بعد الحرب لا يعود سؤال الدولة سؤال سلطة وحاكمية، بل سؤال قدرة على الانتقال. فالدولة التي تخرج من النزاع لا تُقاس بما تعلنه من سياسات مركزية، بل بما يصل فعليًا إلى المواطن في معاشه، ومياه ، وصحته، وأمنه في الأحياء السكنية. هنا تحديدًا يخوض السودان معركته الحقيقية، معركة الاقتصاد المحلي بوصفه حجر الأساس في إعادة بناء الدولة.

لقد أثبتت التجربة التاريخية أن إعادة إنتاج الاقتصاد المركزي، مهما حسُنت نواياه، لا يقود إلا إلى هشاشة متجددة. فالمركز الذي يختزل الموارد والقرار يعيد إنتاج الاختلالات ذاتها التي فجّرت الأزمات. لذلك فإن الرهان هذه المرة يجب أن يتجه إلى المحليات، باعتبارها الوحدات الإدارية التي تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والخدمات والأمن.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه مرحلة ما بعد الحرب هو التعامل مع التعافي كعملية تُدار من الأعلى، بينما الواقع يفرض مقاربة معكوسة: من القاعدة إلى القمة. فالأسواق الشعبية ، والزراعة الحضرية، والحِرَف الصغيرة، وتنظيم الخدمات اليومية، ليست تفاصيل معيشية فحسب، بل هي بنية الاقتصاد الحقيقي الذي يحمي الاستقرار الاجتماعي ويمنع عودة التوترات.

في مقابل ذلك، تكشف التحركات التي شهدتها بعض الولايات في وقت سابق، وخلال الأيام الماضية، عن إدراك عملي بأن المحلية لم تعد مجرد وحدة إدارية دنيا، بل أصبحت المجال الحقيقي الذي تُعاد فيه صياغة علاقة الدولة بالمجتمع. ففي الخرطوم، وجّه والي الولاية، الأستاذ أحمد عثمان حمزة ، المديرين التنفيذيين للمحليات بتفعيل دور الوحدات الإدارية.

كذلك تنظيم الأسواق الشعبية، واستدامة جمع النفايات، وضمان انسياب المياه والمواصلات، مع التشديد على دور لجان أمن المحليات في بسط الأمن خلال مواسم الكثافة السكانية. هذه التوجيهات، في جوهرها، لا تتعلق بإدارة مرحلة أو ظرف، بل تعكس فهمًا سياسيًا تنمويًا بأن تنظيم السوق الشعبي، واحتواء الاقتصاد غير الرسمي، وتأمين الفضاء العام، هي أدوات استقرار بقدر ما هي خدمات، وأن غيابها يفتح الباب للفوضى والتوتر.

وفي وقت سابق بولاية كسلا، استقبل والي الولاية اللواء ركن الصادق محمد الأزرق مدير فرع الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، وأكد على أهمية إحكام التنسيق بين الهيئة والمحليات. هذا الحديث، يحمل دلالة سياسية محسوبة، فحماية المستهلك، وضبط الأوزان، وتوكيد الجودة، ليست مسائل إجرائية، بل عناصر أساسية في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فالسوق غير المنضبط يولّد شعورًا دائمًا بالظلم، بينما السوق العادل يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الحامية للمكتسبات، لا الجابية للأتاوت.

وفي سياق متصل، وخلال جولات تفقدية ميدانية في الأيام الماضية، شدد والي ولاية نهر النيل، د. محمد البدوي عبد الماجد أبو قرون، على أولوية معالجة مشكلات المياه والصحة، وأصدر توجيهات عاجلة للمحليات والوحدات الإدارية بالإسراع في الحلول، بالتنسيق مع هيئة المياه والدفاع المدني، مع التوسع في إدخال الطاقة الشمسية لمحطات المياه والمرافق الصحية. كما دعا قيادات المحليات إلى النزول الميداني والتواصل المباشر مع المواطنين، وتشكيل غرف طوارئ لمتابعة انسياب الخدمات.

