القضايا الخارجية وأثرها في تشكيل المشهد التونسي
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
للوقوف عند جوهر الانقسامات الكبرى التي تحكم أهم الفاعلين الجماعيين في تونس منذ "الثورة"، يميل أغلب المهتمين بالشأن الوطني إما إلى اعتماد معيار الموقف من "الإسلام السياسي" باعتباره الفاعل غير المرحب به من لدن الأغلب الأعم من النخب "الحداثية"، أي المرفوض بصورة مطلقة ونهائية من ورثة المنظومات القديمة وحلفائهم الوظيفيين في السرديتين اليسارية والقومية؛ أو اعتماد معيار الموقف من النظام الحالي ومن سردية "تصحيح المسار" باعتبارها المقابل الفكري والموضوعي للديمقراطية التمثيلية من جهة أولى، وباعتبارها التهديد الوجودي لكل الأجسام الوسيطة السياسية والمدنية وغيرها، من جهة ثانية.
منذ بداية ما يُسمى بـ"الربيع العربي" كان الصراع السياسي في تونس لا يتغذى على القضايا المحلية بقدر ما كان يتغذى على الصراعات الإقليمية، وعلى أنماط من الذاكرة المؤدلجة التي تعاطت مع الأحداث من مواقع متباينة جذريا. كما كانت الاصطفافات الداخلية تعكس شبكة علاقات/تفضيلات خارجية يمكن ردها إلى سرديتين سياسيتين أساسيّتين: سردية أولى رأت في "الربيع العربي" مؤامرة كونية أو "ربيعا عبريا" هدفه ضرب محور "المقاومة والممانعة" وتسليط الرجعية الدينية "العميلة" على شعوب المنطقة، باعتماد ديمقراطية "فاسدة" أساسها التلاعب بالوعي الجمعي وحرفه عن قضاياه الحقيقية صوب قضايا هوياتية تزيد في "تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ". وفي هذه السردية نجد أغلب ما يُسمىّ بـ"القوى الديمقراطية" وورثة المنظومات الحاكمة قبل الثورات العربية. أما السردية الثانية فقد رأت في "الثورات العربية" وسقوط الأنظمة الاستبدادية فرصة لإعادة هندسة المجتمع بعيدا عن قبضة الأقليات الأيديولوجية والطائفية والعسكرية التي ورثت مرحلة الاستعمار المباشر وتحولت -رغم كل ادعاءتها- إلى منظومات استعمار داخلي تتحرك واقعيا ضد كل شعاراتها التحررية والتنموية. وفي هذه السردية نجد الإسلاميين -خاصة الحركات الإخوانية- مع بعض القوى "الحداثية" الهامشية وغير المؤثرة في التوجهات الكبرى لما يُسمّى في تونس بـ"العائلة الديمقراطية".
إذا كانت السردية الأولى قد أثبتت زيف مقالتها القائمة على معاداة الصهيونية والإمبريالية بالتحالف الاستراتيجي مع محور التطبيع والثورات المضادة ومع ورثة منظومات الاستعمار الداخلي، فإن حال أصحاب السردية الثانية لم يكن أفضل، خاصة بعد أن اختاروا التحول إلى جزء من منظومة الاستعمار الداخلي بعد شرعنتها صوريّا بإرادة الناخبين وتوسيع قاعدتها الاجتماعية لتشمل المهمشين والمقموعين جهويا وأيديولوجيا، لكن مع الحرص على عدم تهديد المصالح المادية والرمزية للنواة الصلبة لتلك المنظومة، وذلك باعتماد منطق "التوافق" مع وكلائها التقليديين والجدد. إننا أمام سرديتين تفصل بين ادعاءاتهما الذاتية وبين واقعهما هوة سحيقة تكاد تحولهما معا إلى "ظاهرة صوتية".
ونحن نذهب إلى أن "عطالة" السرديتين تعود إلى سبب جوهري يرتبط بموقفهما الحقيقي -لا الخطابي- من "منظومات الاستعمار الجديد" أو "منظومات الاستعمار الداخلي". فـ"الحداثيون" يصادرون على أن الأنظمة "التقدمية" -سواء أكانت نواتها طائفية أم عسكرية- هي جزء من مشروع التحرر الوطني والقومي والأممي بصرف النظر عن شرعيتها ومشروعيتها. كما يصادرون على أن "الإسلاميين" لا يمكن أن يكونوا بديلا مستقلا ولا حتى بديلا تشاركيا في إدارة الشأن العام بحكم الجوهر "الرجعي" لمقالاتهم.
في هذه السردية لا نستغرب أن يتحوّل الانقلاب العسكري في مصر إلى "ثورة تصحيحية"، ويصبح " المشير حفتر" المسنود بالمَداخلة مدافعا عن مدنية الدولة الليبية ضد "الرجعية الإخوانية"، كما لا نستغرب أن يدافع "الحداثيون" عن النظام الطائفي السوري (السابق) باعتباره نظاما قوميا ممانعا، ولا نستغرب أيضا من صمت "الديمقراطيين" عن دور محور التطبيع في تدمير مسارات الانتقال الديمقراطي بدءا بمصر وانتهاء بتونس، بل صمتهم عن دور ذلك المحور في ضرب محور "الممانعة والمقاومة"، مقابل تضخيمهم المتعمد للدورين القطري والتركي.
