رسالة تحذير وتذكير إلى قادة الإطار التنسيقي
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
9 يناير، 2026
بغداد/المسلة:
ناجي الغزي
تمرّ الدولة العراقية بمرحلة استثنائية من التعقيد والخطورة، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية في لحظة إقليمية ودولية مضطربة، تُعاد فيها صياغة موازين القوى، وتُفتح فيها خرائط الشرق الأوسط على احتمالات التفكيك وإعادة التشكيل.
إن موقع العراق الجيوسياسي، وعمقه الإسلامي والعربي، يجعلان منه ربما ساحة محورية في هذا الصراع المفتوح، لا طرفاً هامشياً فيه.
في مثل هذه اللحظة، لا تُدار الدولة بعقل التجريب ولا بمنطق المجازفة السياسية. فالدول التي تواجه أخطر المنعطفات لا تختبر خياراتها على حساب الاستقرار، ولا تراهن على شخصيات محدودة الخبرة أو قصيرة الأفق لتقود سفينة بلد مثقل بالأزمات. إن المرحلة تتطلب قيادة ناضجة، خبرت الدولة قبل السلطة، وتفهم موازين القوة قبل الخطاب، وتدرك أن الخطأ في هذا التوقيت لا يكون قابلاً للتصحيح، بل مكلفاً وجودياً.
من هنا، يفترض على الإطار التنسيقي أن يحسن اختياره لرئيس الحكومة القادم. فالعراق بهذه السيناريوهات المربكة والمتقاطعة، لا يحتمل رئيس وزراء تسوية ضعيف، منزوع الغطاء السياسي، بلا كتلة برلمانية راسخة، ولا سند نيابي فعلي، يكون عرضة للابتزاز السياسي أو الضغط الإعلامي أو الحسابات الخارجية. فالدولة لا تُدار بالنوايا الحسنة، بل بتوازن القوة، ووضوح القرار، والقدرة على الحسم.
إن الحاجة الوطنية تفرض اختيار رئيس وزراء مخضرم، قوي الشخصية، يمتلك رؤية سياسية واقتصادية متماسكة، ويحظى بدعم صريح من الإطار التنسيقي، ويستند إلى كتلة برلمانية فاعلة تمنحه القدرة على اتخاذ القرار بشجاعة، لا أن يكون رهينة للتوافقات الهشة أو التسويات المؤقتة التي تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
ولا تقتصر متطلبات هذه المرحلة على القوة السياسية والغطاء النيابي فحسب، بل تمتد إلى امتلاك رئيس الوزراء قدرة حقيقية على إدارة أحد أعقد ملفات الدولة العراقية، وهو ملف الفصائل والسلاح. فالمرحلة تحتاج إلى قيادة قادرة على إقناع الفصائل، لا بمنطق الخصومة ولا الوصاية، بل بمنطق الشراكة الوطنية، بالاندماج السياسي والأمني ضمن سياقات الدولة الدستورية، وبما يضمن وحدة القرار السيادي ويمنع ازدواج السلطة.
إن هذا المسار لا يعني التفريط بسلاح الحشد الشعبي أو تعريضه للاستهداف أو التصفية، بل يقتضي حمايته بوصفه جزءاً من المنظومة الدفاعية الرسمية، وصيانته من محاولات العزل أو التشويه أو الاستخدام خارج إطار الدولة. كما يتطلب التزاماً واضحاً بحماية المؤسسات الرمزية للنظام السياسي، وفي مقدمتها مؤسسة المساءلة والعدالة، و مؤسسة السجناء السياسيين، وحقوق عوائل الشهداء، بوصفها ركائز معنوية وأخلاقية لا يجوز إخضاعها للتجاذبات أو الصفقات أو الضغوط الخارجية.
كما أن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بقدرة رئيس الوزراء على تشكيل فريقه الحكومي وفق تصور استراتيجي متكامل، لا وفق إملاءات المحاصصة أو منطق المناصفة، لأن التركة الاقتصادية ثقيلة جداً، والديون الداخلية والخارجية مرعبة، والتصدعات السياسية والاجتماعية عميقة، وأي إدارة مرتجلة ستفاقم الأزمات بدل معالجتها.
