د. حكمت المصري

في مخيمات النزوح بقطاع غزة، لا تُقاس المعاناة بعدد الخيام أو اتساع الدمار فقط، بل بما يختبئ في تفاصيل الحياة اليومية، طفل يبكي جوعًا، أو من لدغة حشرة، أم تحاول إرضاع طفلها بينما معدتها فارغة، قوارض تتجول في الخيمة بحثًا عن فتات طعام، برد يخطف حياة الأطفال، هنا تتقاطع الكارثة البيئية مع الجوع وانهيار الرعاية الصحية والواقع الانساني الذي أصبح لا يطاق، لتصبح حياة النازحين سباقًا إنسانيًا غير متكافئ مع المرض والموت البطيء ناهيك عن الحرب التي ما زالت مستمرة أحصد ارواح الابرياء يومياً.

شهادات من قلب المخيمات أم زين أحمد (35 عامًا)، نازحة منذ أشهر وحامل في شهرها التاسع ولديها ثلاثة أطفال، تقول: "لم أتوقع أن تسير الفئران أمامنا بهذا الشكل. في الليل لا ننام؛ الفئران تدخل بيننا، والأطفال يصرخون عند رؤيتهم لها. نخاف أن تعضّهم أو تنقل لهم مرضًا. حتى الطعام القليل الذي نملكه لم يعد آمنًا." وتضيف: "أضع مصيدة في إحدى زوايا الخيمة، تصطاد فأرًا كل ليلة تقريبًا، لكن العدد كبير جدًا. عندما رفعت الفراش وجدت العديد من الحفر، يبدو أن هناك الكثير من الفئران تحت الأرض." في مخيم اليرموك، تصف أم محمود سلام (52 عامًا) الوضع: "نعيش ظروفًا قاسية جدًا، النفايات تحيط بنا من كل جانب، الصرف الصحي أغرق الشوارع، والبنية التحتية مدمرة بالكامل في غزة. ابنتي أصيبت بطفح جلدي شديد بسبب الحشرات، لا دواء ولا مراهم. نحن محاصرون بالمرض من كل جهة. القوارض أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية، حياتنا لا تُطاق، نحن نموت ببطء." النساء المرضعات... معركة مضاعفة في زاوية أكثر قسوة من المشهد، تواجه النساء المرضعات معاناة مركّبة: خوف من القوارض والحشرات، وجوع مستمر يهدد قدرة الأم على إرضاع طفلها.

أم يزن ناصر (28 عامًا)، أم لطفل رضيع عمره ستة أشهر، تقول: "أرضع طفلي وأنا جائعة أحيانًا. لا أجد إلا وجبة واحدة في اليوم، أخاف أن يجف حليبي، الحشرات تلدغ طفلي، والفئران تمر قربه وهو نائم. أصحو من نومي مفزوعة وخائفة، حياتنا صعبة ولا تطاق، امطار وبرد وقوارض وصرف صحي وفقر، نحن نموت كل لحظة." سارة سمير (31 عامًا)، مرضعة لطفلين، تضيف: "أغلي الماء لأطفالي لقتل الجراثيم، الأمراض منتشرة بشكل كبير داخل المخيم. عندما أسمع عن وفاة طفل بسبب البرد أو الجوع أو المرض، أشعر بالخوف. طفلي يعاني من إسهال متكرر، نقص وزنه كثيرًا والطبيب قال إن السبب المياه الملوثة. كيف أحميه وأنا لا أملك بديلاً؟" بيئة ملوثة وحياة مكشوفة.

مع تدمير شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات في كل مكان، تحوّلت المخيمات إلى بؤر مفتوحة لتكاثر القوارض والحشرات. المياه الراكدة التي تسببها الامطار تحيط بالخيام، والروائح الكريهة تملأ المكان، فيما تعجز العائلات عن التنظيف في ظل غياب أدوات النظافة.