إن العقل المؤدلج لا يهتم كثيرا بالوقائع الموضوعية ولا يلزم نفسه بمعيار "الحقيقة". فالأهم عنده ليس بناء خطاب مطابق للواقع الإقليمي، بل بناء سردية تعيد هندسة ذلك الواقع -أي تزيفه قصديا- حتى يكون قابلا للتوظيف في الصراعات الداخلية ضد "الإسلاميين" وحلفائهم. وعلى خلاف ما يذهب إليه الرئيس التونسي الأسبق الدكتور منصف المرزوقي من أن المحدد الأساسي/الشرط الضروري لمواقف القوميين (مع إمكانية أن نضيف إليهم الماركسيين) من أي نظام هو موقفه من الصهيونية والإمبريالية، بصرف النظر عن طبيعته الاستبدادية وسجلاته البائسة في موضوعي الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإننا نرى أن المحدد الأساسي لمواقف "الأقليات الأيديولوجية" في تونس هو ميلها إلى الدفاع عن نظائرها من الأقليات سواء أكانت طائفية أم عسكرية، بشرط أن تكون مواقف تلك الأقليات معادية "للإسلام السياسي"، أو بالأحرى معادية "للأغلبية" التي قد تتحول إلى ظهير استراتيجي للحركات الإسلامية "السنية" في صورة اعتماد الديمقراطية التمثيلية.
إن هيمنة الأقليات بمختلف أشكالها لا يقع إلا بعيدا عن الإرادة الشعبية، وهي تعي جيدا أن أي تجربة ديمقراطية غير متلاعب بها من أجهزة الدولة ستدفع بالإسلاميين "السُّنة" إلى مركز الحقل السياسي. ولذلك فإن الأقليات الأيديولوجية لا مشكلة لها مع الإسلام السياسي الشيعي، وهي تتقاطع معه في أكثر من ملف داخليا وخارجيا. بل إن بعض رموز "العائلة الحداثية" -خاصة من القوميين وبعض اليساريين- لا يخفون ميلهم إلى سردية التشيع الديني فضلا عن التشيع السياسي.
وفي المقابل، فإن الأغلب الأعم من الحركات الإسلامية السنية -على عكس حركة حماس أو الجهاد الإسلامي- لم تستطع تجاوز التسييجات الطائفية التراثية، وما زالت بعيدة عن تقديم نموذج سياسي مطمئن للأقليات الأيديولوجية والدينية من جهة أولى، وقادر -من جهة ثانية- على هدم ميراث سايكس-بيكو وتجاوز واقع "الكيانات الوظيفية" من داخل التجربة الديمقراطية ذاتها، أي بعيدا عن السرديات "الجهادية" الطائفية ما قبل المواطنية، وبعيدا عن السرديات الوظيفية التي تلعن يزيدا جهرا وتعبده سرا، وتتغنى بالتحرر والتحديث والمقاومة وهي أعدى أعداء القضايا الكبرى فكريا وموضوعيا.
x.com/adel_arabi21
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء تونس ديمقراطية تونس اسلامي ديمقراطي ايديولوجي قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی تونس من جهة
إقرأ أيضاً:
القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
د. علي موسى الكناني
في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يعد الأمن السيبراني عاملا ثانويا، أو مكمّلا؛ بل تحوّل إلى أحد المحرّكات الخفيّة التي أثّرت بشكل مباشر على مسار الأحداث؛ سواء في الميدان أو داخل بنية الدولة. ما جرى في هذا المجال لم يكن حدثا واحدا واضحا؛ بل سلسلة من العمليات المتداخلة التي تراكم تأثيرها مع الوقت.
أول ما يمكن ملاحظته هو أن الهجمات السيبرانية أدّت إلى إرباك مستمر في إدارة البنى التحتية الحيوية. لم يكن الهدف دائما التدمير الكامل؛ بل خلق حالة من الضغط المتواصل عبر اختراقات محدودة، أو محاولات تعطيل جزئية؛ شبكات الكهرباء، أنظمة الاتصالات، وبعض المرافق المرتبطة بالطاقة، تعرّضت لمحاولات اختراق أو تشويش، ما فرض على المؤسسات المعنية العمل في حالة استنفار دائم. هذا الاستنزاف الفني والتقني انعكس على كفاءة الأداء العام، وأجبر الدول على تخصيص موارد إضافية للحماية بدلا من توجيهها بالكامل إلى الجهد العسكري التقليدي.
