمل المسؤولية عن الأداء والنتائج، وتحسين الالتزام بالخطط والسياسات المعتمدة. كما تسهم المشاركة في إشراك الموظفين وأصحاب المصلحة في عملية صنع القرار، مما يرفع من جودة القرارات الإدارية ويعزز فرص نجاح تنفيذها. في حين تؤدي الكفاءة إلى الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمالية، وتقليل الهدر الإداري، وتحقيق الأهداف المؤسسية بأقل تكلفة ممكنة، وتضمن سيادة القانون الالتزام بالتشريعات واللوائح المنظمة للعمل الحكومي، وتعزز العدالة التنظيمية.

وأوضحت الدراسة الدور المتنامي لـ"الحوكمة الإلكترونية وحوكمة البيانات" في دعم كفاءة التنمية الإدارية، حيث تسهم النظم الرقمية في توفير بيانات دقيقة وموثوقة تدعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة، وتسهم في تسريع الإجراءات الإدارية وتحسين جودة الخدمات الحكومية. وقد أظهرت الدراسات التطبيقية في سلطنة عُمان أن المؤسسات التي تبنت هذه النظم سجلت تحسنًا ملحوظًا في سرعة إنجاز المعاملات، وانخفاضًا في الأخطاء الإدارية، وارتفاعًا في مستويات رضا المستفيدين.

ورغم هذه النتائج الإيجابية، كشفت الدراسة عن وجود تفاوت ملحوظ في مستوى تطبيق مبادئ الحوكمة بين المؤسسات الحكومية، يعود إلى مجموعة من التحديات، أبرزها ضعف الوعي المؤسسي بأهمية الحوكمة، وقصور برامج التدريب وبناء القدرات البشرية، وعدم جاهزية البنية التحتية الرقمية في بعض الجهات الحكومية، إضافة إلى ضعف نظم المتابعة والتقييم المستمر للأداء. وقد أدى ذلك في بعض الحالات إلى تطبيق شكلي لمبادئ الحوكمة، دون تحقيق أثر فعلي ومستدام على كفاءة التنمية الإدارية.

وخلصت الدراسة إلى أن تطبيق مبادئ الحوكمة يعد أداة استراتيجية فاعلة لتعزيز كفاءة التنمية الإدارية في المؤسسات الحكومية، شريطة أن يتم تطبيقها بصورة شاملة ومتكاملة، مدعومة بالتزام القيادة العليا، وتفعيل آليات المساءلة والرقابة، وتنمية الموارد البشرية، وتوظيف الحوكمة الإلكترونية وحوكمة البيانات بشكل فعّال. وأوصت الدراسة بضرورة تعزيز برامج التدريب وبناء القدرات في مجالات الحوكمة، وتطوير نظم التقييم المستمر للأداء المؤسسي، ودعم ثقافة تنظيمية قائمة على الشفافية والمشاركة، بما يسهم في تحقيق تنمية إدارية مستدامة ورفع جودة الأداء والخدمات الحكومية.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: کفاءة التنمیة الإداریة الحوکمة الإلکترونیة المؤسسات الحکومیة الأداء المؤسسی وأصحاب المصلحة مبادئ الحوکمة

إقرأ أيضاً:

رئيس جامعة قنا يستعرض اللمسات النهائية لإطلاق تطبيق «موارد» لتعزيز الحوكمة الرقمية

استعرض الدكتور أحمد عكاوي، رئيس جامعة قنا في اجتماع موسع لمناقشة التجهيزات النهائية لتطبيق الحوكمة الإلكترونية للموارد الذاتية "موارد"، وذلك تمهيدًا لتدشينه رسميًا خلال الفترة المقبلة، بحضور عدد من القيادات الأكاديمية والإدارية وفريق العمل القائم على المشروع.

وشارك في الاجتماع الدكتور محمد سعيد نائب رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، وطروب طلبة أمين الجامعة، وعبد الرازق حسين أمين الجامعة المساعد، والدكتور جمال عبد الله وكيل كلية العلوم والمشرف على التطبيق، والدكتور أحمد حلمي وكيل كلية التربية النوعية لشئون التعليم والطلاب، والدكتور طارق الكاشف مدير مركز ضمان الجودة، إلى جانب ممثلي الإدارات المعنية وفريق تطوير التطبيق.