الفئران لم تعد تختبئ في الظلام، بل تتجوّل نهارًا بين الخيام، تقضم أكياس الطحين وتعبث بملابس الأطفال، تاركة وراءها فضلات تشكّل خطرًا صحيًا مباشرًا.

تحذير صحي: وباء محتمل حذّر مدير الإغاثة الطبية في غزة، الدكتور بسام زقوت، من أن هذه الظروف تشكّل أرضية خصبة لانتشار أمراض خطيرة، أبرزها مرض ليبتوسبيروز، وهو مرض بكتيري معدٍ ينتقل عبر بول القوارض ويمكن أن يصيب الإنسان عند ملامسة المياه أو التربة الملوثة، خاصة مع وجود جروح في الجلد.

وأشار إلى أن الأطفال والنساء، لا سيما الحوامل والمرضعات، هم الأكثر عرضة للمضاعفات، محذرًا من أن أي تفشٍ وبائي جديد في ظل الانهيار الصحي الحالي قد يكون كارثيًا.

أرقام تعكس حجم المأساة يعيش نحو 1.8 - 1.9 مليون نازح في قطاع غزة، معظمهم في خيام أو مراكز إيواء مكتظة.

الأطفال والنساء يشكلون أكثر من 60% من سكان المخيمات.

تم تسجيل آلاف الإصابات بالأمراض الجلدية والإسهالات خلال الأشهر الأخيرة، مع ارتفاع واضح بين الأطفال والرضّع.

هناك عشرات آلاف النساء الحوامل والمرضعات يفتقرن للغذاء الصحي والمياه النظيفة والرعاية الطبية الأساسية.

نظام صحي عاجز أمام الخطر في ظل نقص حاد في الأدوية ومواد التعقيم والمكملات الغذائية، وخروج عدد كبير من المرافق الصحية عن الخدمة، يشير الدكتور محمد أبو سلمية مدير مجمع الشفاء الطبي إلى أن أي تفشٍ وبائي جديد سيضع النظام الصحي المنهك أمام اختبار يفوق قدرته على الاستجابة.

سباق غير عادل مع الحياة في مخيمات النزوح بقطاع غزة، لا تركض النساء المرضعات لإطعام أطفالهن فقط، بل يركضن ضد الجوع، والمرض، والبيئة الملوثة، والخوف الدائم من وباء صامت. وبين خيمة وأخرى تتراكم أسباب الكارثة، فيما يظل التدخل الإنساني دون المستوى المطلوب.

في غزة، لم يعد النزوح فقدانًا للمكان فقط، بل تهديدًا مباشرًا للحياة، خاصة حياة الأضعف: الأطفال الرضّع وأمهاتهم، الذين يخوضون سباقًا إنسانيًا غير متكافئ للبقاء على قيد الحياة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الموت راحة.. صبري عبد المنعم يكشف عن تفاصيل معاناة سهام جلال

أكد الفنان صبري عبد المنعم أنه حزين على رحيل الفنانة سهام جلال، موضحًا أنه شاركها العمل في مسلسل هانم بنت باشا إلى جانب الفنانة حنان ترك وعدد من النجوم الآخرين.

من صعيدي في الجامعة الأمريكية لحدائق الشيطان.. محطات في مسيرة سهام جلال أمير كرارة يدافع عن نفسه: سهام جلال كانت تراسله على رقم خاطئ

وأضاف عبد المنعم، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج :" قلبك مع جمال شعبان" تقديم الدكتور جمال شعبان العميد السابق لمعهد القلب القومي، أنه عمل مع الفنانة سهام جلال، وكانت تجسد دور ابنته في المسلسل، مؤكدًا أنها كانت فنانة متميزة وتؤدي المطلوب منها بإتقان.

وأوضح أنه لم يرَ منها إلا كل خير، وأنه كان على تواصل هاتفي معها ويتابع أحوالها ويعلم ما كانت تعانيه، إلا أن مرضه خلال الفترة الأخيرة أدى إلى انقطاع التواصل بينهما.