هذه المقاربة الجديدة تعكس إدراكًا بأن أحد جذور النزاع السوداني تمثّل في انقطاع الدولة عن المجتمع، وتحولها إلى كيان بعيد، لا يظهر إلا في لحظات الجباية أو الأزمات، وأن إعادة بناء الثقة تبدأ من حضور الدولة في تفاصيل المعاش اليومي والخدمات وتعزيز فرص كسب العيش.

كذلك الأمر في ولاية الجزيرة، وخلال الأمس القريب، أعلن والي الولاية الطاهر إبراهيم الخير استمرار حملات إصحاح البيئة ومكافحة نواقل الأمراض، بمشاركة الجيش والشرطة والمخابرات والمجتمع المحلي.

القاسم المشترك بين هذه النماذج، على تباين سياقاتها، هو تحوّل مركز الثقل من دولةٍ مجرّدة إلى دولةٍ متجذّرة محليًا. فعندما تُدار الأسواق والمياه والكهرباء والصحة من داخل المحلية، وبفهمٍ لصيق بواقعها الاجتماعي والاقتصادي، تضيق الفجوة بين المدينة والريف، وتتراجع أسباب التهميش، ويُعاد دمج الاقتصاد المحلي كرافعة تنموية لا كعبء على التخطيط القومي. وإذا ما ترسخت هذه المقاربة كخيارٍ استراتيجي.

فإن أثرها سيتجاوز تحسين الخدمات إلى إعادة تشكيل بنية الدولة. سياسيًا تُبنى الشرعية على الأداء لا الخطاب وتتراجع بؤر الاحتقان. اجتماعيًا تتعزز شبكات التضامن ويتسع دور الشباب والمرأة . تنمويًا، تترسخ حلول محلية مستدامة ومنخفضة الكلفة. اقتصاديًا يوسّع تمكين المحليات القاعدة الإنتاجية ويحقق نموًا تراكميًا متوازنًا أكثر قدرة على الصمود والانتاج.

بحسب #وجه_الحقيقة ، تعود الفكرة إلى أصلها ومعناها : المحليات كأساس للدولة الجديدة باعتبارها خيارًا سياسيًا تنمويًا لتجاوز جذور النزاع وبناء دولة مختلفة في منطقها ووظيفتها. دولة تبدأ من حيث يعيش الناس، وتُقاس قوتها بانتظام حياتهم اليومية، وتستمد شرعيتها من الخدمة والعدالة، لا من السيطرة والخطاب. هذا النهج وحده القادر على أن يكون أكثر رسوخًا، وأكثر عدلًا، وأكثر قابلية للاستدامة في سودان ما بعد الحرب.
دمتم بخير وعافية.
السبت 10 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/10 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة بين مؤشر البيتزا في واشنطن ومؤشر الصعوط في أمدرمان ????2026/01/10 نحن أمام تمرّد يتجه نحو تفكيك التحالف المسمّى بالجنجويد2026/01/10 على الحكومة السودانية ابداء رأي صريح حول مسعود بولس2026/01/09 فزاعة الكيزان لا-عقلانية تدمر العقل2026/01/09 صيوانات العزاء… المؤشر الأخطر لانهيار المليشيا2026/01/09 غاب الاتساق في التواطؤ السكوتي او العلني في قضية العدوان الأجنبي علي السودان.2026/01/09شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات حماية المدنيين في الحرب ، أم الحرب علي المدنيين ؟ 2026/01/09

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

إبراهيم حسن: لن نفرط في فرصة كأس العالم 2026.. وهدفنا كتابة تاريخ جديد لمصر

أكد إبراهيم حسن، مدير منتخب مصر، أن الجهاز الفني واللاعبين يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم خلال منافسات كأس العالم 2026، مشددًا على أن الهدف هو تحقيق إنجاز يليق بالكرة المصرية وكتابة صفحة جديدة في تاريخ المنتخب على الساحة العالمية.

وأوضح إبراهيم حسن أن بعثة المنتخب بدأت برنامجها التحضيري فور الوصول إلى مقر الإقامة، من أجل التأقلم مع الأجواء وفارق التوقيت قبل انطلاق المنافسات.