واستعرض عكاوى خلال الاجتماع الموقف التنفيذي النهائي للتطبيق وآليات تشغيله، فضلًا عن مراجعة الشاشات والخصائص الفنية والتنظيمية التي تم تصميمها لدعم إدارة الموارد الذاتية من خلال منظومة رقمية متكاملة تتيح متابعة الإيرادات والمصروفات بصورة لحظية، وتوفر قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة تسهم في رفع كفاءة التخطيط المالي وتعزيز الرقابة الداخلية ودعم متخذي القرار.

وأكد عكاوي الانتهاء من الحصر الكامل للصناديق الخاصة والوحدات ذات الطابع الخاص وإدراجها ضمن قاعدة بيانات إلكترونية موحدة على تطبيق "موارد"، بما يضمن توحيد البيانات وسهولة متابعتها وتحقيق أعلى مستويات الشفافية والانضباط المالي. كما أشار إلى الانتهاء من تدريب جميع العاملين والمعنيين على استخدام التطبيق استعدادًا لبدء تشغيله.

وأوضح رئيس الجامعة أن تطبيق "موارد" يمثل خطوة استراتيجية ضمن مسار التحول الرقمي بالجامعة، لما يوفره من معلومات دقيقة ومؤشرات أداء محدثة بصورة مستمرة، بما يدعم كفاءة إدارة الموارد الذاتية ويعزز منظومة الحوكمة والرقابة والمتابعة، ويسهم في اتخاذ القرارات المالية والإدارية وفق أسس علمية دقيقة.

كما شهد الاجتماع مناقشة آليات الاستفادة من أدوات التطبيق المختلفة في تطوير إجراءات العمل وتحسين منظومة الإدارة المالية، إلى جانب استعراض نظام التبويب الإلكتروني الذي يتيح سهولة الوصول إلى البيانات والتقارير الخاصة بالصناديق والوحدات المختلفة، بما يعزز التكامل بين الجهات المعنية ويرفع من كفاءة الأداء المؤسسي.

وفي ختام الاجتماع، وجّه رئيس الجامعة الشكر لفريق عمل التطبيق بقيادة الدكتور جمال عبد الله، وأعضاء فريق مركز المعلومات والتحصيل الإلكتروني والإدارات المالية وكافة الجهات المشاركة، تقديرًا لجهودهم في إنجاز المشروع، مؤكدًا أن التشغيل الكامل لتطبيق "موارد" خلال الفترة المقبلة سيمثل نقلة نوعية في إدارة الموارد الذاتية بالجامعة، ويعزز مستويات الشفافية والحوكمة وكفاءة إدارة الموارد، بما يتوافق مع رؤية الجامعة للتطوير المؤسسي والتحول الرقمي الشامل.

مقالات مشابهة

  • من 30% إلى 50%.. كيف غيّر النواب نطاق تطبيق قانون أرباح الشركات الحكومية؟
  • اجتماع موسع بالرقابة الإدارية لمواجهة تحديات الهجرة غير الشرعية
  • محافظ المنوفية: الأداء الميداني معيار التقييم.. والتلاحم الوطني يدعم مسيرة التنمية
  • بحثُ مجالات التّعاون في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية وموارد المياه بين سلطنة عمان وبيلاروس
  • عبدالعزيز: أطلعتُ على توصيات مسار الحوكمة في الحوار المهيكل وعلى الليبيين رفضها
  • رئيس جامعة المنوفية: التميز المؤسسي ركيزة أساسية للتنمية
  • الحوكمة: خيار إداري أم ضرورة وطنية؟
  • ماذا ستحصل الخزانة العامة من أرباح الشركات الحكومية؟
  • بعد إصابة طفلين.. النيابة الإدارية تُحقق في واقعة انهيار جزئي لعقار بمطوبس
  • رئيس جامعة قنا يستعرض اللمسات النهائية لإطلاق تطبيق «موارد» لتعزيز الحوكمة الرقمية