وفي هذا السياق، تقع على عاتق الإطار التنسيقي مسؤولية مضاعفة، ليس فقط في اختيار الشخصية المناسبة، بل في تجاوز حساسيات المنافسة الشخصية، وتحييد الحسابات الضيقة، وتغليب منطق الدولة على منطق الأفراد. فالمراحل المصيرية لا تُدار بثقافة الإقصاء أو الخشية من صعود الآخر، بل بتقديم الأكفأ والأقدر، حتى وإن تعارض ذلك مع رغبات أو اعتبارات داخلية.
إن الشعب العراقي، وقواه الوطنية، ونقاباته، ونخبه، يعوّلون على اختيار رجل دولة لا موظف تسوية، وقائد مرحلة لا مدير أزمة مؤقت. شخصية قادرة على الإبحار بسفينة العراق وسط أمواج إقليمية عاتية، وصولاً إلى موانئ آمنة تحفظ الدولة، وتصون السيادة، وتمنع انزلاق العراق إلى سيناريوهات الفوضى أو التفكك.
إن التاريخ لا يرحم، والمرحلة لا تحتمل الخطأ، والمسؤولية اليوم تقع على عاتق الإطار التنسيقي في اتخاذ قرار بحجم الدولة… لا بحجم اللحظة
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post AuthorSee author's posts
المصدر
المصدر: المسلة
كلمات دلالية: الإطار التنسیقی
إقرأ أيضاً:
تحذير من عودة الحرب.. تصعيد إيراني مزدوج.. تهديد للممرات البحرية
البلاد (طهران)
صعّدت إيران من لهجتها السياسية والعسكرية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، مطلقة رسائل تحذيرية جديدة حملت تهديدات تتعلق بأمن الممرات البحرية الاستراتيجية وإمكانية تجدد المواجهة العسكرية، في وقت لا تزال فيه المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب تراوح مكانها دون تحقيق اختراق ملموس.
وفي هذا السياق، حذر قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني، العميد إسماعيل قاآني، من أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وقطاع غزة قد يدفع ما يعرف بـ«محور المقاومة» إلى اتخاذ خطوات من شأنها تغيير واقع الملاحة في مضيق باب المندب، بحيث يصبح شبيهاً بالوضع القائم في مضيق هرمز.
وأكد قاآني أن الدعم الأميركي لإسرائيل واستمرار الهجمات في غزة ولبنان سيؤديان إلى تعزيز التنسيق بين أطراف المحور وتوسيع نطاق الضغوط على الممرات البحرية الحيوية، ملمحاً إلى إمكانية اتخاذ إجراءات مشتركة تستهدف خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر والخليج العربي.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد التوتر الإقليمي منذ اندلاع المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما رافق ذلك من قيود مشددة على حركة السفن في مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على أسواق الطاقة العالمية ورفع منسوب القلق بشأن أمن سلاسل الإمداد الدولية.
ويُعد مضيقا هرمز وباب المندب من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبرهما كميات ضخمة من النفط والغاز والبضائع المتجهة بين آسيا وأوروبا، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيهما محل اهتمام ومتابعة دولية واسعة.
وفي موازاة هذه التصريحات، أطلق مسؤول عسكري إيراني بارز تحذيراً آخر بشأن مستقبل المواجهة مع الولايات المتحدة. وقال محمد جعفر أسدي، معاون قائد مقر خاتم الأنبياء، إن بلاده ترى أن الحرب قد تعود مجدداً في ظل ما وصفه بإصرار واشنطن على فرض الاستسلام الكامل على طهران. وأضاف أن القيادة الإيرانية ترفض أي شروط تمس سيادة البلاد أو استقلال قرارها السياسي، مؤكداً أن الشعب الإيراني لن يقبل الاستسلام مهما كانت الضغوط. كما شدد على أن القوات الإيرانية تتابع التطورات الميدانية وتستعد لجميع الاحتمالات، معتبراً أن الحرب لم تعد خياراً مستبعداً إذا استمرت الخلافات الحالية دون تسوية. وتأتي هذه المواقف بينما تواصل طهران وواشنطن مباحثاتهما غير المباشرة بوساطة باكستانية؛ سعياً للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب المستمرة منذ أشهر. إلا أن المفاوضات لم تحقق حتى الآن نتائج حاسمة.