ولفت إلى أن الراحلة انتقلت إلى رحمة الله وهي في مكان أفضل، مشيرًا إلى أنها عانت قبل وفاتها من بعض المشكلات، وكانت تبحث عن فرصة عمل، كما كانت تنشط عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي وتنشر مقاطع فيديو على تطبيق «تيك توك».

الموت راحة للإنسان

وأشار إلى أن الموت راحة للإنسان من معاناته، وأن سهام جلال ارتاحت مما كانت تعانيه، مؤكدًا أن ما مرت به أصابه بحزن شديد، خاصة مع تعرضها لأمراض ومشكلات صحية لم يكن يتوقعها.

سيطرت حالة من الحزن على الوسط الفني ورواد مواقع التواصل الاجتماعي عقب الإعلان عن وفاة الفنانة سهام جلال، حيث تصدر اسمها محركات البحث خلال الساعات الماضية، خاصة بعد تداول آخر رسالة كتبتها قبل دخولها غرفة العمليات، والتي تحولت إلى كلمات مؤثرة أثارت تعاطف محبيها وزملائها.

وكانت سهام جلال قد نشرت عبر خاصية "الستوري" عبر حساباتها الرسمية، رسالة قصيرة طلبت خلالها الدعاء لها قبل إجراء عملية جراحية، إذ كتبت: "اللهم أنزل شفاءك لمن مسه الضر، اللهم اشفِ وعافِ كل مريض يتألم.. أنا داخلة أعمل عملية دلوقتي، أسألكم الدعاء"، وبعد ساعات قليلة من نشر تلك الكلمات، جاء خبر وفاتها ليترك صدمة كبيرة لدى جمهورها.

وأعلن الفنان تامر عبد المنعم نبأ الوفاة عبر حسابه على موقع "فيسبوك"، حيث نعى الفنانة الراحلة بكلمات مؤثرة، معبرًا عن حزنه لرحيلها، ومقدمًا التعازي لأسرتها ومحبيها.

وخلال مسيرتها الفنية، استطاعت سهام جلال أن تترك بصمة مميزة من خلال مشاركتها في عدد من الأعمال السينمائية والدرامية التي حققت انتشارًا واسعًا، وكانت بدايتها في عالم الأضواء من خلال الإعلانات التجارية قبل أن تتجه إلى التمثيل، لتشارك لاحقًا في فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية الذي شكّل نقطة انطلاق مهمة للعديد من نجوم جيلها.

كما شاركت في أعمال سينمائية أخرى من بينها فيلم ثقافي وحرب إيطاليا، إلى جانب حضورها اللافت في الدراما التلفزيونية، خاصة من خلال مسلسل حدائق الشيطان وعدد من الأعمال التي عززت مكانتها لدى الجمهور.

 

 

مقالات مشابهة

  • الموت يغيب الفنانه سهام جلال
  • الموت راحة.. صبري عبد المنعم يكشف عن تفاصيل معاناة سهام جلال
  • بروتين مصل اللبن في أزمة عالمية.. وتحذيرات من غشه
  • «مسافة بين ثورتين».. كمال القاضي يوثق معركة الوعي في مصر
  • تقرير: 296 ألفاً و835 أسرة من النازحين وأفراد المجتمع المضيف في مأرب بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة
  • نائب بالشيوخ: مصر تقود معركة التهدئة بالمنطقة.. وتحركات الرئيس أغلقت أبواب الانزلاق للفوضى
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • تشييع جنازة الفنانة سهام جلال من مسجد حسن الشربتلي
  • سول وواشنطن تبدآن المحادثات الافتتاحية بشأن المبادرات الأمنية المتعلقة باتفاقات القمة
  • محافظ المنيا: 25 مليار جنيه استثمارات فى مشروعات المياه والصرف الصحي بـ 5 مراكز