وقال في تصريحات تلفزيونية عبر قناة "أون سبورت": "نتمنى أن نقدم شيئًا كبيرًا لمصر في كأس العالم 2026. بدأنا التدريبات منذ اليوم الأول، ولدينا برنامج متكامل يشمل التدريبات والمحاضرات الفنية بقيادة حسام حسن، كما نعمل على التأقلم مع فارق التوقيت الذي يصل إلى سبع ساعات، لما له من تأثير كبير على التركيز والجاهزية البدنية".

وأضاف أن اللاعبين يتأقلمون تدريجيًا مع الأجواء الجديدة، مؤكدًا ثقته في قدرتهم على الوصول إلى أفضل حالة فنية وبدنية قبل خوض المباريات الرسمية.

رسالة خاصة للاعبين

ووجه مدير المنتخب رسالة تحفيزية للاعبين، مطالبًا إياهم باستغلال فرصة المشاركة في كأس العالم وعدم التفريط فيها، مشيرًا إلى أن مثل هذه الفرص قد لا تتكرر كثيرًا خلال المسيرة الكروية لأي لاعب.

وقال: "أطالب اللاعبين دائمًا بالتمسك بهذه الفرصة والاستفادة منها، لأن الظروف تتغير سريعًا، ولا أحد يضمن المشاركة في البطولات المقبلة. الإصابات والظروف المختلفة قد تحرم أي لاعب من تحقيق حلمه، ولذلك يجب أن يعيش الجميع اللحظة ويقدروا قيمتها".

وأشار إلى أن المشاركة في كأس العالم تمثل شرفًا كبيرًا لكل من يرتدي قميص منتخب مصر، مؤكدًا أن الجماهير المصرية تنتظر من اللاعبين تقديم أداء يليق باسم المنتخب وتاريخه.

طموح لصناعة إنجاز جديد

وأكد إبراهيم حسن أن الجهاز الفني بقيادة حسام حسن يتعامل مع البطولة بطموحات كبيرة، مشددًا على أن المنتخب لا يسعى إلى مجرد الظهور المشرف، بل يتطلع إلى تحقيق نتائج مميزة وصناعة إنجاز جديد.

وأضاف: "شرف كبير لنا أن نشارك في كأس العالم كلاعبين ثم نعود للمشاركة فيه كجهاز فني. ندرك قيمة الحدث وحجم المسؤولية، ونعرف جيدًا ما الذي نريده من هذه المشاركة، ولن نفرط في هذه الفرصة".

لا وجود لمنتخبات سهلة

وشدد مدير المنتخب على صعوبة المنافسة في كأس العالم، مؤكدًا أن جميع المنتخبات المتأهلة وصلت إلى البطولة عن جدارة واستحقاق.

وقال: "لا توجد مباريات سهلة في كأس العالم، وكل المنتخبات الموجودة في البطولة وصلت بعد مشوار قوي، وهناك منتخبات كبيرة لم تتمكن من التأهل. لذلك يجب ألا يستهين أحد بأي منافس".

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن جميع المنتخبات تدخل المونديال بطموح تحقيق الإنجاز، مضيفًا: "الجميع يأتي إلى كأس العالم من أجل الفوز وصناعة التاريخ، ونحن أيضًا نملك هذا الطموح. هدفنا أن نحقق إنجازًا يخلده التاريخ وأن نكتب صفحة جديدة للكرة المصرية في المونديال".

مقالات مشابهة

  • مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق
  • إبراهيم حسن: لن نفرط في فرصة كأس العالم 2026.. وهدفنا كتابة تاريخ جديد لمصر
  • سياحة اليخوت وتحلية المياه والزراعة التصديرية.. مصر تفتح أبواب فرص النمو
  • الكتائب يدعم مفاوضات واشنطن ويطالب بإنهاء حالة الحرب في لبنان
  • 5% من الأرباح إلى الخزانة .. كيف تراهن الحكومة على شركات الدولة لزيادة الموارد؟
  • دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة
  • الإمارات ترسخ نموذج الاقتصاد الدائري عبر شراكات ومبادرات نوعية
  • ماذا ستحصل الخزانة العامة من أرباح الشركات الحكومية؟
  • الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟
  • إبراهيم عبد الجواد يثير الجدل بشأن أهداف منتخب مصر.. تفاصيل