كما لعبت الهجمات السيبرانية دورًا واضحًا في تعزيز القدرة الاستخبارية للأطراف المتصارعة. عمليات الاختراق لم تكن تهدف فقط إلى التعطيل؛ بل إلى جمع معلومات دقيقة حول التحركات، والاتصالات، والبنية التنظيمية. هذا النوع من المعلومات وفر أفضلية نسبية في اتخاذ القرار، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. في بعض الحالات، أدى تسريب أو الوصول إلى بيانات حساسة إلى تغيير تكتيكات ميدانية أو إعادة ترتيب أولويات.
وكان هناك تأثير ملحوظ في القطاع الاقتصادي والمالي؛ فالهجمات التي استهدفت أنظمة مصرفية أو خدمات إلكترونية لم تؤدّ بالضرورة إلى انهيار شامل، لكنها خلقت حالة من القلق وعدم اليقين. المستخدمون واجهوا صعوبات مؤقتة في الوصول إلى خدماتهم، والشركات اضطرّت إلى تعليق بعض العمليات أو تعزيز إجراءاتها الأمنية بشكل مكلف. هذه الأجواء أثّرت على ثقة السوق، خاصة في ظل تزامنها مع توترات عسكرية، ما جعل الاقتصاد جزءا من دائرة الضغط.
ومن أبرز ما حدث أيضًا هو تصاعد الحرب الإعلامية الرقمية. الفضاء السيبراني تحوّل إلى ساحة لنشر الروايات المتضاربة، سواء عبر منصّات التواصل أو من خلال اختراق حسابات أو مواقع. هذا الأمر أدّى إلى تشويش في تدفّق المعلومات، وصعوبة في التمييز بين ما هو حقيقي، وما هو مضلل. نتيجة لذلك، أصبح الرأي العام هدفا مباشرا، حيث تسعى كل جهة إلى التأثير عليه أو توجيهه بما يخدم مصالحها.
إضافة إلى ذلك، شهدت الحرب استهدافًا للأنظمة اللوجستية وسلاسل الإمداد. بعض العمليات ركّزت على تعطيل منصات إدارة النقل أو الشحن، أو إرباك الأنظمة المرتبطة بتوزيع الموارد. ورغم أن هذه الهجمات غالبا ما تكون محدودة زمنيا، إلّا أن تأثيرها التراكمي يؤدي إلى بطء في الحركة الاقتصادية وخلل في توفر بعض الخدمات أو المواد.
ومن الجوانب المهمة أيضا التأثير النفسي والاجتماعي؛ فمجرد الإعلان عن هجوم سيبراني أو حتى احتمال حدوثه كان كفيلًا بإثارة القلق داخل المجتمع. الخوف من فقدان خدمات أساسية مثل الكهرباء أو الاتصالات أو الأنظمة الصحية الرقمية خلق حالة من التوتر، خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا. هذا الضغط النفسي يشكل بحد ذاته أحد أهداف الهجمات، لأنه يؤثّر على الاستقرار الداخلي.
في الوقت نفسه، أجبرت هذه التطورات الدول على إعادة توزيع أولوياتها ومواردها. لم يعد التركيز منصبّا فقط على الجبهات العسكرية؛ بل أصبح من الضروري تعزيز الدفاعات الرقمية، وتأمين الشبكات، وتدريب الكوادر. هذا التحول يعني أن جزءًا من الجهد والميزانية يتم توجيهه نحو مواجهة تهديد غير مرئي، لكنه مؤثر.
كما برزت مسألة صعوبة تحديد المسؤولية كعامل معقد في هذه الحرب. في كثير من الحالات، لا يمكن الجزم بشكل قاطع بمن يقف وراء الهجوم، بسبب استخدام تقنيات إخفاء المصدر، أو الاعتماد على أطراف وسيطة. هذا الغموض يقلل من فرص الرد المباشر، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام تصعيد غير محسوب، لأن كل طرف قد يفسر الهجمات بطريقته.
ولا يمكن تجاهل أن ما يحدث اليوم هو امتداد لتجارب سابقة، مثل هجوم "ستوكسنت"، الذي أظهر مبكرًا كيف يمكن للهجمات الرقمية أن تنتقل من مجرد تعطيل أنظمة إلى التأثير على منشآت مادية حساسة. هذا النموذج أصبح مرجعا ضمنيا لما يجري حاليًا، لكن بأدوات أكثر تطورًا وانتشارًا.
في المحصلة.. ما حدث بسبب الأمن السيبراني في هذه الحرب لم يكن حدثًا حاسمًا واحدًا؛ بل تراكم تأثيرات متعدّدة غير مباشرة. هذه التأثيرات شملت إرباك البنى التحتية، وتعزيز القدرات الاستخبارية، الضغط على الاقتصاد، التأثير على الرأي العام، واستنزاف الموارد. وبذلك، أصبح الأمن السيبراني عاملًا يحدّد إيقاع الصراع ويضيف إليه بُعدًا مُعقدًا، يجعل من الحرب أكثر تشابكا وأقل قابلية للتنبؤ بنتائجها.